اختراعاتمعلومات تاريخية

كيف انتقلت العلوم الصيدلانية العربية والإسلامية إلى الغرب؟

ازدهر علم الصيدلة خلال العهد العباسي مع استمرار عملية انفصاله عن الطب

مقدمة:-

قدّمت الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي؛ أحد أهم التخصصات العلمية من حيث فائدته للمجتمعات البشرية.

ويتمثل هذا التخصص في مهنة الصيدلة التي استقلت تماماً في هويتها عن المجال الطبي، حيث خضع علم الصيدلة لمتخصصين متمرسين في تركيب الأدوية سواءً أكانوا أطباء أو كيميائيين.

البدايات الأولى لعلم ومهنة الصيدلة عند العرب:.

إن ظهور صيدلية مهنية في الإسلام ككيان منفصل عن الطب، كان قد اتبع نمط النمو نفسه تقريباً الذي شهدته الفروع العلمية الأخرى من المجال الصحي وذلك خلال العصور الوسطى.

 لكنه لم يكن بمنأى عن العراقيل التي واكبت مسيرته.

فقد عانى هذا العلم المستقل حديثاً من غياب تشريع واضح متبع من قبل الدولة من شأنه تنظيم مهنة الصيدلة ، باعتباره اختصاصاً علمياً مستقلا، فيه الكثير من التفاصيل والحيل من قبيل ظهور تجار الأدوية المركبة غير المتعلمين فضلا عن هؤلاء المشعوذين، دون أن يكون كل أولئك خاضعين للإشراف الطبي أو الرسمي.

أخذ النمط التجاري:-

 شهدت بغداد في عام 754 ميلادية؛ ولادة أول متجر للأدوية، ليس على المستوى الإسلامي فحسب، بل على الصعيد العالمي أيضاً، وبعد التاريخ المذكور بأربعين عاماً؛ تعاظم عدد الصيادلة المتعلمين والمتخصصين.

أحد مختبرات كلية الطب في بغداد في العام 1932 م
أحد مختبرات كلية الطب في بغداد في العام 1932 م – مكتبة الكونغرس

التحول إلى مهنة:-

أما في الجزء الثاني من القرن التاسع الميلادي؛ فقد كانت الصيدلة معروفة كمهنة في بلاد فارس المسلمة أيضًا.

ومع ذلك؛ فقد واصل المشعوذون وبائعو العطور وتجار الأدوية غير الخبراء في ممارسة لعبة تركيب الأدوية المغشوشة، وساهم انتشارهم في اختلاط المشهد لدى العامة، إذ بات من الصعوبة بمكان الفصل ما بين بائعي الأعشاب غير المتخصصين من جهة، والصيادلة المحترفين من جهة ثانية.

وخشي الأطباء من عدم تمكن العطارين غير المدربين، من معالجة وصرف وصفاتهم الصيدلانية، لأنهم قد ينحوا باتجاه بيع مستحضراتهم الخاصة التي تحقق لهم مكاسب ضخمة، وهو الأمر الذي عقّد من مهمة ودور الصيدلية النظامية.

غياب المراسيم:-

ومن الجدير ذكره أن عمل الصيدلة لم يكن مستنداً إلى مرسوم صادر عن الدولة، وإنما ولِد نتيجة الحاجة الماسة إلى التخصص في مواجهة تفاقم ظاهرة تجارة الأدوية والمستحضرات الصيدلانية غير المهنية، لينبري عدداً من الأطباء والحكماء للتصدي لهذه الظاهرة، وذلك من خلال تأليف كتب وملخصات وشروحات طبية وصيدلية تعرّف وتشرح ماهية العقاقير والأدوية، فضلاً عن مبررات استعمالها. (1)

الكيمائيون يستخدمون السم والترياق:-

نشأ التطور الدوائي المبكر جزئيا عن طريق استخدام السموم والترياق، حيث تم تنفيذ هذه المهمة غالباً من قِبل الكيميائيين الذين تقمصوا دور علماء السموم، فقد كان حضور الكيميائيين شائعاً في المشهد العام وذلك في القرن التاسع الميلادي.

و على الرغم من أنهم لم يفلحوا في تحويل المعادن غير الكريمة إلى معادن ثمينة، فقد ساهم عملهم بشكل كبير في تطوير علم الصيدلة لأنهم استخدموا عددًا من الأساليب الكيميائية والتقنيات ومعدات المختبرات، وكانوا يعرفون مجموعة واسعة من المواد العضوية وغير العضوية. من بين التقنيات الكيميائية المفيدة المستخدمة: التقطير والتسامي والتكثيف والتبخر والسحق والغليان.(2)

العلم والتخصص:-

 ارتقى علم الصيدلة خلال هذا القرن التاسع إلى مستوى عال من الكفاية، اعتمادا على ترجمات من اللغتين السنسكريتية والسريانية ، فضلاً عن الاستفادة من التقاليد المحلية السائدة في منطقة الهلال الخصيب بالإضافة إلى تجارب العلماء الخاصة، وهكذا طُورت كتابات عفوية عن الخلاصات الصيدلانية كتلك التي ظهرت في شكل تركيبات.

العلماء الأوائل المساهمين في مهنة الصيدلية:

يذكر ابن النديم (توفي عام 990م) أن رواق الصيدلاني (Riwaq al-Saydanani) كتب أحد أوائل الأعمال العربية في الصيدلة سماه “كتاب الصيدلانية”  لكنه المؤلَّف المذكور تعرض للفقدان. ثم قدّم يحيى بن ماسويه الخوزي وهو طبيب عالم ومترجم وصيدلاني مسيحي (توفي عام 857) وتلاه الكندي العلامة الموسوعي العربي المسلم (توفي 873) كتب أطروحات ذات صلة وثيقة بفن الصيدلية.

علم الصيدلة

كتب متخصصة في الصيدلة:-

ويُعد كتاب “أقراباذين” الكبير لسابور بن سهل (توفي 869م) أقدم وأشهر مخطوط في علم الصيدلة ، وبعد وقت قصير من نشره؛ أصبح دليلًا إرشادياً للصيادلة في المستشفيات ومحلات الصيدليات الخاصة، وذلك طيلة 3 قرون.

ابن التلميذ قدم مساهمات عظيمة في مجال علم الصيدلة
ابن التلميذ قدم مساهمات عظيمة في مجال الصيدلة

 وقد حل محله “أقراباذين” لابن التلميذ الأديب والطبيب المسيحي (توفي 1165) في بغداد في القرن الثاني عشر.

إقرار مهنة الصيدلة من قِبل الرازي:-

وفي أوائل القرن العاشر للميلاد؛ اعترف الطبيب الكبير أبو بكر الرازي (865-925 م) بمهنة الصيدلة منفصلة عن الطب وذلك في العديد من الرسائل الكيميائية والصيدلانية ذات القيمة العلمية الكبيرة للمهنة، مثل كتاب ” الصيدلة في الطب “، وقد كان الأخير ابتكارًا مفيدًا، ومع ذلك؛ فقد كان أقل من المعايير العالية المتوقعة من مؤلفها نظرا لقلة الملاحظات الشخصية التي أدرجها الرازي في مؤلفه.

ابو بكر الرازي يقر مهنة الصيدلة
ابو بكر الرازي

وبالتالي؛ فقد بدا الأمر مخيباً للآمال، إذا ما قورن العمل المذكور للرازي بكتاباته الأخرى عن الطب السريري والعلاج النفسي والكيمياء وعلم وظائف الأعضاء وفلسفة العلوم.

أسماء لامعة جديدة:-

وقام بعد ذلك كل من علي بن عباس الأهوازي المكنى بابن المجوسي (ت 995)، وابن الجزار (ت 984)، وابن سينا (ت 1037) بتجميع أطروحات المتعلقة في الصيدلة ممن سبقوهم في موسوعات طبية.

أهمية مؤلفات الصيدلة الإسلامية في أوروبا الغربية:

لعبت التطورات الكبيرة في مهنة الصيدلة بالنسبة لأوروبا الغربية دوراً هاماً، فقد جلب العرب من أوطانهم زخماً جديداً للتقدم إلى صقلية والأندلس، وعند استرداد المسيحيين صقلية والأندلس اهتموا أيضاً بمهنة الصيدلة التي كانت بمثابة إرث إسلامي باقٍ في أوروبا.

 ففي صقلية مثلا؛ دشن الإمبراطور فريدريك الثاني (1194 -1250) مرسوماً رسمياً في العام 1240م ، يُقِرُّ مضمونه بكون الصيدلة في الغرب باتت مهنة منفصلة عن الطب.

العلوم الطبية والصيدلانية الغربية استمدت جذورها من العلوم الإسلامية

ولا تزال بعض الأدوية المركبة المستخدمة في تلك الفترة تستخدم في العلاج لغاية تاريخه، بل أنه يمكن العثور على بعض تركيبات في الأدوية الحديثة، هذا ناهيك عن ظهور الأصل العربي في معظم المؤلفات التي تم نشرها في هذا المجال، خصوصاً وأن تثبيت هذه الحقيقة كان مرافقاً لعمليات ترجمة العلوم الصيدلانية من العربية إلى اللاتينية وذلك خلال العصور الوسطى 4.

شهادات غربية منصفة:-

تذكر دائرة المعارف البريطانية: قسم الطب ” أن العرب أول من أنشأ حوانيت العطارة، وفي زمانهم؛ ظهرت ولأول مرة الصيدليات”.

ويقول الفليسلوف والمفكِّر ول ديورانت في كتابه “قصة الحضارة”: “وكان المسلمون أول من أنشأ مخازن الأدوية”، ويضيف “إن الفضل يعود للعرب في تأسيس أول مدرسة للصيدلة، ووضع التآليف الممتعة في هذا الموضوع”.

تقول المستشرقة الألمانية سيغريد هونكه (توفيت عام 1999 م): ” لقد فصل العرب حقل محضر الدواء، عن حقل واصفه، وأوجدوا مهنة الصيدلاني الذي ارتفع إلى مركز عالي بفضل علومه ومسؤوليته الخاصة”.

وتزيد المستشرقة الألمانية في كتابها “شمس الله على الغرب”، “.. والتاريخ يشهد بأن فن استعمال الإسفنجة المخدِّرة فن عربي بحت لم يُعرَف من قِبَلهم، وكانت توضع الإسفنجة المخدرة في عصير الحشيشة والأفيون والزوان وست الحُسن، ثم تُجفَّف في الشمس، ولدى الاستعمال؛ تُرطَّب ثانية وتوضع في أنف المريض، فتمتص الأنسجة المخاطية المواد المنبعثة منها، فيرقد المريض بنوم عميق يحرره من أوجاع العملية الجراحية”.

المصادر:

  1. Hamarneh, S. (1962). THE RISE OF PROFESSIONAL PHARMACY IN ISLAM. Medical History, 6(01), 59–66
  2. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5723183/
  3. http://islamset.net/heritage/pharmacy/biruni&.html
  4. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5723183/

Photo by freestocks.org on Unsplash

Photo by Adam Nieścioruk on Unsplash

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى