اختراعاتمعلومات تاريخية

كيف ساهم العلماء المسلمون في تطوير الرياضيات والجبر؟

كانت البدايات مع الخوارزمي العلَم الأول في علم الحساب في العالم الإسلامي

توطئة:-

لقد قيل: إن المسلمين تبنوا علم الرياضيات من الهنود وليس عن طريق الإغريق أو الصينيين، وفي هذا الصدد؛ يفيد البعض بأن رجلاً مجهول الهوية جاء من الهند إلى بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، وذلك في عام 773م، حيث قام بتدريس التحليل الرياضي لحركات النجوم، كما قام بتأليف نسخة مختصرة من العمل المتعلق بهذه المسألة، ليقوم على أثره العالم أبو إسحاق إبراهيم الفزاري، بترجمة أعماله إلى اللغة العربية.

وقد كان الفزاري مهتماً للغاية بدراسة اللغات الأجنبية، فعني بذلك عناية كبيرة، خاصة السنسكريتية التي أخذت منه وقتاً وجهداً كبيرين، نظرا لاهتمامه الفائق بما توصل إليه فلكيو بلاد الهند القدماء، وهو ما ساعده فيما بعد على ترجمة كتاب “السند هند” الشهير وفهمه.

بيد أن مساهمات المسلمين المتكاملة في علم الرياضيات ؛ ظهرت في أوائل القرن التاسع الميلادي.

في الرياضيات؛ اتصلَ المُسلمون بالهِنْد، وأخذوا عنهم قبلَ أن يتصِلُوا اتصالاً وثيقاً باليونان؛ فقد ذكروا أَّن “وفْداً من الهِند وَفَدَ على أبي جعفر المنصور سنة 154 هـ، وفيهِم رجلٌ ماهِرٌ في معرِفة حركات الكواكِب وحِسابها، وسائرِ أعمالِ الفَلَك على مذهب عُلَمَاء أُمَّته، خُصوصاً على مذهب كتاب باللُّغة السنسكريتية اسمهُ “برّاهْمَسْبُهُطسِدْهَانْتْ” ألَّفَهُ سنة 628 م ( 6 أو 7 هجرية) الفلكي الرياضي “برهمكبت”، فكلَّفَ المنصور ذلك الهندي بإملاء مُختصَر الكِتاب، ثُمَّ أمَرَ بترجمتهِ إلى اللُّغةِ العربية، وباستخراجِ كتابٍ تتَّخِذْهُ العرب أصلاً في حِساب الكواكِب، وما يتعلَّق بهِ من الأعمال، فتولَّى ذلك الفزاري، وعمِلَ منهُ مزيجاً اُشتُهِرَ بين عُلماء العرب، حتى أنهُم لم يعملوا إلَّا بهِ إلى أيام المأمون؛ حيثُ ابتدأ مذهب “بطليموس في الحِسَابِ والجداول الفلكية”.

—المستشرق الإيطالي كارلو ألفونسو نَلِّينُو (1872-1938 م) .

العلماء المسلمون يساهمون في حل مشكلات الحساب في المجتمع:-

في علم الحساب؛ كان المسلمون معنيون بنظرية الأعداد أو علمها، لأن هذه القضية كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بدراسة المربعات السحرية والأرقام المتحابة (الأعداد الصحيحة والطبيعية).

 وفي خضم ذلك؛ بدأت عملية تطوير مصطلحيّ “الجبر والمقابلة”، من قبل عالِم إلى آخر، ما ساهم في حل مشكلات الحساب، فالأول معنيٌ بنقل المصطلحات من أجل جعلها كلها إيجابية، والمقابلة تعني تقليل المصطلحات المماثلة عند إيجاد الحل بالمعادلات الجبرية.

الفرق بين المصطلحيّن هو الإشارة إلى التعبيرات المستخدمة، ويطبق أصل الجبر في التجارة، فضلاً عن التعامل مع مسائل معقدة كالمواريث المتشعبة.

فمصطلح المال (ممتلكات أو ثروة) على سبيل المثال؛ كان يستخدم في الأصل للكمية غير المعروفة في المعادلات الخطية، ولكنه يأتي في وقت لاحق بمعنى مربع بدلاً من الجذر.

وفي نفس النقطة، تم تطبيق كلمة (الشيء) على الكمية المطلوبة.

التفاضل والتكامل:-

يعتبر ثابت بن قرة (836 – 901 م)، مبدع علم التفاضل والتكامل، حيث استطاع بعبقريته العلمية أن يحقق نتائج مدهشة ساهمت في تقدم علم الرياضيات .

وكنتيجة لاكتشافاته في التفاضل والتكامل؛ استطاع العلماء التوصل إلى حلول كثير من المسائل الرياضية التي كانت تعتبر عثرة في تقدم الرياضيات، كما أن ذلك ساهم أيضاً في تقدم دراسات حول الطبيعة وفي مجال الهندسة إلى جانب إيجاد حلول للعمليات المعقدة.

ساهم كذلك ثابت بن قرة في علم الهندسة التحليلية ومزج بينها وعلم الجبر، وأصبح نابغة عصره في الاهتمام بالدراسات حول الشمس وحركاتها وطول السنة الشمسية والتي سجل بأنها 365 يوماً و 6 ساعات و 9 دقائق و 10 ثوان.

الخوارزمي شكل علامة تاريخية فارقة في علم الجبر:-

كانت البدايات مع العالم الشهير، محمد بن موسى الخوارزمي (780-850م)، العلَم الأول في علم الحساب في العالم الإسلامي، وهو الذي كان باحثًا نشطًا في بغداد خلال عهد الخليفة المأمون بن هارون الرشيد الذي أعلى من شأن العلم والعلماء.

فكتاب “المختصر في حساب الجبر والمقابلة” كان بمثابة أطروحة رياضية باللغة العربية عن الجبر، كتبها الخوارزمي حوالي عام 820 م، وذلك أثناء تواجده في العاصمة العباسية، وهو يُعد العمل الأكثر شهرة في الجبر والمقابلة، (2).

علم الرياضيات

النسخة العربية من أعمال حساب الخوارزمي غير متوافرة، ويعتقد أنها فقدت، لربما مع خراب مكتبة بيت الحكمة ببغداد (1258 م)، ولكن ترجمتها متاحة.

الإقليدسي وتأليف الكسور العشرية:-

وطور العربي المسلم أحمد بن إبراهيم الإقليدسي، علم الحساب؛ فكتب في دمشق عام 952 م  مؤلّفهُ المعروف “الحساب الهندي”.

الجانب المهم من عمل الإقليدسي هو استخدامه المؤلف للكسور العشرية، وهو ابتكار كان حتى عهدٍ قريب يُعزى إلى غياث الدين الكاشي ( 1380-1436 م)، لأنه أول من وصف استخراج جذور المكعب، و حساب التفاضل والتكامل الجبري وإثباته عن طريق البحث الرياضي، وتطوير الهندسة التحليلية، والصيغة العامة الأولى للحساب التفاضلي والتكامل اللانهائي،  إلا أن عمر الخيام (1048 – 1131) المسلم الفارسي المعروف برباعياته في الشعر؛ هو الذي قام بتنظيم هذه المشكلات. (3)

يقول قدري طوقان: “إن الخيَّام استطاع أن يجد الجذور الثلاثة للمعادلات التكميلية، وهو عمل كبير لم يصل إليه أحد من قبله”.

من علم الحساب إلى الهندسة:-

تلعب الهندسة  دوراً مهماً في تجسيد مصداقية كثير من العلاقات الجبرية، كما أنها تساهم في حل الكثير من القضايا الجبرية التي تكمن في طيات الكثير منها ملامح مبادئ وعلاقات هندسية بحتة.

ومن جهة أخرى؛ فإن الهندسة هي الأكثر مساساً بالعلوم والتقنيات المختلفة كالمباني والهندسة المدنية والإنشائية والميكانيكية وغيرها، وهو ما يعني أهميتها في الحقول الحضارية المختلفة.

رواج مؤلفات العلماء المسلمين في أوروبا:-

 يُعد أبو كمال الشجاع (ت 930 م) أحد أبرز من قدم مساهمات قيمة في النظرية الجبرية، وذلك من خلال تحويلها إلى أداة قوية للبحث الهندسي تصبُّ في فائدة سائر علوم الهندسة، وكان عمر الخيام أول من دحض نظريات الهندسة الإقليدية (إقليدس الأغريقي) في كتاباته، حيث تم تطوير الابداعات الهندسية بالاستناد إلى علم الجبر الجديد بالتزامن مع تصحيح الأعمال المترجمة من الهندية واليونانية، مما جعل الكتاب المسلمين يساهمون بشكل ملحوظ في الهندسة، لتستعمل مؤلفاتهم على نطاق واسع في فترة عصر النهضة الأوروبية.

فقد راجت أعمال العالم الجوهري (القرن التاسع الميلادي) والذي  عمل في خدمة المأمون في بيت الحكمة ببغداد وكان دوره الرئيسي هو التعليق على عناصر إقليدس المدرجة في الفهرست (الفهرس)(4).

 وعمل العالم الفضل بن حاتم النيريزي  (القرن العاشر الميلادي) في حقل الهندسة الفراغية، أما الموسوعي نصير الدين الطوسي (القرن الثالث عشر)؛ فقد ساهم بدوره في علم الهندسة، فصحح بعض نظريات الجوهري، وقام بتدريس والكتابة في الرياضيات خاصة الجبر والهندسة.(5)

وكان من بين أبرز مساهمات الطوسي:

  1. كان أول من جعل علم المثلثات مستقلاً عن الفلك.
  2. ابتكر براهين جديدة لمسائل فلكية متنوعة.
  3. أول من استعمل الحالات الست للمثلث الكروي القائم الزاوية، ويقول كارادي فو: “إن الطوسي قد بسَّط في كتابه «الشكل الرباعي» علم المثلثات بأوضح أسلوب وأسهله، أولاً على طريقة مانالاوس وبطليموس، ثم على طرق استنبطها هو مشيراً إلى نتائجها، وقاعدته التي سماها “قاعدة الأشكال المتتامة”، تخالف استعمال نظرية بطليموس في الأشكال الرباعية”.
  4. برع الطوسي في معالجة المتوازيات الهندسية، وجرب أن يبرهنها، وبنى برهانه على فروض، وقد ذكر سارطون أن الطوسي برهن في كتاب «التذكرة» على عدد من المسائل الهندسية.
  5. يمتاز الطوسي في بحوثه الهندسية بإحاطته الكلية بالمبادئ والقضايا الأساس التي تقوم عليها الهندسة، ولا سيما ما يتعلق بالمتوازيات.

الخلاصة: بيئة داعمة وعقول كبيرة:-

العلماء المسلمون سُخّرت لهم البيئة الكفيلة بتقديم ابداعاتهم في العلوم عامة، علم الرياضيات خصوصاً، وقد شكل العصر العباسي الأول فترة وصول هذه العلوم إلى ذروتها، فقد وفد إلى بغداد كثير من العلماء العجم، كما ولد وترعرع فيها جيل واكب نهضة العاصمة والبلاد من الناحية الحضارية، فقدم قيمة مضافة كبيرة لما تم طرحه فيما سبق.

الرياضيات في العالم الإسلامي، استفادت من الطروحات اليونانية والهندية، فصححت بعضها وبنت على البعض الآخر، ثم استفادت البشرية من هذه العلوم التي دخلت إلى أوروبا في عصر نهضتها، وحينها كان للرياضيات والجبر دور مؤثر في بناء النهضة الفكرية والعمرانية في مختلف أرجاء العالم.

المصادر:

  1. موسوعة تاريخ العلوم العربية رشدي راشد ج2، ص464،ص575
  2. https://en.wikipedia.org/wiki/The_Compendious_Book_on_Calculation_by_Completion_and_Balancing
  3. https://islamichistory.org/islamic-golden-age/
  4. https://www-history.mcs.st-andrews.ac.uk/Biographies/Al-Jawhari.html

مكتبة قطر الرقمية.

“ضحى الإسلام” لأحمد أمين.

https://www-history.mcs.st-andrews.ac.uk/Biographies/Al-Tusi_Nasir.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى