اختراعاتمعلومات تاريخية

كيف ساهم المسلمون في تطور الطب في الغرب ؟

كان البيمارستان مهداً للطب في العالم العربي والأساس الذي قام عليه المستشفى في العالم الحديث.

تمهيد :-

قبل الإجابة عن السؤال المتمثل في ” كيف ساهم المسلمون في تطور الطب في الغرب ؟ “، علينا أولاً أن نشير إلى المقدمة العامة لكتاب “حكايات كانتربري” ، حيث يذكر جيفري تشوسر أسماء أربعة من الأطباء المسلمين وهم : علي بن عيسى الكحال ، و الرازي و ابن سينا ، و ابن رشد ، ممن استعان الغرب بتراثهم ومساهماتهم في هذا الحقل.

 لم يستعن تشوسر بأسماء الأطباء العرب والمسلمين ليضيف نكهةً جديدةً على شِعره، ولكن لأنهم كانوا يعدون من القوى الطبية العظمى في العالم القديم، فهم الأطباء الذين دُرِّست كُتبهم في كليات الطب في أوروبا ، وظلت تُطرَح أمام الطلبة هناك لعدة قرون.

تنظيم التراث اليوناني وتطويره:-

 وضع الأطباء العرب والمسلمون أسس العلوم والمؤسسات الطبية الحديثة عبر جمع وترجمة وتنظيم التراث اليوناني الروماني الذي فقدته أوروبا كما قاموا بتعميقه وتطويره والزيادة عليه.

فبعد انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس؛ فقدت أوروبا التواصل مع معظم تراثها الثقافي.

 فمن بين العلوم اليونانية كان كل ما تبقى هو موسوعة التاريخ الطبيعي لبلينيوس وأطروحات بوثيوس في المنطق والرياضيات، وكانت المكتبة اللاتينة محدودة للغاية لدرجة أن اللاهوتيين الأوروبيين وجدوا أنه من المستحيل تقريباً أن يتمكنوا من نشر معرفة كتبهم المقدسة.

تعامل الكنيسة مع الطب :-

وفي هذا الوقت؛ أصبحت الرؤية المركزية لأوروبا ممثلة في الكنيسة التي ظهر نفوذها الجديد في مجال الطب.

  شددت المسيحية على الرحمة والعناية بالمرضى، ولذلك أدارت الطوائف الرهبانية المستشفيات الجيدة ولكنها لم تكن تعمل بطريقة المستشفيات الحديثة، فقد كانت  ببساطة عبارة عن أماكن يوضع فيها الأشخاص الذين يعانون من الأمراض الخطيرة ويُتَوَقع شفاؤهم أو موتهم حسب إرادة الخالق.

 ولم يكن هناك أطباء متعلمين لمتابعة المرضى، فقط الرهبان العطوفين الذين ينشرون الراحة والأسرار المقدسة ولكن لا يقدمون الدواء.

أظهرت الكنيسة المسيحية الاهتمام بخلاص الروح أكثر من اهتمامها بشفاء الجسد، ولذلك لم يكن العلاج الطبي  وحتى النظافة الشخصية ذا قيمة تذكر، وكان التنسُّك علامة على الطهارة.

القوى الخارقة:-

 في هذا الوقت؛ كانت أوروبا بأكملها تقريباً تنظر إلى المرض باعتباره يحدث بسبب قوى خارقة للطبيعة، وقد يأخذ شكل الاستحواذ الشيطاني ولذلك كان يجب العلاج بالطرق الدينية.

 وقد خُصِّصَ لكل داء قديس تتوجه له الصلوات من قبل المريض وأهله وأصدقائه ومجتمعه.

فعلى سبيل المثال، عولجت التهابات الجهاز التنفسي العلوي عن طريق مباركة الحلق بالشموع المتقاطعة في عيد القديس بليز، أما القديس روش؛ فقد أصبح راعياً لضحايا الطاعون، وكان القديس نيكاييس مصدر الحماية ضد مرض الجدري، وشاع الاعتقاد بأن الملوك – الذين اصطفاهم الرب – قادرون على علاج أمراض الجلد واللَّثة وأمراض أخرى باللمسة الملكية.

ابن رشد في محادثة مع الفيلسوف فروفيرس الصوري في مخطوطة لاتينية من العصور الوسطى

اختفاء المهنة الطبية الاحترافية :-

ومع إهمال دراسة الأمراض والمرضى؛ اختفت حرفة الطب المستقل التي يمارسها الأطباء المرخصون، وكان الأطباء الذين استمروا في العمل على اتصال بشكل ما بالأديرة والكنائس، وحتى هؤلاء الأطباء لم يُسمح لهم باكتشاف سبب المرض أو علاجه ، ولكن كان الهدف منهم دراسة كتابات الأطباء الآخرين والتعليق عليها. وفي منتصف القرن السابع؛ منعت الكنيسة الكاثوليكية إجراء الجراحات بواسطة الرهبان لأنها تشكل خطراً على أرواحهم، وحيث أن معظم الجراحين في تلك الحقبة كانوا من رجال الدين ، فقد قضى هذا المرسوم على ممارسة الجراحة في أوروبا.

بدء ظهور معالم صناعة الطب في العالم الإسلامي :-

وفي نفس الوقت تقريباً في الشرق كانت هناك حضارة أخرى تزدهر، فقد أدى ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي إلى توسعات جغرافية استمرت لمئات الأعوام ، وإلى ترك بصمة غير مسبوقة في كل فروع العلم.

 تمكَّن المسلمون والعرب من المزج بين الثقافات المختلفة للعالم الإسلامي وأصبحت العربية هي اللغة الأولى عالمياً.

 بحلول االقرن العاشر؛ أصبحت العربية لغة للأدب والفنون والعلوم كما أضحت اللغة المشتركة بين المتعلمين ، وبذلك لعبت بالنسبة للشرق نفس الدور الذي قامت به اللغات  اللاتينية واليونانية بالنسبة للغرب .

كان الطب هو أول العلوم اليونانية التي جرى دراستها بعمق من قبل المسلمين.

 فبعد إغلاق الأكاديمية الأفلاطونية  عام 529 م؛ وجد بعض علمائها ملاذاً في جامعة جنديسابور العاصمة الساسانية القديمة لبلاد فارس والتي ضمت أيضاً بعض العلماء النسطورين المسيحيين – ومن بينهم أطباء – عام 431.

وفي عام 636 م؛ أصبحت بلاد فارس جزءاً من العالم الإسلامي ، وقام الحكام العرب بدعم كلية الطب في جنديسابور؛  ما جعلها تصبح أكبر مركز لتدريس الطب في العالم الإسلامي على مدار قرنين من الزمان.

وهناك تعرف الأطباء العرب على أعمال أبقراط وجالن وغيرهم من الأطباء اليونانيين، كما تعرَّضوا في الوقت ذاته للمعرفة الطبية لبيزنطة وبلاد فارس والهند والصين.

دور هارون الرشيد والمأمون:-

أدرك الخليفة العباسي هارون الرشيد وابنه الخليفة المأمون مدى أهمية ترجمة الأعمال اليونانية إلى العربية وذلك لجعلها متاحة على نطاق أوسع ، ولذلك قاما بتأسيس ديوان للترجمة في بغداد وهو بيت الحكمة، ثم أرسلا السفراء لجمع الأعمال العلمية اليونانية من الإمبراطورية البيزنطية.

 كان ذلك إيذانا ببدء عصر الترجمة والتجميع الذي يُعد العصر الأول في الطب الإسلامي والذي ما زلنا نجني ثماره حتى اليوم.

من بين مترجمي بيت الحكمة؛ كان حُنين بن إسحاق هو الأهم، ويُقال: إنه كان يحصل على أجره بقيمة من الذهب تعادل وزن المخطوطات التي يترجمها.

بنهاية القرن التاسع؛ قدّم حُنين بن إسحاق وفريقه من المترجمين النصوص الطبية اليونانية الكاملة بما في ذلك كُتُب جالن و أوريباسيوس وبولس الأجانيطي وأبقراط وكتاب ديسقوريدوس في الأدوية المفردة مترجمة إلى العربية وقد أرست هذه التراجم أسس الطب العربي الفريد.

الاستفادة من التقاليد الطبية اليونانية:-

قبلت التقاليد الطبية الإسلامية فرضية جالينوس التي تقول إن الجسد البشري مكوَّن من الأربعة عناصر التي تكون العالم وهي الأرض والهواء والنار والماء ، ويُمكن لهذه العناصر أن تُخلط بنسب متفاوتة ، وهذه النسب تؤدي إلى ظهور أمزجة وأجناس مختلفة. عندما يكون المزيج مخلوط بشكل متوازن فإن الإنسان يتمتع بالصحة ، أما المرض فإنه يحدث نتيجة لاختلال التوازن وهذا الخلل يمكن إصلاحه بالعلاج الذي يقدمه الطبيب.

وبناء على ذلك؛ بدأ الأطباء المسلمون ينظرون إلى الطب على أنه العلم الذي يُمكِّنهم من معرفة خصائص الجسد البشري، ويهدف إلى الحفاظ على الصحة والمساعدة في العلاج عند المرض .

المستشفيات أو البيمارستانات :-

وقبل أن تنتهي فترة الترجمة؛ كانت التحسينات تُجرى في المجالات الأخرى المتعلقة بالصحة ، فعلى سبيل المثال قام الخليفة هارون الرشيد بتشييد أول مستشفى – بالمعنى المتعارف عليه حديثاً – في بغداد حوالي عام 805، وفي غضون عقد أو عقدين من الزمن تم إنشاء 34 مستشفى آخر في أرجاء العالم الإسلامي، واستمر العدد في الزيادة سنوياً.

كانت المستشفيات أو البيمارستانات بعيدة كل البعد عن نظائرها الأوروبية في ذلك الوقت، فقد نظر المرضى إلى البيمارستان على أنه مكان يمكنهم تلقي العلاج فيه من قبل الأطباء، بينما رآه الأطباء كمؤسَّسة مكرسة لتحسين الصحة وعلاج الأمراض ونشر المعرفة الطبية.

 أُلحِقت المكتبات و كليات الطب بالمستشفيات الكبرى، وكان كبار الأطباء يُدرسون للطلاب الذين يُتوقَع منهم بدورهم أن يطبقوا العلم الذي درسوه في قاعات المحاضرات على عنابر المرضى من الرجال والنساء، وكانت المستشفيات تضع الاختبارات لطلاب الطب وتُصدر  لهم الشهادات.

وبحلول القرن الحادي عشر؛ أُنشأت العيادات المتنقلة التي قَدَّمت الرعاية الطبية للأشخاص الذين يعيشون بعيداً أو الأشخاص المرضى للغاية والذين لا يستطيعون الذهاب إلى المستشفى بأنفسهم.

 باختصار كان البيمارستان مهداً للطب في العالم العربي والأساس الذي قام عليه المستشفى في العالم الحديث.

علم الصيدلة وتطوره:-

كانت الصيدليات أيضاً من المؤسسات التي تطورت في العالم الإسلامي .

 فمن تعاليم الدين الإسلامي ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف : ” ما من داء إلا وخلق الله له دواء” وعلى المسلمين أن يبحثوا عن الدواء للأمراض مع استخدامه بحكمة ومهارة.

 كُتِبت أولى الأطروحات الدوائية بواسطة جابر بن حيان الذي يُعتبر أبو الكيمياء العربية، وكانت الموسوعة الدوائية العربية في ذلك الوقت واسعة النطاق وقدمت وصفاً للمنشأ الجغرافي والخصائص الطبيعية وطرق التطبيق لكل ما وجدوه مفيداً في علاج الأمراض.

صناعة الأدوية:-

 وكان الصيادلة يقدمون الأدوية الجديدة المستخلصة من خشب الصندل ، والكافور ، والمسك ، والمر، والكاسيا، وتمر الهند ، وجوز الطيب، والقرنفل ، وجوز الهند، والكبابة، والعنبر والزئبق، وغير ذلك الكثير.

 كما أنهم قدموا الدواء على هيئة شراب واستخدموا المذيبات جيدة الطعم مثل ماء الزهر وماء زهر البرتقال كوسائل لتحسين طعم الدواء ، وكذلك كانوا على دراية بالتأثيرات المخدرة للقنب الهندي والبنج عند التناول في صورة سائلة وعند الاستنشاق.

احتراف مهنة الصيدلة :-

وفي عهد الخليفة المأمون (786 -833 م)؛ أصبحت الصيدلة مهنة يمارسها متخصصون ذوي كفاءة عالية، وكان على الصيدلي أن يجتاز اختباراً ويحصل على ترخيص لممارسة المهنة ويخضع لإشراف الحكومة.

 وبحلول القرن التاسع؛  فُتحت أول متاجر صيدلانية خاصة في بغداد ، وكانت التركيبات الدوائية تُصّنع وتوُزَع تجارياً ، ثم يتم صرفها بواسطة الأطباء والصيادلة بعدة أشكال منها المراهم ولأقراص والإكسير والتحاميل والمستنشقات.

الرازي يقود التحول في المجال الطبي :-

أما التغيير الجذري في الطب العربي فقد حدث بعد أن قرر أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (841 – 926 م ) أن يركز انتباهه على دراسة الطب.

كتاب الحاوي في الطب هو أكثر كتب الرازي رواجاً في أوروبا والذي ترجم إلى اللاتينية عام 1279 بواسطة فرج بن سليم وهو طبيب من أصل يهودي صقلي عينه شارل أنجو لترجمة الكتب الطبية.

أمضى الرازي حياته يجمع المعلومات من أجل كتابه “الحاوي في الطب”  وكان يعمل على  أن يكون هذا الكتاب ملخصًا لكل المعارف الطبية في عصره ، معززاً بخبرته وملاحظاته الخاصة.

وشدد الرازي في “الحاوي” على ضرورة أن يولي الأطباء اهتمامًا شديدًا لما يخبرهم به تاريخ المرضى ، وقد أوضح هذا المبدأ المهم في أحد كتاباته حيث يروي عن أحد المرضى الذي كان يعيش في منطقة موبوءة بالملاريا أنه عانى من قشعريرة وحمى متقطعة وشخّص الأطباء إصابته بالملاريا ، ومع ذلك لم يستجب للعلاج   ، وعندما فحصه الرازي لاحظ وجود صديد في البول ، قام بتشخيص إصابته بعدوى في الكليتين ، وعالج المريض بنجاح بمدرات البول.

وقد توافقت مهارة الرازي السريرية مع فهمه للطبيعة البشرية ، لا سيما كما يتضح من مواقف المرضى. في سلسلة من الدراسات القصيرة حول العلاقة بين الطبيب والمريض ، وصف المبادئ التي لا تزال تُدرس بعد ألف عام:  وهي أن الأطباء والمرضى بحاجة إلى إقامة رابطة ثقة متبادلة ، حيث أن التعليقات الإيجابية من الأطباء تشجع المرضى وتجعلهم يشعرون بتحسن وتزيد من سرعة شفائهم ؛ وحذر من أن التغيير من طبيب إلى آخر يهدر صحة المرضى ومالهم ووقتهم.

ابن سينا يظهر على الساحة :-

بعد مُضي وقت قصير على  وفاة الرازي ، وُلِد أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا ​​(980-1037) في بخارى ، فيما يعرف اليوم بأوزبكستان، وهو معروف في الغرب باسم Avicenna.

 يصعب وصف ابن سينا دون تعظيمه وتبجيله، فقد كان بالنسبة للعالم الإسلامي مثل أرسطو بالنسبة لليونان ، ومثل ليوناردو دافنشي في عصر النهضة  ، ومثل جوته بالنسبة لألمانيا.

 ولم يقتصر تفوق ابن سينا في عالم الطب فحسب ، بل شمل أيضاً مجالات الفلسفة والعلوم والموسيقى والشعر وفنون الحكم ، حتى أن معاصريه أطلقوا  عليه  لقب “أمير الأطباء”.

نبوغ منذ الصغر:-

كانت حياة ابن سينا أسطورية ، كان والده يعمل جابياً للضرائب ، وكان مبكر النضج لدرجة أنه حفظ القرآن الكريم كاملاً في العاشرة من عمره، ثم دَرَس القانون والرياضيات والفيزياء والفلسفة.

عند قرائته كتاب “الميتافيزيقيا” لأرسطو ، واجه مسألة صعبة مما دفعه لإعادة  ​​قراءة الكتاب 40 مرة حتى توصل إلى الحل.

وفي سن السادسة عشر، التفت إلى دراسة الطب ولم يجد صعوبة في ذلك، وبحلول سن الثامنة عشر ، كانت شهرته كطبيب كبيرة لدرجة أنه طُلِب لعلاج الأمير الساماني نوح بن منصور، ونتيجة لنجاحه في العلاج تمكن من  الوصول إلى المكتبة الملكية السامانية ، واحدة من أعظم مراكز التعلم العديدة في بخارى.

عندما بلغ ابن سينا عشرين عاماً ، تم تعيينه ​​طبيبًا للبلاط ، وعمل مرتين وزيراً لشمس الدولة ، الأمير البويهي لهمدان  في غرب بلاد فارس.

ابن سينا يبدأ مشوار التأليف :-

  كانت سنوات حياة ابن سينا مليئة بالمغامرة والعمل الجاد ، ومع ذلك فقد تمكن من كتابة 20 كتابًا في الميتافيزيقا ، وعلم الفلك ، وعلم فقه اللغة والشعر ، و 20 كتابًا آخر في الطب – بما في ذلك كتاب الشفاء وهو موسوعة طبية وفلسفية.

ولكن من بين كل مؤلفاته كان كتاب “القانون في الطب” هو أعظم أعماله. هذا الكتاب الذي يبلغ مليون كلمة تقريباً ما هو إلا تدوين  لجميع المعارف الطبية الموجودة.  يلخص ابن سينا ​​تقاليد أبقراط وجالينوس، ويصف الممارسات السورية العربية والهندية الفارسية بالإضافة إلى ملاحظاته الخاصة ، وقد سعى ابن سينا ​​إلى توظيف كل جزء من علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء والتشخيص والعلاج في مكانه المناسب.

“القانون في الطب” الذي سجل حضورا بالغ التأثير في الجامعات الغربية خلال العصور الوسطى

شدَّد كتاب القانون على أهمية النظام الغذائي الصحي وتأثير المناخ والبيئة على الصحة، كما ضم مناقشات حول داء الكلب والقيلة المائية وسرطان الثدي والأورام والولادة والسموم وعلاجها.

وفرَّق ابن سينا بين ​​التهاب السحايا  الناجم عن  الحالة السحائية عن غيرها من الأمراض الحادة الأخرى، كما وصف التهاب الكلية المزمن وشلل الوجه وقرحة المعدة ومختلف أنواع الالتهاب الكبدي وأسبابها.

 كما شرح اتساع حدقة العين وانقباضها وتشخيصها ، ووصف العضلات الحركية الست للعين وناقش وظائف القنوات الدمعية ، وأشار إلى الطبيعة المعدية لبعض الأمراض التي عزاها إلى “الآثار” العالقة  في الهواء من قبل شخص مريض.

وصف لعشرات الأدوية :-

أيضا اشتمل كتاب القانون على  وصف لنحو 760 نباتاً طبياً والأدوية التي يمكن استخلاصها منها.

في الوقت نفسه ، وضع ابن سينا ​​القواعد الأساسية لتجارب الأدوية السريرية ، وهي المبادئ التي لا تزال متبعة حتى اليوم.

ولذلك لم يكن من المستغرب أن كتاب القانون  سرعان ما أصبح المرجع الطبي القياسي للعالم الإسلامي ، وقد استُخدم  كمرجع ودليل تعليمي وكتاب طبي حتى القرن التاسع عشر ، وبذلك تفوق على أي كتاب طبي آخر.

اقرأ ايضاً ما الطعام الذي ينصحك ابن سينا بتناوله؟

وصول العلوم إلى أوروبا :-

بحلول القرن العاشر ، تُرجمت  النصوص الفلكية العربية لأول مرة في كاتالونيا ، مما مكّن أوروبا من جني الثروات الفكرية للعرب ، واستمرت في البحث عن تراثها الكلاسيكي.

وبذلك عادت الأعمال الطبية لجالينوس وأبقراط إلى الغرب عن طريق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، واستردت أوروبا  الترجمات اللاتينية لتلك الكتب .

ويمكن القول بأن أوروبا استعادت بعضاً من ماضيها من خلال التطور الثقافي الإسلامي.

تُرجِمت المواد الكلاسيكية اللاتينية إلى اللغة العربية على يد مترجمين رئيسين هما:  قسطنطين الأفريقي (المعروف أيضًا باسم ليو) (1020-1087) ، الذي عمل في مدينة ساليرنو وفي دير مونتي كاسينو ، وجيرارد الكريموني (1140-1187) ، الذي عمل في توليدو.

 لم يكن من قبيل الصدفة أن كلا المترجمين عاشا في الفترة الانتقالية بين العرب والمسيحيين ، حيث تأثرت الثقافتان ببعضهما البعض.

ولم يكن من قبيل المصادفة أيضاً أن ساليرنو ، أول كلية طب أوروبية عظيمة في العصور الوسطى ، كانت قريبة من صقلية العربية ، ولا أن الثانية ، مونبلييه ، تأسست عام 1221 في جنوب فرنسا ، بالقرب من الحدود الأندلسية.

أثر “القانون في الطب” :-

ظهر كتاب ابن سينا “القانون في الطب” ​​لأول مرة في أوروبا بحلول نهاية القرن الثاني عشر ، وكان تأثيره مدوياً حيث  أُعيد نسخه عدة مرات ، وسرعان ما أصبح العمل المرجعي الطبي الأوروبي القياسي. وفي الثلاثين عاماً الأخيرة من القرن الخامس عشر  وقبل  اختراع الطباعة في أوروبا صدرت 16 طبعة من الكتاب ، و في القرن الذي تلاه تم إصدار أكثر من 20 طبعة أخرى. من القرن الثاني عشر إلى القرن السابع عشر ، كان كتاب الأدوية المفردة هو دستور الأدوية في أوروبا ، وفي أواخر عام 1537 كان كتاب القانون من الكتب التي استمر تدريسها  في جامعة فيينا.

الحاوي للرازي :-

وسرعان ما انتشرت ترجمات كتاب الحاوي للرازي والكتب الأخرى. وطُبعت جميع أعمال الرازي عندما كانت الطباعة لا تزال في مهدها ، و حظيت بقبول واسع النطاق.

ومن بين كتب الرازي ظل الكتاب التاسع من الكتاب المنصوري  في الطب  جزءًا من المنهج الطبي في جامعة توبنغن حتى نهاية القرن الخامس عشر.

مرجعان عظيمان:-

اعتبر الأوروبيون المعاصرون  أعمال ابن سينا ​​والرازي من أعظم المراجع في المسائل الطبية ، وما يدلل على ذلك أن صور الرجلين ما زالت تزين القاعة الكبرى لكلية الطب بجامعة باريس.

و في قصيدة الكوميديا الإلهية في جزء الجحيم ، وضع دانتي ابن سينا ​​جنبًا إلى جنب مع أعظم أطباء العصور القديمة مثل أبقراط وجالينوس.

التخصص الطبي:-

وعند محاولة الإجابة على سؤال ، كيف ساهم المسلمون في تطور علم الطب في الغرب ؟ فإن علينا ألَّا نحصر ذلك بمساهمات، الرازي وابن سينا ​​فحسب، فقد تُرجم أكثر من  400 كتاب  عربي  تضم  مواضيع متنوعة مثل طب العيون والجراحة والأدوية ورعاية الأطفال والصحة العامة ، كلها ساهمت في التأثير بعمق في العلوم الأوروبية.

كان  الأطباء العرب هم من شخصوا الطاعون والدفتيريا والجذام وداء الكلب والسكري والنقرس والسرطان والصرع بدقة.

 أدت نظرية ابن سينا التي تفيد بأن العدوى تحدث عن طريق البقايا الدقيقة التي تبقى في الهواء إلى إدخال الحجر الصحي كوسيلة للحد من انتشار الأمراض المعدية.

تطور في التطبيقات الطبية :-

أرسى الأطباء المسلمون والعرب قواعد الفحص السريري وتجارب الأدوية ، كما  أتقنوا عمليات الفتق وإعتام عدسة العين ، وقاموا بحشو الأسنان بورق الذهب (الزهراوي) ووصفوا النظارات لعيوب البصر، ووضعوا القواعد الصحية والنظام الغذائي و قواعد النظافة التي لا تزال صالحة حتى اليوم.

الإرث اليوناني:-

وبهذا فإن العالم الإسلامي قام بنقل ناجح للمعرفة الطبية لليونانيين القدماء وكذلك صحح وأضاف الكثير إلى هذه المعرفة قبل نقلها إلى أوروبا التي توقفت عن المشاهدة والتجريب قبل قرون. وقد  تعاون الأطباء من مختلف اللغات والأديان في بناء الهيكل الطبي المتين الذي لا تزال خطوطه الأساسية  باقية في الممارسات الطبية في العصر الحديث.

 يروي المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون في كتابه كيف أن الخليفة المأمون أرسل السفراء والمترجمين إلى بيزنطة للبحث عن كتب العلماء اليونانية وترجمتها إلى العربية، ونتج عن ذلك جمع المواد العلمية وحفظها.

ملاحظات الطبيب :-

في كتاب الجدري والحصبة؛ يفرق الرازي بين كلا المرضين لأول مرة في تاريخ الطب. توضح هذه الفقرة مهارته كملاحظ طبي وهي المهارة التي أتقنها بشكل كبير. يقول الرازي في العلامات الدالة على ثوران الجدري والحصبة:

“يتقدم ثوران الجدري والحصبة حمى مطبقة ووجع الظهر وحكاك الأنف والتفرغ من النوم، وهذه أخص العلامات بكونه لاسيما وجع الظهر مع الحمى ثم النخس الذي يجده العليل في جميع جسده، وإمتلاء الوجه وارتداده حيناً واشتعال اللون وشدة حمرة الوجنتين وإحمرار العينين وثقل الجسد كله وكثرة التململ. علاماته التمطي والتثاؤب ووجع في الحلق والصدر مع شيء من ضيق النفس والسعلة وجفوف الفم وغلظ الريق وبحة الصوت وثقل الرأس والقلق والضجر والغشي والكرب، غير أن القلق والغشي والكرب في الحصبة أكثر منه في الجدري ووجع الظهر بالجدري أخص منه بالحصبة وسخونة الجسد كله وإشتعال لونه وبريقه وحمرته وتشتد حمرة اللثة خاصة. “

ليدي مونتغاو وإدخال لقاح مرض الجدري في إنجلترا. © معرض الصور الوطني – لندن

تجربة أدوية جديدة :-

في كتاب القانون في الطب ، وضع ابن سينا أسس تجربة قوة الدواء الجديد، ومازالت هذه المبادئ من أساسيات التجارب الدوائية السريرية الحديثة. وهذه المبادئ هي:

1- أن لا يتعرض الدواء لمؤثر خارجي يغير خواصه.
2- أن يُجرب الدواء على مرض بسيط وليس مركب.
3- أن تتم تجربة الدواء على مرضين متضادين، لأنه في بعض الأحيان قد يعالج الدواء المرض بسبب جودته ويعالج مرض آخر بشكل عارض.
4- أن تكون القوة في الدواء مقابلاً بها ما يساويها من قوة العلة.
5- أن يراعى الزمان الذي يظهر فيه أثر الدواء وفعله.
6- أن يراعى استمرار فعله على الدوام، أو على الأكثر، فإن لم يكن كذلك فصدور الفعل عنه بالعرض.
7- أن تكون التجربة على بدن الإنسان نظراً لاختلاف أبدان الحيوانات عن الإنسان.

الخلاصة :-

كيف ساهم المسلمون في تطور علم الطب في الغرب؟ سؤال يمكن الإجابة عليه من خلال عدة زوايا، فقد أدت مساهمات الأطباء المسلمين ومؤلفاتهم في إحياء العلوم الطبية والصيدلية في العالم الغربي خلال حقبة العصور الوسطى، كما أدت السياسة الراعية للعلوم في بعض العصور الإسلامية في تطوير هذا العلم وسواه ونقله لأطراف العالم، وذلك في فترة كانت تشهد تلاقياً وتلاقحاً بين سائر الحضارات، كما ينبغي التأكيد على دور الترجمة في وصول العلوم الطبية اليونانية للعالم الإسلامي، ومساهمتها أيضاً في الوصول إلى الجامعات الأوروبية، ما يدل على أهمية الترجمة في الارتقاء الفكري والعلمي والحضاري على مدار العصور.

تعرف عليه أكثر هنا يوحنا بن ماسويه .. الطبيب النسطوري الأمين للخلفاء العباسيين

المصدر:-


Maha

مها عبيد من مواليد العام 1987 م ، حاصلة على درجة البكالوريوس في العلوم، شعبة ميكروبيولوجي، وأعمل على إتمام دراسة الماجستير، مهتمة بالترجمة والتاريخ واللغات، وشغوفة بتعلم الأشياء الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى