معلومات تاريخية

كيف ترسخت المدرسة الفقهية المالكية في المغرب والأندلس؟

كان المرابطون في عهدهم؛ لا يسندون مناصب القضاء إلا لفقهاء المالكية

اختار المغاربة اتباع المدرسة الفقهية المالكية منذ أربعة عشر قرناً، حيث مازال هذا المذهب يعد مذهباً رسمياً للدولة المغربية، إلى جانب العقيدة الأشعرية والتصوف الجنيدي.

ويعد السبب الرئيس في انتشار واستمرار هذا المذهب إلى الخصائص الموضوعية التي يتصف بها، كسعة أصوله وشمولية قواعده، الأمر الذي يمنحه قدرة على استيعاب كل التغيرات وضبط المستجدات.

عومل نشأة المدرسة المالكية في المغرب والأندلس:

ساهمت مجموعة من العوامل خاصة البيئية والحضارية منها في نشأة المدرسة المالكية بالمغرب،  كما أشار لذلك مؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون ( 1332– 1406 م ) في مقدمته الشهيرة.

وعزا ابن خلدون أخذ المغاربة بالمذهب المالكي إلى البداوة الغالبة عليهم، وملاءمة ظروفهم لبيئة الحجاز البدوية.

 كما ذكر في موضع آخر من كتابه؛ أن أهل المغرب بعيدون عن الصنائع، ولذلك فإن منتهى رحلتهم كانت الحجاز التي يسود فيها المذهب المالكي، وليس العراق الذي كان يتميز بتعدد الصناعات وأصناف النجارة، وكذا تنوع المذاهب الدينية.

 ويضاف إلى ذلك؛ ملاءمة المذهب لطبيعة العقلية المغربية التي تتميز بالسهولة والبساطة والميل نحوها، فالمذهب المالكي لا يعول على استخدام الرأي أو الجدل بقدر ما يعتمد على النص والنقل وعلى الأثر والرواية، ومن ثم فهو مذهب ملائم لطبيعة المغاربة .

وهناك سبب آخر؛ راجع إلى شخصية الإمام مالك بن أنس ( 711– 795 م) نفسه، وبما يتميز به من أخلاق حميدة وتعلق شديد بالسنة والأثر، الأمر الذي دفع المغاربة والأندلسيين إلى الوفود عليه والانقياد لمذهبه والاقتناع بأنه الأولى بالاقتداء والاتباع.

المسجد النبوي في المدينة المنورة موطن الإمام مالك بن أنس (الصورة في مطلع القرن العشرين)
المسجد النبوي في المدينة المنورة موطن الإمام مالك بن أنس (الصورة في مطلع القرن العشرين)

إعجاب واستعداد:-

و قد كان الإمام مالك –رحمه الله- شديد الإعجاب بالطلبة المغاربة والأندلسيين، لما لمسه فيهم من حسن الاستعداد والجد والحرص على الاتباع وحسن الاقتداء، فخصهم بمكانة متميزة وكان يتتبع أخبارهم ويكتب لبعضهم.

وبعد عودتهم لديارهم قادمين من الحجاز؛ أعطى تلامذة الإمام مالك النموذج الأخلاقي في الجهاد والتضحية، ما جعل الناس في المغرب يعجبون بهم ويتبعونهم ويولونهم مكانة مهمة.

بداية ظهور المذهب المالكي في المغرب والأندلس:

بدأ المذهب المالكي في التسرب مبكراً إلى الأندلس في وذلك عهد الدولة الأموية ، وبالذات في عهد هشام بن عبد الرحمن بن معاوية (731– 788 م)، وقد تم تبني هذه المدرسة الفقهية؛ رغبة في الاستقلال عن الخلافة العباسية بالمشرق.

أما في المغرب ؛ فيعود تاريخ ظهوره الى سنة 172 هـ في عهد إدريس الأول (745– 791 م)  مؤسس الدولة الإدريسية؛ الذي فضَّل التعاون مع فقهاء المالكية في القضاء على المذاهب الخارجية المنتشرة بالمغرب آنذاك.

وفي هذه الحقبة؛ تم إدخال كتاب موطأ مالك إلى المغرب على يد الفقيه عامر بن محمد بن سعيد القيسي، فكان له أثر كبير في تعميم المذهب وانتشاره، فما كاد القرن الرابع هجري يشرف على بدايته؛ حتى كانت أصول المذهب وفروعه قد تجذرت في مرافق الحياة العامة.

سوق مغربي
ترسخ فقه الإمام مالك في الغرب الإسلامي

حديث الدهلوي عن الموطأ:-

قال إمام المحدِّثين بالهند، ولي الدين الدهلوي (1703-1762 م) صاحب “الحجة البالغة واصفاً “موطأ مالك” -الذي تركَ تأثيراً بالغاً في المغرب والأندلس أكثر من أي موضع آخر-: ” كتاب الموطَّأ، أصحُّ الكُتُبِ وأشهرها وأقدمها وأجمعها، وقد اتفقَ السَّوادُ الأعظم من الملَّة المرحومة على العمل به، والاجتهاد في روايته ودرايته، والاعتناء لشرح مشكلاته ومُعضلاته، والاهتمام باستنباط معانيه، وتشييد مبانيه، وَمَنْ تتبَّع مذاهبهم، ورُزِقَ الإنصاف من نفسه؛ عَلِمَ لا محالة أنَّ الموطَّأ عُدَّة مذهب مالك وأساسه، وعُمدة مذهب الشَّافعي وأحمد ورأسه، ومِصباح مذهب أبي حنيفة وصاحبيْه ونبراسه، وهذه المذاهب بالنسبة للموطَّأ كالشروح للمتون، وهو منها بمنزلة الدوحة من الغصون”.

وأضاف الدهلوي” وإنَّ النَّاسَ وإنْ كانوا من فتاوى مالك في ردٍّ وتسليم، وتنكيت وتقديم، ما صفا لهم المشرب، ولا تأتَّى لهم المذهب، إلَّا بما سعى في ترتيبه في الموطَّأ واجتهدَ في تهذيبه، لذلك قال الشَّافعي: ليسَ أحدٌ أمنَّ عليّ في دين الله من مالك، وعُلِمَ أيضاً أن الكُتُب المُصنَّفة في السُّنَنْ كـ(صحيح مسلم) و (سنن أبي داود)، وما يتعلَّق بالفِقه من (صحيح البُخاري) و (جامع الترمذي) مستخرجاتٌ على الموطَّأ، تحومُ حَوْمه، وتروم رومه، مطمح نظرهم منها ما وَصْل ما أرسله، ورَفع ما أوقفه، واستدراك ما فاته، وذكر المتابعات والشَّواهِد لما أسنده، وإحاطة جوانب الكلام بِذِكر ما رُوي خِلافه”.

دور الفقهاء المالكيين المغاربة والأندلسيين:

لعب الفقهاء المالكيون المغاربة الذين رحلوا إلى العراق دوراً بارزاً في تثبيت دعائم المذهب المالكي ببلدانهم.

 فقد لعب دارس بن اسماعيل ( توفي 357 هـ ) الذي كان حافظاً للرأي على مذهب الإمام مالك؛ دوراً كبيرًا في إدخال مدونة سحنون إلى مدينة فاس.

هذا بالإضافة إلى أبي محمد عبد الله بن ابراهيم الأصيلي (935– 1001 م) الذي كان من حُفاظ مذهب مالك، وأبو عمران الفاسي ( 974 – 1039 م) الذي درس في العراق على يد كبار شيوخ المالكية.

فاس .. المدينة ذات العمق التاريخي والحضاري والفكري

الدول التي حكمت المغرب ترسي المدرسة المالكية :

وكان لدور الدول التي حكمت المغرب والأندلس مساهمة كبيرة في تثبيت المذهب المالكي بالغرب الإسلامي، خاصة دولة المرابطين التي حكمت منذ منتصف القرن الخامس الهجري وحتى منتصف القرن الذي يليه.

ويعود سبب ذلك؛ إلى الدور المهم الذي تلعبه الوحدة المذهبية في تحقيق الاستقرار والأمن، لذا سعى المرابطون إلى جعل المذهب المالكي محور حركتهم الاصلاحية، وقاموا باستئصال شأفة المذاهب الأخرى.

 وقد كان المرابطون في عهدهم؛ لا يسندون مناصب القضاء إلا لفقهاء المالكية، كما ركزوا على وضع التشريعات وفق المذهب المالكي مع التشديد على ضرورة الإلتزام به نصاً وروحاً.

وإلى جانب ذلك؛ سعت الدولة بكل جهدها إلى نشر المذهب المالكي في بلاد السودان الغربي.

صفحتان من القرآن الكريم من مصحف تم خطه وزخرفته بالمغرب خلال القرن الثامن عشر – متحف الميتروبوليتان – نيويورك

 فمنذ عهد الداعية المرابطي عبد الله بن ياسين ( توفي 1059 م )  والدعاة يرتحلون إلى بلاد السودان الغربي ( دول جنوب الصحراء الآن)،  قصد نشر المذهب بين القبائل الإفريقية هناك.

ورغم توالي عدة دول على حكم المغرب والأندلس منذ سقوط الدولة المرابطية وإلى اليوم؛ فلم تسعَ أي واحدة منها إلى تغيير المذهب المالكي أو إستبداله بآخر، بل عملت جميعها على دعمه والاهتمام بنشره في المغرب والأندلس، وكذلك في دول إفريقيا جنوب الصحراء.

شعار المدرسة المالكية للوحدة:-

مازال المذهب المالكي إلى اليوم يعبر عن الوحدة المذهبية والدينية للمغاربة، ويعتبر شعاراً من شعارات الدولة، ويلعب دوراً إصلاحياً كبيراً في بناء الشخصية المغربية بكل خصائصها ومميزاتها .

اقرأ ايضا المغرب .. حيث مظاهر الصوفية تنتشر في كل الأرجاء

المصادر:

Photo by Mika on UnsplashCopy

Photo by Doran Erickson on UnsplashCopy

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى