معلومات تاريخيةنوادر العرب

كيف أصبح السمؤال مضربا للمثل بالأمانة ؟

كان السموأل ابن غريض بن عاديا من شعراء الجاهلية اليهود

كان السموأل ابن غريض بن عاديا من شعراء الجاهلية اليهود، وبالرغم من اشتهار أبناء ملته بالخيانة وعدم الوفاء بالوعد، فقد خالفهم في ذلك وأصبح يضرب به المثل في الوفاء والأمانة ، فيقال: أوفى من السموأل ، وأصبحت أمانته مضرب الأمثال.

السمؤال مع امرئ القيس .1

عاش امرؤ القيس حياة عابثة لاهية، يشرب الخمر ويشبب بالنساء، مما جعل والده يطرده بعيداً.

وفي أحد الأيام بينما هو في مجلس الشراب، جاءه خبر قتل بني أسد لوالده، فلم يجزع كما فعل إخوته، وقال :”ضيعني أبي صغيرًا، وحملني دمه كبيرًا، اليوم خمر، وغدًا أمر”.

وعزم على الأخذ بثأر والده، مع أنه لم يكن الابن الأكبر، لكنه أخذ زمام الأمور.

وقد نكل ببني كنانة في اليوم التالي، وقتلهم قتلًا شديدًا ظنًا منه أنهم بنو أسد.

وقد حاولت بنو أسد أن تسترضيه بشتى الوسائل ولكنه أبى إلا قتلهم، وقد اثخن فيهم القتل.

ومرت الأيام ولا هم لامرئ القيس سوى الانتقام لمقتل والده؛ مما جعله يخسر أغلب الناس، فها هي بنو كنانة تحقد عليه لأنه قتلهم ظلمًا، وبنو أسد تخافه وتخشاه، وحتى أعوانه وأهله ضاقوا ذرعًا بفعاله وتخلوا عنه، وها هو المنذر بن ماء السماء قد بعث جيوشًا في طلبه، واستعان بكسرى في ذلك، وها هي حمير قد خذلته.

وفاء السموأل :-

فلم يكن هناك بد من أن يسافر إلى الشام ليطلب من قيصر أن يعاونه في الثأر لأبيه.

وبينما هو متوجه إلى الشام؛ فكر في اللجوء إلى السموأل صاحب حصن بلقاء المعروف بتيماء، والذي كان يستقبل فيه أضيافًا من العرب، كما كان يقام فيه سوقًا.

وبسبب وفاء السموأل وأمانته فقد وقع اختيار امرئ القيس عليه لكي يحفظ عنده الأدرع الخمسة التي كانت لأبيه، وهي أدرع كانت ملوك بني آكل المرارة – وهو حجر بن معاوية بن ثور المعروف بكندة- يتوارثونها ملكًا عن ملك، وكان معه بعض الأموال والسلاح وبنته هند وابن عمر يزيد بن الحرث، ورجل من بني فزارة اسمه الربيع بن ضبع وكان شاعرًا.

امرؤ القيس

وقد نصحه الفزاري أن يمدح السموأل ، لأنه يعجب بالشعر، وأسمعه بعض مديحه فيه، فقال فيه قصيدة منها:

طرقت هند بعد طول تجنب..

وهنًا ولم تكن قبل ذلك تطرق

وأخبره الفزاري أن أمانة ووفاء السموأل بالعهد وأخلاقه الكريمة؛ ستجعله خير من يحمي ابنته وأمواله وأنه سيحافظ عليهم في غيابه، وأنه رجل ذو مال كثير وفي مكان حصين.

فاستودع امرؤ القيس أدرعه الخمسة وأمواله وسلاحه وبنته عند السموأل.

وقد جعل السموأل هند في قبة من أدم – جلد- وأنزلها في مكان ربح واسع، ومكثت عنده معززة مكرمة ما شاء الله لها أن تمكث.

السموأل يفي بالعهد حتى بعد وفاة امرئ القيس.2

مات امرؤ القيس وهو في طريق العودة من عند قيصر.

وبلغت أنباء وفاته السموأل، وأغار عليه الحارث بن أبي شمر الغساني بعدما علم بوفاة امرئ القيس في جيش كبير، وطالب السموأل بأن يعطيه دروع امرئ القيس.

فأبى السموأل إلا الوفاء بالعهد واعتصم منه في حصنه الأبلق.

وكان له ابن يافع خرج من الحصن في صيد له، فأمسك به الحارث ، وخيَّر السموأل بين أحد أمرين إما أن يسلمه دروع امرئ القيس وإما أن يذبح ابن السموأل أمام عينيه.

فقال له السموأل أنه ما كان ليخفر ذمته ويضيع الأمانة، وليفعل بابنه ما يشاء، فقسم الحارث ابن السموأل قسمين أمامه، وأبت أمانة السموأل ووفائه بالعهد أن تسلمه دروع امرئ القيس مهما كان الثمن غاليًا، ومهما كانت التهديدات شديدة.

وظل السموأل محافظًا على أمانة امرئ القيس حتى سلمها بنفسه لورثته.

فضرب أروع مثل للأمانة، واستحق أن تضرب الأمثال في وفاء السموأل ، كما يقول الأعشى:3

كنْ كالسّموألِ إذْ سارَ الهمامُ له.. في جحفلٍ كسوادِ اللّيلِ جرّارِ

بالأبْلَقِ الفَرْدِ مِنْ تَيْمَاءَ مَنْزِلُهُ.. حصنٌ حصينٌ وجارٌ غيرُ غدّارِ

إذْ سامَهُ خُطّتَيْ خَسْفٍ، فَقالَ له: مهما تقلهُ، فإنّي سامعٌ حارِ

فَقالَ: ثُكْلٌ وَغَدْرٌ أنتَ بَينَهُما،.. فاخترْ وما فيهما حظٌّ لمختارِ

فشك غير طويل ثم قال له: اقتل أسيرك فإني مانع جاري

وفاء السموأل قصة أصيلة في التراث العربي

قصة وفاء السموأل في ميزان النقد.4

هذه القصة مروية في العديد من الكتب مثل طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجحمي، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وسيرة ابن هشام وغيرها، إلا أن الدكتور شوقي ضيف يحذر من جميع الشعر المروي عن اليهود، وبخاصة وقد كثرت فيه المعاني الإسلامية، وأصبح يعلي من أخلاقهم، وفي بعض الأحيان يمتزج بمعاني القرآن التي لم تكن معروفة في الجاهلية ، ويرى أن هذا الشعر منحول بعد الإسلام كتبه أبناء هؤلاء الشعراء.

فهو يرى أن هذه القصة من باب الأساطير.

ولا شك أن قصة وفاء السموأل وأمانته لم تشتهر من فراغ، فإن كان رأي الدكتور شوقي ضيف صحيحًا، فقد يكون جزء من القصة حقيقي وجزء غير حقيقي.

المصادر:

1- ديوان عروة بن الورد والسموأل ص 71: 73، دار صادر بيروت.

2- ديوان عروة بن الورد والسموأل ص 68، 73.

طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي، ص 279، 278، دار المدني بجدة، تحقيق محمود محمد شاكر.

قصص العرب لإبراهيم شمس الدين، الجزء الأول، ص 125، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.

3- طبقات فحول الشعراء، ص 279، 280.

4-تاريخ الأدب الجاهلي لدكتور شوقي ضيف، ص 389، دار المعارف، الطبعة الحادية عشر.

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى