اختراعاتمعلومات تاريخية

الأطباء المسلمون وتعاملهم مع مرض الفالج

الرازي: أفضل علاج للفالج هو"الإتعاب بالحركة والإكثار من المشي والتجويع"

توطئة:-

الأطباء خلال مسيرة الحضارة الاسلامية، لم يكتفوا بعلاج الأمراض الجسدية فقط؛ بل كان لهم أيضاً إسهامات قيِّمة في مضمار علم النفس والأعصاب، وذلك من علاجهم لأمراض الدماغ وأعراضه كمرض “ الفالج ” بالاعتماد على الطب اليوناني القديم، فضلا عن تجاربهم الخاصة بهم.

علاج الفالج في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية:-

الحوادث الدماغية أو السكتة الدماغية الناتجة عن اضطراب في إمداد الدم إلى المخ وفقدان متراكم لوظيفة الدماغ.

كانت أول ملاحظات مسجلة في عام 2455 قبل الميلاد، وقد درسها الأطباء القدماء بشكل مكثف ومتواتر، وتأثر بها العرب قبل الإسلام الذين عمدوا إلى استعمال الأعشاب المتداولة في الجزيرة العربية بغية علاج أعراض هذه الأمراض.

 ولكن؛ ومع بزوغ شمس الإسلام؛ فقد تغيرت النظرة لتلك الأمراض، لا سيما مع ورود نصوص دينية (القرآن الكريم والسنة النبوية) في أعراض هذه الأمراض وتحث على معالجتها، ومن بينها مرض الفالج.

علاج الفالج عند العرب حتى أواخر القرن 3هـ/9م:

لا غرابة أن يخلط الأعراب في ذلك الزمان البعيد بين عَرَض المرض والمرض نفسه، فخُّيل لهم العرض مرضاً، كما اعتقدوا بأن الألم شكل من أشكال الأمراض ، لذا وضعوا لكل مرض اسماً مشتقاً من أعراضه وأوصافه.(1)

أصل الكلمة الفالج: فلِجَ يُفلَج ، فَلْجًا، والمفعول مَفْلوج، فِلْجُ كلِّ شَيءٍ : نِصْفُه فُلِج الرَّجلُ : أُصِيبَ بِالْفَالِجِ ، أُصيب بالشَّلل النِّصفيّ، الفالِج هو كلمة تناظرية مع “شلل نصفي” مما يعني الشلل في النصف الطولي الكامل من الجسم من الرأس إلى القدم. (2)

الشاعر زهير بن أبي سلمى المزني حكيم الشعراء في الجاهلية، توفيّ الشاعر قبل بعثة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- بسنة؛ لكن أبناءه كعب وبجير أدركوه وأسلموا
العرب استفادوا من علوم اليونان ثم قدموا إضافات كبيرة استفادت منها البشرية

مسببات الإصابة بالفالج:-

ينتج الشلل النصفي أو الفالج عن إصابة في الدماغ، والسبب الأكثر شيوعًا هو السكتة الدماغية (عندما تتسبب الجلطة الدموية أو الجلطة في إتلاف جزء من المخ وسماها العرب السكتة فقط).

ولكن مرض الفالج قد ينجم أيضًا عن إصابة في الرأس أو عدوى أو تعفن في الرأس، وهناك شخصيات أصيبت بمرض الفالج: مثل أبي الأسود الدؤلي، الشاعر والأديب ابن عبد ربه الأندلسي، والمتصوف البوصيري، فضلاً عن الأديب الجاحظ الذي ذكر ذلك في كتابه البخلاء.

الأعشاب:-

تم علاج مرض الفالج وفقا للطب العربي الذي سبق الإسلام من خلال الإقبال على وصفات الأعشاب، إضافة إلى الاعتماد الكلي على نظرية وضعها الطبيب اليوناني-الروماني الشهير جالينوس وذلك خلال القرن الثاني الميلادي والتي تسمى نظرية الأخلاط (الأمزجة) التي بقيت معتمدة حتى حتى أواخر القرن 3هـ/9م.

وهذه النظرية تعتمد على مبدأ الأخلاط الأربعة: الدم، البلغم، الصفراء، السوداء…والتوازن بين هذه الأخلاط يؤدي إلى الإعتدال الكامل لطباع أو مزال الفرد وهي : الدموية، والبرودة، والحدة والسوداوية.

علاج مرض الفالج
التأكيد على أهمية العلاج عبر اللجوء للأعشاب

وللعلاج أو إعادة التوازن؛ يستخدم غالبا نوع من الغذاء (الحمية الصحيحة والصيام)  أو ببعض الأدوية المضادة كالاستعمال القوي للمسهلات والمقيئات أو الفصد. (3)

طرق العلاج المقترحة:-

ويعد الفالج من المزاج البلغمي، أي الأمراض الناجمة عن البرد والرطوبة، وعلاجه آنذاك كان من خلال الاعتماد على خليط من الملح والتوابل الأخرى والذي أطلق عليه اسم “الملح المعطر”، وصفة لمثل هذا الخليط تحتوي على السماق وبذور الرمان المجففة وجذر الحِلتِيتُ (صَمغٌ راتنجيّ كريه الرائحة المعروف بأَبي كبير) وأوراقه المجففة وبذور السمسم والحبة السوداء والقِنَّب والكتان (نَباتٌ لِيفِيّ) والكمون والتوت الأخضر، يخبز كل منها على حدة ويضاف إلى الملح بينما لا تزال ساخنة.

علاج الفالج عند كبار الحكماء:

علاج مرض الفالج كَتب عنه معظم الأطباء العرب والمسلمين استنادا إلى الطب اليوناني والهندي كالكندي (801–866م) والطبري (838–870م) والفارابي (870–950م) والبلخي (850–934م)، لكن كتابات الرازي (864–932) وابن سينا وابن العباس الأهوازي المسمى بابن المجوسي (ت 995)؛ أظهرت طريقتهم العلمية والعملية المختلفة، حيث أضافوا معارفهم العميقة في جهود علاج الأمراض النفسية والعصبية من بينها الفالج.

1- كتاب الحاوي في الطب الموسوعي الرازي:

عمل الرازي في موسوعته الطبية على علاج الأمراض النفسية والعصبية استنادا إلى ما سبقه من الأطباء خاصة اليونان منهم، كما قام بتنفيذ تجاربه السريرية الكثيرة،  فضلا عن كتابته في علاج الفالج في الجزء الأول من كتابه الحاوي، فيعرض أقوال مشاهير الأطباء ومن ثم يعلق.

وبين الرازي أن أفضل علاج للفالج هو”الإتعاب بالحركة والإكثار من المشي والتجويع فإن ذلك يجلو البلغم ويكثر المرة… أبلغ علاجه الجوع والاستفراغ والسهر والحركة ” .(4)

2- كتاب القانون في الطب للموسوعي ابن سينا:

 في حالة السكتات الدماغية الحادة أو المزمنة التي تنتج مرض الفالج؛ فقد عالجها ابن سينا عن طريق التطبيقات الموضعية للأدوية، إلى جانب الأطعمة التي تحتوي على الخبز والتين وهي خفيفة وسهلة الهضم.

 وأوصى ابن سينا أيضا ممارسة التمارين الرياضية الخفيفة والنوم الكافي للمرضى المصابين بالسكتة الدماغية، وأوصى أيضاَ بالزيوت العشبية على الأطراف المصابة، والعمل على تدليك القدمين بالماء المالح الدافئ والزيوت الساخنة. (5)

كتاب القانون المترجم إلى اللاتينية – النسخة الأقدم المتاحة حالياً

3- الكتاب الملكي للطبيب علي بن عباس الأهوازي أو ابن المجوسي:

كتاب الكامل الصناعة الطبية الضرورية والمشهور باسم (الكتاب الملكي) لعلي بن عباس الأهوازي) أتمه عام 369 هـ/ 980 م) وأهداه إلى الأمير عضد الدولة البويهي (937 – 983 م).

الكتاب الملكي - الفالج

أصبح هذا الكتاب مؤلفاً شائعا لأنه كان عمليا للغاية، حيث تم قراءته على نطاق واسع في العالم الإسلامي، وترجمه الطبيب قسطنطين الأفريقي إلى اللغة اللاتينية في ساليرنو الإيطالية قبل عام 1087.

كتب الأهوازي في الكتاب الملكي عن المجال الصحي بأكمله بما في ذلك الأمراض العقلية والدماغ.

الأهوازي أبحر في تشخيص الأمراض وعلاجاتها

وصف الأهوازي علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء وأمراض الدماغ بما في ذلك مرض النوم ، وفقدان الذاكرة ، ونقص الغدد الصماء والغيبوبة والتهاب السحايا ودوار الصرع والفالج أو شلل النصفي.

 وأكد على ضرورة الحفاظ على الصحة من خلال منع الأمراض والشفاء الطبيعي بدلاً من العلاج الطبي أو الأدوية التي ينبغي أن تكون الملاذ الأخير.(6)

الزهراوي يعتمد الكي:-

أما أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي، فقد قال في الفصل التاسع من كتابه الشهير “التصريف لمن عجز عن التأليف” في سياق حديثه عن علاج الفالج : ” .. ثم أحلق رأس العليل ثم اكوه كيةً في وسط رأسه وكيةً على كل قرذن من الرأس، وكيةً على مؤخره، وثلاثة على فقارات العنق”.

وزاد ” فإن احتجتَ في علة استرخاء البدن أكثر من ذلك، وكان المريض محتملاً لذلك والمريض قوي مستحكماً؛ فاكوه أربع كيات على فقاراته بالكي حتى تحرق من الجلد أكثره، وترفع يدك ثم تعالجه على ما تقدم ذكره حتى يبرأ بإذن الله”.

أبو قاسم الزهراوي

وعاش الزهراوي في الأندلس بين عامي 936 و 1013 م.

شخصيات كبيرة أصيبت بمرض الفالج:-

أصيبت بالفالج عدة شخصيات علمية وأدبية الكبيرة في التاريخ العربي الإسلامي من بين أبرزها:.

الجاحظ:-

توفّي الجاحظ في البصرة عام 255 هجرية، وكانَ قبل ذلك قد أصيب بالفالج (الشلل النصفي)، فكانَ يطلي نصفُ الأيمن بالصندل والكافور لشدّة حرارته، أما النصفُّ الآخر؛ فلو قُرِضَ بالمقاريض لما أحسَّ بها من خدَرِهِ وشدّة بَردهِ… كما قال الأديب الكبير عن نفسه.

وكان سبب عِلَّة الجاحظ أنَّه حضَرَ مائدة ابن أبي دواد، وفي الطَّعامِ سَمَك ولَبَن، وكان ابن بختيشوع الطَّبيب حاضراً، فنهاهُ عن الجَمْع بينهما، فقال الجاحِظ: إنَّ السَّمَك إن كان مُضادَّاً للبن، فإني إذا أكلتُهما دَفَعَ كلٌّ منهما ضَرَر الآخر، وإن كانا متساويين فكأنِّي أكلتُ شيئاً واحِداً، فقال ابن بختيشوع: أنا لا أُحسِن الكَلام، ولكِن إن شِئتَ أن تُجرِّب فَكُلْ، فأكل فأصابهُ فالجٌ عظيمٌ ونقرس، حتى دَخَلَ عليهِ بعض أصحابه، فقال له: كيف حالك؟، فقال اصطلحتُ على الأعلال، لو خَرَجَ شِقّي الأيمن، ما أحْسَسْتُ به من الفالج، ولو مَرَّت على شِقّي الأيسر ذبابةٌ أوجعتني، وأشدّ ما أشكو التسعون!

إسحق بن حنين:-

لحق الطبيب الشهير إسحق بن حنين في آخر عمره، مرض الفالج وبه مات في بغداد، في ربيع الآخر، سنة 298هـ.

ابن عبد ربه الأندلسي:-

وُجِدَ الأديب ابن عبد ربه الأندلسي ميتاً في منزله بعد أيام من وفاته دون أن يعلم به أحد، وكان ذلك يوم الأحد 18 جمادى الأولى سنة 328هـ (940 م)، وله 82 سنة، ثم نُقِل ليُدفن في قرطبة، وكان قد أصابه الفالج قبل ذلك بأعوام.

البديع الأسطرلابي:-

توفي البديع الأسطرلابي بعلة الفالج في شهر صفر، سنة 534هـ، ودفن بمقبرة الوردية من بغداد.

الفالج يُصيب ابن شُهِيد ويرثي نفسه :-

اشتُهِرَ الوزير والأديب الأندلسي أحمد بن عبد الملك بن شُهَيْد باعتباره أحد أكبر الشعراء في عصره، لكن شهرته جاءت بفضل جودة نثره التي فاقت براعته في نَظْمِ الشِّعْر.

عاش ابن شُهَيْد وتوفي في قُرْطُبَة بين عامي 382 و426 هجري ، وقد أشاد ببلاغته وكرمه؛ الفقيه الظَّاهري المعروف ابن حزم الأندلسي.

وقد أُصيبَ ابن شُهَيْد في آخر أيَّامِهِ بِالفَالِج وذلك في عام 425 هجرية، فحال بينه وبين الحَرَكَة والتَّقَلُّب، ففي بداية أمر مرضه كان يمشي على عصا، واعتماداً على من يعينه في السَّيْر، لكنه وقبل ثلاثة أسابيع من وفاتهِ؛ فقد صارَ بمثابة الحَجَر الذي لا يبرَح مكانهُ ولا يتقلَّب، ولا يحْتمِلُ أن يُحَرَّك، وفي ذلك يقول:

أنُـــوحُ علـى نفســي وأنـدُبُ نُبْلَـهَـــا .. إذا أنا في الضَّرَّاءِ أزمعت قتلها

رضيتُ قَضَـــاءَ اللهِ في كُـلِّ حــالةٍ .. علــيَّ ضعف ساقٍ أوهَن السَّقم وجُلها

ألا رُب خصْمٍ قد كفيت وكُــربة .. كشـفت ودار كنتُ في المَحَل وَبْلَها

ورُبَّ قَـــريض كــالجــــريض بعثـــهُ .. إلـى خُطبة لا ينكُرُ الجَمْعُ فضْلَهَا

فَمــَنْ مُبَلِّغ الفتيـــان أنَّ أخـــاهُم .. أخــو فتكة شنعاء ما كان شكلها

عليكُــم سـلامٌ من فتىً عضَّـــهُ الرَّدَى .. ولَــمْ يَنْسَ عيناً أثبتت فيهِ نُبْلَهَا

يبين وكــف المــوت يخلَعُ نفسَــــهُ .. ودَاخــلهـــا حب يهون ثكلها

المصادر:-

  1. كمال السامرائي،مختصر تاريخ الطب العربي،ج1،ص201
  2. https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D9%84%D9%90%D8%AC/
  3. موسوعة تاريخ العلوم العربية رشدي راشد ج2 ،ص1163
  4. الرازي: الحاوي في الطب، دار الكتب العلمية،ص 20 ص21
  5. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/11623841/
  6. Haque, A. (2004). Psychology from Islamic Perspective: Contributions of Early Muslim Scholars and Challenges to Contemporary Muslim Psychologists. Journal of Religion and Health, 43(4), 357–377.
  7. التصريف لمن عجز عن التأليف، الزهراوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى