معلومات تاريخية

كيف تغيرت نظرة العراق القديم للإله نينورتا ؟

يقدم بكونه المحارب المقدام الذي يحمي الكون والحضارة من جميع قوى الفوضى التي تحاول تهديدها

توطئة:-

في الحضارات الموغلة في القِدم والتي عاشت على سهل ما بين النهرين (العراق اليوم)؛ عُرفت شخصية الآلهة نينورتا ،الإله المشهور بدفاعه عن الحضارة ضد كل أشكال الفوضى.

البعض اعتبره بمثابة آلهةً للحرب، بينما اعتبره أخرون إله للحياة من خلال تصوير دوره في جوانب الزراعة والفنون والكتابة.

تجسيد الآلهة في سومر في العام 3300 قبل الميلاد – المتروبوليتان

ذكرت ممالك حضارات جنوب بلاد ما بين النهرين “نينورتا” قبل سواها، لينتقل اسمه لاحقاً إلى الشمال ليُعرف عند ممالك الآشوريين حتى سقوطها، إذ اعتبرته آلهة تُعبد كرمز للخصوبة والزراعة.

نينورتا .. آلهة بلاد ما بين النهرين:-

أول مرة عُرِف نينورتا على أنه اسم لآلهة كان في بلاد السومريين وفي حضارتهم القديمة، عندما اعتبروه آلهة للزراعة والحصاد، وذلك بشكل يتناغم مع طبيعة الحضارة التي كانوا عليها.

 وما إن تغير اهتمام السومريين وتوجهوا نحو الحرب والغزو وإذا بالآلهة نينورتا يتحول معهم ليصبح آلهة الحرب أيضاً.

من هو نينورتا ؟

تبعاً لما ذكرته الألواح السومرية القديمة؛ فإن نينورتا هو ابن للآلهة إنليل السومري، وكان مقره أو بيته الأساسي معبد مدينة نيبور (نفر الواقعة في منطقة الفرات الأوسط)، وما جعل منه آلهة شهيرة تستمر لأجيال وتنتقل مع الحضارة هو ارتباط اسمه بالحرب.

ولكن في الحضارة الآشورية، عُرف نينورتا على أنه إله مقاتل يمتلك القدرة على العلاج والحماية، في الواقع لقد اعتبرته الحضارة الآشورية على أنه ينحدر من نسل الإله المؤسس آشور حتى أنهم سموه بابن آشور.

ولم يكتفِ الآشوريون بتقديسه فحسب؛ بل أقدم بعض الحكام الآشوريين على إظهار قواهم عبر إضافة اسمه إلى أسمائهم مثل الحاكم الآشوري توكولتي نينورتا الأول.

حينما سقطت الحضارة الآشورية؛ تراجعت أهمية هذا الإله وهو ما يرجحه البعض إلى أن ارتباط الناس به كان بمقدار الحضارة الآشورية نفسها، فخوفاً من الظهور بشكل ضعيف؛ فقد تم تلافي ذكره من قبل العديد من الملوك والحكام الآشوريين وذلك بعد أن أصاب حضارتهم الوهن.

النمرود
النمرود، رسم لديفيد سكون، والنمرود هو الصياد والقائد العظيم الذي تم ذكره في سفر التكوين “العهد القديم” في المقطع (12-8:10) ويظن العديد من المؤرخين أن قصة النمرود مستوحاة من الإله نينورتا نفسه أو من الملك الآشوري الذي سمى نفسه بنينورتا “توكوولتي نينورتا الأول”.

الأساطير التي أحاطت به:-

أسطورته والشيطان أساج:

تقول إحدى الأساطير أنه في زمن ما قبل تشكل الحضارة، قام شيطان شنيع يُسمى بـ “أساج” بغليان ماء الأنهار حتى مات كل السمك فيها، فقد كان الشيطان قويا ًجداً ويصحبهُ جيش ضخم من المقاتلين المتحجرين، وكان الشخص الوحيد الذي امتلك الشجاعة على الوقوف في وجهه هو الإله نينورتا.

فتروي الأسطورة أن نينورتا قام وبكل ما أوتي من قوة بقتل الشيطان واخضاع جيش المقاتلين المتحجرين ليصنع بهم الجبال، ثم جعل الماء تتدفق من بينهم لتشكل نهري دجلة والفرات، ليقوم بعد ذلك بتمهيد الأرض التي سهَّلت مهمة قيام الحضارة على ضفاف هذين النهرين.

بين سطور هذه الخرافة المشوقة تلفت قصة المقاتلين المتحجرين الانتباه، وكيفية ربط هذه الكائنات الحجرية بالجبال، التي بشموخها وعلوها تهدد الوديان بصورة خيالية، حتى أن الأسطورة تقول بأن الشيطان أساج نفسه قد تزاوج مع هذه المخلوقات الحجرية (الجبال).

لو قمنا بالتدقيق في المغزى من الأسطورة لظهر واضحاً أنها تعكس خوفاً وتوتراً كان لدى سكان بلاد ما بين النهرين والقوم الذين يسكنون جبال زاغروس شرق النهرين، وكيف أن الآلهة نينورتا هو من حمى حضارتهم، أو على الأقل قام بحماية من روى هذه القصة.

النقوش زودتنا بمعلومات تفصيلية عن طبيعة النظرة تجاه الآلهة
النقوش زودتنا بمعلومات تفصيلية عن طبيعة النظرة تجاه الآلهة

أسطورة نينورتا وكائن الانزو العملاق:

في إحدى القصص التي وجدها المؤرخين ترد قصة مشوقة حدثت في العصور البدائية حين لم يكن فيها أي بشر قط، تحكي القصة أن عملاقاً يسمى الانزو -وهو وحش ضخم لهُ رأس أسد- يقوم بسرقة لوح الأقدار من كبير الآلهة إنليل.

لوح الأقدار هذا يمتلك قوة تمكن حاملها من السيطرة على الكون بأكمله وبمقدوره إدخال الكون في متاهة الفوضى، الامر الذي أرعب الآلهة جميعها وجعلها تتوجه كلها إلى معبد نينورتا لتستنجد به كونه المقاتل العظيم وابن كبير الآلهة إنليل.

وهنا تبدأ فصول مغامرة نينورتا الذي يتوجه دون أي تردد ليسترد لوح الأقدار من انزو، فيوقع الهزيمة بالأخير ويعيد الكون إلى نظامه المعهود.

فتنتهي هذه القصة بالاحتفاء بقدرة نينورتا على ذبح انزو وارجاع لوح الأقدار إلى سلطة والده الآلهة إنليل.

الإله نينورتا يلاحق العملاق انزو برمح الصاعقة ليعيد لوح الأقدار
الإله نينورتا يلاحق العملاق انزو برمح الصاعقة ليعيد لوح الأقدار الذي سرق من الآلهة إنليل (أوستن هنري لايرد، آثار نينوى، الإصدار الثاني، 1853 م).

الحضارة مقابل الفوضى:-

وفي هذه الأسطورة أيضاً يظهر بشكل جلي مفهوم النظام والحضارة مقابل الفوضى، وهي إشارة واضحة وجلية تحكي أن الكائن المتطفل انزو ما هو إلا تمثيل لحياة سكان جبال زاغروس (غرب إيران وشرق العراق) الذين عاشوا حياة الرعي والترحال غير المنضبطة.

بينما كان سكان النهر مزارعين ينعمون بحياة مستقرة تخلوا من أي فوضى، فكانت نظرتهم إلى أهل الجبال على أنهم خارج مفهوم النظام والحضارة، وهم مصدر تهديد دائم لبقائهم.

ما الهدف من وراء الأساطير المحيطة بالآلهة نينورتا؟

في كل من الأسطورتين السابقتين تظهر شخصية نينورتا بأنه المحارب المقدام الذي يحمي الكون والحضارة من جميع قوى الفوضى التي تحاول تهديدها.

 ففي قصته مع الشيطان أساج؛ تجد أن نينورتا يستعمل أجساد المحاربين المتحجرين ليجعل العالم مفيدا ًللبشر وحضاراتهم.

وهنا توحي هذه القصة بأن نينورتا ليس فقط محارب منع الشر فحسب؛ بل هو أيضاً إله خصوبة الأرض والزراعة، فهو يحارب التهديد والفوضى ويقوم بتحسين العالم ليمكن الحضارة من النشوء.

 وبشكل جلي؛ توضح هذه الأساطير أهمية نينورتا في تاريخ الحضارات التي نشأت في بلاد ما بين النهرين.

منحوتة سومرية يرجع تاريخها إلى سنة 3200 قبل الميلاد
منحوتة سومرية يرجع تاريخها إلى سنة 3200 قبل الميلاد، والتي تظهر رجل دين (كاهن) وتلميذه يطعمان القطيع المقدس. وهنا يبدو أن نينورتا كإله زراعي.

الحرب ونينورتا:-

كان الملوك الآشوريين الراغبين في الحروب يطلقون إشاعات دعائية لهم بين عامة أتباعهم، تقول هذه الاخبار إنه من خلال غزو الملوك لما حولهم؛ فقد تمكنوا من جلب الحضارة والقانون إلى هذا العالم الفوضوي.

لم يكن ملوك الآشوريين يرون أن الغزو والحروب ستخلق لهم عالماً أكثر استقراراً مع صفات حضارية وحسب، بل كانوا أيضاً يؤمنون بأنهم يقومون بمهمة إلهية، ويقولون بأن الإله آشور نفسه كان بجوارهم في حروبهم ليجلب من خلالهم العدالة والنظام لهذا العالم.

العراق .. الأرض التي قدمت إرثاً عظيماً
العراق .. الأرض التي قدمت إرثاً عظيماً

وبالنسبة للملوك الآشوريين؛ فإن حروبهم كانت امتداداً للمعارك التي خاضها الإله نينورتا في مواجهة الشيطان أساج والعملاق انزو، وأنهم كانوا مجرد أداة له لترسيخ الاستقرار.

نينورتا .. من آلهة الحرب والزراعة إلى إله الحضارة:-

في حضارات ما بين النهرين القديمة؛ تبدل دور الآلهة نينورتا من آلهة للحرب أو للزراعة إلى أن اعتبر لدى بعض تلك الحضارات آلهة يجلب الحضارة.

مدينة كالحو (كالح)
تخيل من سنة (1853) لما كانت عليه مدينة كالحو (كالح) وهو المكان الرئيسي الذي أخبرت ألواح الأثار بأن نينورتا قد عُبد فيه في حضارة الآشوريين، وهذا الشكل التصوري بني تبعاً لما استنتجه عالم الآثار البريطاني أوستن هنري خلال أربعينيات القرن التاسع عشر.

 وهذا أمر طبيعي، فتبعاً لما ورد عن أساطير هذه الآلهة؛ يظهر دور نينورتا كمحارب يقارع الظلم والفوضى ويحولها إلى خصب وحياة منتظمة، فهو وفق الأسطورة قد مهد الأرض لتنشأ الحضارة وتقوم فيها البيوت والعمران، كما رسم الطريق أمام إنشاء الإمبراطوريات ودور العبادة والحكمة.

ولولا ما خاضه من تحديات؛ لما قامت الدول القديمة ولما كان هناك استقرار أفضى إلى الإزدهار الحياتي والفني، فتقول لنا ألواح وآثار بلاد ما بين النهرين إنه لولا نينورتا وأعماله لما وجدت كل من إمبراطوريتي سومر وآشور.

مصدر الترجمة:-

https://www.ancient-origins.net/myths-legends-asia/ninurta-god-war-and-agriculture-0010909

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى