معلومات تاريخية

كيف مارس البابليون مهنة الطب؟

شريعة حمورابي: الجراح إذا أخطأ في استعمال مشرطه؛ تُقطع يده

تعود جذور الحضارة البابلية إلى الألفين الثاني والثالث قبل الميلاد، حيث اتخذ البابليون من وسط العراق القديم مقراً لحضارتهم.

وقد قدمت هذه الحضارة للبشرية كثيرا من الفنون والعلوم، هذا فضلاً عن تقدمها في شؤون الفن والأدب.

خلط مع الكهانة والسحر:-

أما في المجال الطبي، فإن الدكتور راغب السرجاني؛ يسلط الضوء على ما قدمته هذه الحضارة للبشرية، وذلك في كتابه “قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية”.

ويقول السرجاني في مقدمة حديثه عن الطب البابلي: إن أهل هذه الحضارة مارسوه أولاً بشكل مختلط مع الكهانة والسحر، شأنهم شأن أندادهم المصريين القدامى.

البابليون دونوا غالبية علومهم ويومياتهم
البابليون دونوا غالبية علومهم ويومياتهم

المسؤولية الطبية متفاوتة :-

مسؤلية البابليين الطبية كانت متفاوتة حينها، حيث لم يكن الكاهن أو الساحر تحت طائلة المسؤولية فيما لو أخطأ في علاج مرضاه، بينما كانت تقع العقوبة على الطبيب الجراح الذي تفشل مهمة علاجه وجراحاته للمرضى والمصابين، ذلك، لأنه يعمل بيديه لا بالقوة الكهنوتية أو السحرية.

أقدم القوانين الطبية:-

إن المواد 215 لغاية 223 من قانون حمورابي -الذي أسس السلالة العربية الحاكمة في بابل، وحكم في الفترة الواقعة بين عامي (1792 -1750 قبل الميلاد)-، هذه المواد تعتبر من بين أقدم القوانين الطبية في الوجود.

وتظهر هذه المواد أيضاً مقدار المكانة الرفيعة التي كان يصيبها الطبيب في المجتمع العراقي القديم، بيد أنها في الوقت ذاته تفيدنا بمقدار العقاب الذي قد يقع على الطبيب المهمل أو المقصر.

حمورابي
حمورابي.. أحد أعظم ملوك العراق القديم

حمورابي يعالج المسؤوليات الطبية:-

ومن هنا؛ نصت شريحة حمورابي على أن الجراح إذا ما استعمل مشرطه وأخطأ في استعماله، تُقطع يده، وإذا تقاضى أكثر مما يستحق فإنه يعاقب بالحبس.

كما نظّمت شريعة حمورابي أسعار الخدمات الطبية وأجور الأطباء، كما حرصت على فرض عقوبات على الحاضنات والمراضع اللائي يهملن العناية بالرضع.

مسؤوليات الطبيب في بابل:-

وقد تناولت شريعة حمورابي في موادها المصنفة من الرقم 215 إلى 223 مسؤوليات الطبيب القانونية عن العمليات التي يجريها.

النصوص القانونية المتبعة كانت تأخذ بعين الاعتبار مستوى الطبقة الإجتماعية التي ينتمي لها الشخص المدان - البابليون
النصوص القانونية المتبعة كانت تأخذ بعين الاعتبار مستوى الطبقة الإجتماعية التي ينتمي لها الشخص المدان

فمثلاً؛ “إن قام طبيب بإجراء عملية جراحية بمدية برونزية للعين، أو لكسر في العظام، أو لعضلة من عضلات الجسم؛ فإن أجره يترواح وفقاً للطبقة التي ينتمي إليها المريض، وتبعاً لنوعية العملية”.

وهنا غالباً ما كانت تجري العمليات على العيون، ما يشي بانتشار هذا المرض بكثرة في بلاد الرافدين، وذلك بحسب الكاتب الألماني هورست كلينكل، مؤلف كتاب حمورابي البابلي وعصره.

وكان الأجر الذي يتقاضاه الطبيب في العادة يتراوح بين شاقلين (العملة المعتمدة آنذاك) للعبد و 10 شواقل للإنسان الحر.

بابل حيث كانت المسؤوليات القانونية المترتبة على أعمال الطبيب - البابليون
بابل حيث كانت المسؤوليات القانونية المترتبة على أعمال الطبيب؛ متفاوتة وذلك تبعاً للطبقة التي ينتمي إليها المريض

أما إذا لقي المريض حتفه تحت مبضع الجراح، أو تعرضه عينه للفقدان أو التلف؛ فالويل والثبور للطبيب الذي تحكِم عليه شريعة حمورابي بقطع اليد التي أجرت العملية وأخطأت فيها.

إما إن كان المريض عبداً لأحد المشكينوم ( المساكين، أي الطبقة الثانية بالمجتمع) ؛ فإن هناك احتمالين لمعالجة الموقف، فإما يعوض صاحبه بعبد آخر، أو أن يدفع ثمن نصف قيمته إذا فقد المريض بصره.

والغرض من قطع يد الطبيب هو منع الأخير عن اقتراف خطأ آخر في المستقبل، ولكن المؤلف الألماني المذكور يرجح بأن هذه العقوبة لم تكن تقع في غالب الأحيان، إذ كان يحل مكانها الغرامات المالية.

الطبيب البيطري والحلاق:-

ويبدو أن الطبيب البيطري كان أحسن حالاً من نظيره البشري، فإذا نفق ثور أو حمار بين يديه؛ يتوجب عليه دفع مبلغ من المال تبعاً لما جاء في البندين 224 و 225 من الشريعة التي دشنها حمورابي.

وعندما يقوم الحلاق بمهنة الطبيب في بابل -حيث كان يفعل ذلك أحياناً قديماً خصوصاً في مجال علاج الأسنان في مواقع مختلفة من أوروبا- فإن المادتين 226 و 227 من شريعة حمورابي تتحدثان عن شؤون وشجونه (الحلاق).

العراقيون القدامى نظموا مختلف شؤون حياتهم بطريقة مكتوبة – متحف الميتروبوليتان

وفي هذه الحالة ” إذا أزال الحلاق شارة العبودية عن عبد بدون علم صاحبه، أو عن عبد لا يخصه، تُقطع يد الحلَّاق، أما إذا خدع سيدٌ حلاقاً، وتركه ينزع شارة العبودية عن عبد لا يخصه؛ فإن هذا السيد يقتل، ويدفن أمام باب بيته، وعلى الحلاق أن يقسم بأنه كان يجهل واقع الحال ليتم إخلاء سبيله”.

ضرب المرأة الحامل وفقدان جنينها:-

وقد ثبتت عقوبات على كل من يعتدي بالضَّرب على امرأة حامل تفقد بسببه جنينها، وتتراوح العقوبة وفق الطَّبقة التي تنتمي إليها الحامل، فإذا وافتها المنية وكانت من طبقة الأحرار تُقتل ابنة الفاعل، وما عدا ذلك تسوَّى الأمور بغرامات مالية (المواد من 209 إلى الرَّقم 214).

ممَّا تقدَّم نفهم أن فقدان الجنين غير ذي بال، والمهم هو موضوع أذى الأم أو موتها، أما بالنِّسبة للعبيد والإماء فيكفي أن يعوَّض سيدهم بقدر من المال يساوي النَّقص الذي لحق بقيمتهم الشِّرائية.

المذاهب الطبية التي سادت بابل:-

وتعرَّض السرجاني في كتابه المذكور إلى مذاهب العلاج الثلاثة التي سادت بابل وهي:

  • المعالجة بالنصح (الطب الوقائي).
  • المعالجة بتشخيص المرض ووصف الأدوية النباتية والحيوانية والمعدنية (الطب المزاجي الطبيعي).
  • المعالجة بالسحر والطلاسم (الطب النفسي).

هذا دون أن ينفي معرفة بعض الأطباء البابليين بكيفية تنفيذ العمليات الجراحية، كما استعملوا الحشيش والأفيون للتخدير عند إجراء تلك العمليات.

العراق القديم شهد ولادة حضارات ضخمة

عرض المريض في مكان عام:-

وقد كان أهل المريض إذا عجز الأطباء عن مداواة مريضهم؛ يقومون بوضعه في الأماكن العامة، آملين مرور من كان قد أصيب بمثل ما اعتراه، فيصف له العلاج الذي كان قد شفاه.

وقد سادت هذه الحضارة الغابرة قناعة وإيمان راسخ بأن الأمراض الشديدة تأتي بفعل غضب الآلهة، أو بفعل تأثيرات السحر.

قناعات سائدة في بابل:-

وقال الدكتور عامر النجار في مقدمة تحقيقه ودراسته لكتاب “عيون الأنباء فى طبقات الأطباء” لمؤرخ أعمال الأطباء ابن أبي أصيبعة، في سياق حديث الأول عن الطب القديم في بلاد الرافدين: “إن أطباء بابل عرفوا التشريح معرفة جيدة واهتموا بدراسة كبد الإنسان، وذلك لظنهم أنه رئيس جميع الأعضاء وأنه مركز العاطفة، كما أن القلب عندهم كان مركزا للعقل”.

كما تعرض النجار إلى طقوس العلاج التي مارسها الأطباء في بابل والتي اختلط فيها العلم بالمعتقدات السائدة آنذاك، ويقول : ومن أغرب ما كان يتبع عندهم في العلاج “أن الساحر بعد أن يسيطر على الروح المؤثرة في المرض؛ يحولها إلى مادة مُحسة ثم يقضي عليها، كأن يحولها إلى إناء به ماء ثم يكسر الإناء أمام المريض، فيراق ما به من ماء أو يحولها إلى تمثال من الخزف يُربط بجسم المريض ثم يُرفع عنه”.

وأضاف ” ومما كان يتبع في علاج عُقدة اللسان أو التواء الأمعاء؛ أن يؤتى بحبل عُقدت فيه عدة عقد ثم يحلها الساحر واحدة واحدة، وهو يتمتم تمتماته التي نعهدها في المشعوذين”.

ابن أبي أصيبعة الذي أرَّخَ للعلوم الطبية في العهود الإسلامية التي سبقته

ويزيد محقق كتاب ” عيون الأنباء فى طبقات الأطباء” لابن أبي أصيبعة: ” لهذا كان الساحر الطبيب يتمتع بنفوذ آنذاك، لأنه كان يمثل واسطة بين المريض وبين قوى الأرواح التي كانت تتحكم في زعمهم في التأثير على المريض، وكان الطبيب الساحر يقدر على طرد هذه الأرواح من جسم المريض. ولهذا فقد كان الطبيب يتمتع بنفوذ عظيم لدى البابليين”.

وقد استمد الساحر قوته من الآلهة (الادعاء) أو من أرواح تأتي من عالم الغيب، فتحتل جسده وتساعده على القيام بعمله، وكثيرا ما كان السحرة يدَّعون أنهم يعملون أعمالهم السحرية بالاتصال بتلك الأرواح، اتصالا يخفى على بقية الناس.

المصادر:-

  • الدكتور راغب السرجاني، كتاب “قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية”.
  • هورست كلينكل، حمورابي البابلي وعصره.
  • مكتبة الكونغرس الأميركية.
  • متحف الميتروبوليتان.
  • كتاب عيون الأنباء فى طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، مقدمة المحقق للكتاب.

https://images.metmuseum.org/CRDImages/an/original/DP360674.jpg

https://www.dkfindout.com/us/history/mesopotamia/babylon/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى