معلومات تاريخية

كيف قام أبو الأسود الدؤلي بتشكيل القرآن الكريم ؟

ابتكر نَقط الإعراب، ولم يأخذه عن أحد، وهذا الأمر ليس بمستبعد على شخص بذكائه وسعة علمه

لقد كان تشكيل القرآن الكريم من أهم الإنجازات التي قام بها أبو الأسود الدؤلي ، ليس فقط لأنه حفظ القرآن الكريم من اللحن، ولكن لأنه حمى اللغة العربية، وأدى إلى تطوير نظام الكتابة ووصوله لمرحلة النضج.

هل القرآن الكريم نزل بالتشكيل؟

تمهيد:

مرت الكتابة العربية بعدة مراحل حتى وصلت للشكل المتعارف عليه اليوم، فلم تكن الكتابة في الجاهلية وفي عصر صدر الإسلام منقوطة، ولا مشكولة، وذلك لأسباب متعددة من أهمها:

  • أن الكتابة لم تكن تستعمل على نطاق واسع، كما كان قليل من يعرفها.
  • وكذلك اعتماد العرب على ذاكرتهم في الحفظ.
صفحة من القران الكريم بالخط الكوفي
صفحة من القرآن الكريم بالخط الكوفي – القرن التاسع الميلادي – متحف الميتروبوليتان

وبالرغم من عدم وجود نَقْط ولا تشكيل ؛ إلا أن العربي بفطرته السليمة كان يقرأ قراءة صحيحة، فلا يلحن أبدًا.

لعل هذا التمهيد يجعلنا نعرف أن القرآن الكريم مثله مثل غيره من الكتابات لم يكن مُشكَّلًا، وإن كان الصحابة والتابعون يقرأونه بالتشكيل دون لحن أو خطأ.

أبو الأسود الدؤلي أول من وضع تشكيل القرآن الكريم ؟

وضع أبو الأسود الدؤلي الكناني -المولود في الكوفة والمتوفى في البصرة (16-69 هجري) علم النحو، وذلك بعد ظهور اللحن؛ بفعل اختلاط العرب بالعجم، واتساع رقعة الدولة الإسلامية، ثم تفكّر في نظام الكتابة الموجود، الذي ليس فيه أي تشكيل، ووجد أن المكتوب لا يُعبر بصورة دقيقة عن المنطوق.

وهنا قرر أن يحاول ابتكار نوع من الكتابة التكميلية حتى يتغلب على مشكلة اللحن، فهداه الله إلى نَقْط الإعراب، وقد عُرف أيضًا بنَقْط أبي الأسود.

أبو الأسود الدُّؤَلي الكِناني إمام النحو وقاضي البصرة.

كيف قام أبو الأسود الدؤلي بتشكيل القرآن الكريم ؟

الاستعانة بتلاميذه من أجل تشكيل القرآن الكريم :

بعدما قرر أبو الأسود الدؤلي تشكيل القرآن الكريم طلب من زياد بن أبيه والي البصرة أن يرسل له مجموعة من الرجال ليتخير منهم الأكفاء حتى يساعدوه في تشكيل القرآن الكريم، فتخير عشرة ثم استقر الأمر على اثنين، وهما يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم الليثي -والأخير هو مبتكر نَقْط الإعجام على الراجح-.

كيف قام بتشكيل القرآن؟

قال أبو الأسود الدؤلي لتلميذه نصر بن عاصم :”إذا رأيتني لفظت بالحرف فضممت شفتي فاجعل أمام الحرف نقطة؛ فإذا ضممت شفتي بغنة فاجعل نقْطتين، فإذا رأيتني قد كسرت شفتي فاجعل أسفل الحرف نقْطة؛ فإذا كسرت شفتي بغنة فاجعل نقطتين، فإذا رأيتني قد فتحت شفتي فاجعل على الحرف نقطة؛ فإذا فتحت شفتي بغنة فاجعل نقطتين”.

وبذلك؛ فإن أبا الأسود كان يقرأ ونصر بن عاصم يُشكِّل، والظاهر من هذا النص أن نَقْط أبي الأسود اقتصر على الحركات الأصلية الضمة والفتحة والكسرة، والتنوين.

هل نَقْط أبي الأسود كان لكل الكلمة؟

لقد كان هدف أبي الأسود من نَقط الإعراب واضحًا من البداية، وهو حماية القرآن الكريم من اللحن، ولما كان اللحن في عصر أبي الأسود في الإعراب، فإنه اقتصر على تشكيل أواخر الكلمات فقط، ولم يُشكل الكلمة كاملة، نظرًا لعدم الحاجة لذلك.

آراء العلماء في نَقْط أبي الأسود :-

لقد اختلفت آراء العلماء في نَقْط أبي الأسود، فالبعض كرهه لأنه رأى أنه زيادة على القرآن الكريم ومنهم ابن عمر وقتادة ومحمد بن سيرين.

ومن العلماء من رخّص تنقيط المصاحف للحاجة، ومن أهمهم الحسن ومالك؛ وكان ابن أبي ليلى من أنَقْط الناس، وروى هشام أن الكسائي كان يقرأ والناس تنَقْط المصاحف.

هذه الصفحة من القرآن العظيم تعود للقرن التاسع الميلادي – الميتروبوليتان

ومن العلماء من رأى أن يوضع عند الحاجة فقط، يعني في مواضع اللبس.

وعلى كلٍ؛ فلم يكن نَقْط أبي الأسود إلزاميًا، بمعنى أنه من الممكن شراء وكتابة المصاحف من دون نَقْط، وقد ظل ذلك زمنًا طويلًا، فكما سبق أن الناس كانت تنقط وراء الكسائي.

هل نَقْط أبي الأسود الدؤلي مأخوذ عن السريان ؟

هناك اتجاه يقول: إن نَقْط أبي الأسود مأخوذ عن السريان، ويستدلون أنه كان في العراق فلابد أنه اطلع على الثقافة السريانية، وتعلم الكتابة السريانية، ويستبعدون أن يكون هو مبتكر هذا النَقْط ، ومن أشهر أصحاب هذا الاتجاه جورجي زيدان، والدكتور عزة حسن محقق المحكم في نَقْط القرآن وغيرهم.

وهذا الاتجاه لا يوجد عليه دليل علمي، وإنما هو ضرب من التخمين، ويمكننا الرد على هذا الاتجاه في النقاط التالية:

  1. لم يثبت بالأدلة الصحيحة اطلاع أبي الأسود الدؤلي على الكتابة السريانية، ولا تعلّم اللغة السريانية.
  2. اختلف الباحثون في تاريخ ظهور النَقْط في الكتابة السريانية، والراجح أنه كان في النصف الأول للقرن الثاني الهجري، أي بعد نَقْط أبي الأسود بمدة طويلة؛ بل إن هناك من يقول: إن نَقْط السريان مأخوذ عن أبي الأسود وليس العكس.
  3. لا يعقل أن شخصاً مثل أبي الأسود -غيور على الدين واللغة، ويريد إبعادها عن العُجمة- أن يستعمل رموزًا أعجمية.
  4. الذين كرهوا النَقْط لم يستدل أيٌّ منهم بأنه أعجمي، وهي حجة قوية تدعم رأيهم.

كل هذه النقاط وغيرها تقودنا إلى أن أبا الأسود الدؤلي ابتكر نَقط الإعراب، ولم يأخذه عن أحد، وهذا الأمر ليس بمستبعد على شخص بذكائه وسعة علمه.

نَقْط الإعراب بعد أبي الأسود الدؤلي :-

لقد خطا أبو الأسود الخطوة الأولى نحو تشكيل القرآن الكريم، ولكن مع مرور الوقت احتاج هذا النَقط الذي وضعه لبعض التعديلات، وهي إضافة علامة للشدة، والسكون، والتفرقة بين همزات الوصل والقطع، وتحديد مكان الهمزة، وقد نَقْط العلماء بعد أبي الأسود هذه الأشياء واستعملوا الألوان في التفريق بين نقط الإعراب والإعجام، فاستعملوا الأسود، والأصفر والأحمر، واختلفت طريقة النَقْط في المشرق عن المغرب.

الخليل بن أحمد الفراهيدي وتشكيل القرآن الكريم :-

لقد تأمل الخليل بن أحمد الفراهيدي (واضِع علم العروض الذي عاش بين 100 و170 هجري) نَقْط أبي الأسود أو نَقْط الإعراب وما طرأ عليه من تعديلات، ورأى فيه عدة عيوب ومنها:

  • كثرة الألوان الموجودة في المصحف.
  • المعاناة التي يعانيها القارئ للتفرقة بين نَقط الإعراب والإعجام.
  • لا يستفيد من هذا النظام إلا عالم بالنَقط، لدرجة أن هناك مؤلفات عديدة في النَقط.
  • المشقة الكبيرة عند كتابة المصحف، فأولًا يكتب الصفحة، ثم يضع نَقْط الإعجام، ثم نَقْط الإعراب، ويغير بين الحمرة والصفرة، وأحيانًا الذي يكتب يكون غير الذي ينقط.
الفراهيدي الزاهد
الخليل بن أحمد الفراهيدي

كل هذه الأمور جعلت نَقط الإعراب بحاجة إلى تطوير، وهذا ما فعله الخليل، لكي يكون تشكيل القرآن الكريم أوضح.

فقد ظل يتأمل في هذه الحركات (الضمة والفتحة والكسرة)، واستطاع أن يدرك العلاقة بينها وبين الواو والألف والياء، وأن هذه الحركات إنما هي أبعاض الحروف، وبالتالي فكر في استمداد الحركات الإعرابية منها، فجعل الضمة واو صغيرة، والفتحة ألف صغيرة فوق الحرف، والكسرة ياء صغيرة أسفل الحرف، وقد تطورت فيما بعد للشكل الحالي.

وأما الشدة؛ فقد اقتبس علامتها من حرف الشين أول كلمة شديد.

وأما السكون؛ فقد أخذه من خفيف وجعل علامته رأس خاء، وهي ما زالت معمول بها إلى اليوم.

وجعل التنوين حركتين، وميّز بين همزات القطع والوصل، فجعل همزة القطع علامتها جزء صغير من العين لقرب العين من الهمزة في المخرج.

مصحف مشكل تم خطه في الهند خلال القرن الثالث عشر الميلادي
مصحف مشكل تم خطه في الهند خلال القرن الثالث عشر الميلادي

وأما همزة الوصل؛ فقد جعل علامتها رأس صاد من كلمة صل أو وصل.

لقد كان تشكيل القرآن الكريم بطريقة أبي الأسود الدؤلي ملهمًا لمن أتى بعده، فالذي يتأمل صنيع الخليل يجد أنه سار على نهج أبي الأسود، فالفتحة فوق الحرف، والكسرة أسفله، والتنوين فتحتين أو ضمتين أو كسرتين، فالخليل عدّل شكل هذه الحركات، ولكن أبقى على نظام أبي الأسود.

وبالرغم من سهولة نظام الخليل؛ إلا أن نَقْط أبي الأسود ظل يُستعمل لقرون عديدة، بدليل تأليف عشرات المؤلفات في النَقْط، ووجود مصاحف في عصور متأخرة بها نَقْط الإعراب الذي ابتكره أبو الأسود الدؤلي.

اقرأ أيضاً كيفَ وضعَ أبو الأسود الدؤلي عِلم النحو ؟

صفحة مشكلة من القرآن الكريم تعود إلى الأندلس - العام 1300
صفحة مشكلة من القرآن الكريم تعود إلى الأندلس – العام 1300 م – متحف الميتروبوليتان

المصادر:

1-الكتابة العربية من النقوش إلى الكتاب المخطوط، دكتور صالح إبراهيم الحسن ص195: 225، دار الفيصل الثقافية طبعة 2003 م.

المحكم في نَقْط  المصاحف لأبي عمرو الداني، ص2:11، دار الفكر المعاصر طبعة 1997.

كتاب المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني، مقدمة المحقق

https://images.metmuseum.org/CRDImages/is/original/DP238065.jpg

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى