أعلاماختراعات

كيفَ وضعَ أبو الأسود الدؤلي عِلم النحو؟

أول من قامَ بتشكيلِ المُصّحف وابتكر نُقطَ الإعراب

أبو الأسود الدؤلي أحد جهابذة العلماء واللغويين، وهو أول من وَضَعَ عِلم النحو، وأول من قامَ بتشكيلِ المُصّحف وابتكر نقطَ الإعراب، فمن هو أبو الأسود الدؤلي ، ولماذا وضع عِلم النحو؟

أبو الأسود الدؤلي واضع النحو:

هو أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حُليس ابن نُفاثة بن عَدي بن الدُّئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.

وقد اُختلف في تاريخ ميلاده كثيرًا، ومن المرجح أنه وُلد قبل الهجرة النبوية بستة عشر عامًا، وتوفي 69ه‍‍.

وكان أبو الأسود من كبار عُلماء البصرة ورجالها.

لماذا وضع أبو الأسود الدؤلي النحو؟

كانت العرب في الجاهلية تحرص على فصاحة أبنائها، وكانت في الغالب تَذهب بأبنائها إلى البادية لكي يتشربوا اللغة العربية التي لا تشوبها عُجمة ولا يدخلها لحن، فينشأ الأبناء فصحاء.

ولكن مع دخول كثيرٍ من الأعاجم الإسلام، واختلاطهم بالعرب، وتوسع رقعة الدولة الإسلامية، بدأ اللحن يجري على الألسنة.

 فبعد أن كان العربي يقرأ الكلام بسليقته مُعرَّبًا؛ أصبح البعض يلحن، وكانت الطامة الكبرى هي صدور اللحن من أبناء العرب  الفصحاء، ووصول هذا اللحن إلى القرآن الكريم.

أهم أسباب وضع الدؤلي لعلم النحو:-

1-صدور اللحن من أبناء العرب الخُلص، فمَن دونهم.

توطئة نحوية:

(ما) في اللغة العربية تستعمل استعمالات كثيرة، فتجيء للاستفهام مثل: ما أحسنُ السماء؟ يعني أي شيء أحسن في السماء النجوم أم الغيوم…

والاسم الذي بعدها يكون مرفوعًا على أنه خبر، وما في محل رفع مبتدأ.

أما (ما) التعجبية؛ فيكون الاسم الذي بعدها منصوبًا، نحو ما أحسنَ السماء!

وكان أبو الأسود مثل غيره من العرب الفُصَحاء؛ يكره اللَّحْن واللَّحَّانين، رُوُيَ عنهُ أنَّهُ ذَكَرَ اللَّحن، فقال: “إني لأجِدُ اللَّحن غمزاً كغمز اللَّحم”.

صدور اللحن من بنت أبي الأسود الدؤلي.

في يوم شديد الحرارة؛ قالت ابنة أبي الأسود له :”ما أشدُ الحر”، فقال لها :”القيظ، وهو ما نحن فيه يا بُنية”، جوابًا على سؤالها، لأنه استفهام، فبدت الحيرة عليها، وظهر لها أنها أخطأت.

فقال لها قولي :”ما أشدَ الحر!” بالنصب إن أردت التعجب.

وعندها قام أبو الأسود الدؤلي بوضع باب التعجب والفاعل والمفعول به وغيرها من أبواب النحو.

2-امتداد اللحن إلى القرآن الكريم.

سمع أعرابي حديث عهد بالإسلام القارئ يقرأ قوله تعالى :” وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيْمٍ” سورة التوبة، الآية 2.

علم النحو ونقط أحرف المصحف جاء بعد دخول العحم للإسلام أبو الاسود الدؤلي
علم النحو ونقط أحرف المصحف جاء بعد دخول العحم للإسلام – متحف الميتروبوليتان

بجرِّ كلمة رسوله، ما يعني أن كلمة الرسول معطوفة على المشركين ومجرورة مثلها، فقال: إنه يتبرأ من الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما تبرأ الله منه.

 فلما علم بذلك الصحابي الجليل عمر بن الخطّاب، أخبره بالقراءة الصحيحة وهي رفع الرسول عطفًا على محل لفظ الجلالة، أي أن الله والرسول يتبرآن من المشركين، فقال الأعرابي: وأنا أتبرأ مما تبرأ منه الله ورسوله.

وهنا أمرَّ الفاروق ألا يُقرئ القرآن الكريم إلا العالم باللغة العربية.

3-الرغبة في مساعدة الموالي.

الموالي هم غير العرب، وقد دخلت طائفة كبيرة منهم الإسلام، وصاروا يرغبون في تعلم اللغة العربية لأنها لغة الدين والدولة، وقد أراد أبو الأسود الدؤلي مساعدتهم في تعلم اللغة العربية وتيسيرها لهم.

فرُوي أن رجلًا فارسيًا كان قادمًا من البصرة وهو يقود فرسه، فقال له أبو الأسود الدؤلي: “مالك يا سعد، ألا تركب؟ ” فقال :”فرسي ضالع”.

فضحِك كلُ مَن حوله، فقال أبو الأسود الدؤلي :”هؤلاء الموالي قد دخلوا في الإسلام، وصاروا لنا إخوة، فلو علمناهم الكلام”.

ثم وضَعَ بابَ الفاعِل، والمفعول، وغيرها من الأبواب.

كيف وضع أبو الأسود الدؤلي علم النحو ؟

لقد أجمع العلماء على أن أبا الأسود الدؤلي هو الواضع الأول لعلم النحو ، وأنه صاحِب فضل السبق إليه، وهو الذي مَهَّدَ الطريق لمن جاء من بعده.

ولأبي الحسن أحمد بن فارس – وهو أحد مشاهير علم اللُّغة وقد تُوُفِّيَ سنة 395 هجرية- رأيٌ طريف في منشأ هذا العلم خلاصته: ” أن أبا الأسود كان أول من وَضَعَ العربية، لكنَّ هذا العِلم قد كان قديماً، وأتت عليه الأيَّام، وقلَّ في أيدي النَّاس، ثمَّ جدَّدَه هذا الإمام، فأبو الأسود هو مُجدِّد هذا العِلم وباعثه، وليس موجِده ومُخترعه”.

أبو الأسود الدؤلي الكِناني هو من تولى مهمة تنقيط الأحرف العربية
أبو الأسود الدُّؤَلي الكِناني هو من تولى مهمة نَقط الأحرف العربية

دور علي بن أبي طالب في وضع النحو:-

سُئل أبو الأسود الدؤلي عن وضع النحو، فقال إن الإمام علي بن أبي طالب -كرّمَ الله وجههُ- وضع له أصولًا وهو سار عليها.

وفي رواية أنه قال :”انحُ هذا النحو ” فسمي لذلك نحوًا”، وقيلَ إنه تلقَّى النحوَ من الإمام علي بن أبي طالب.

وقال ابن الأنباري النحوي في “نُزهة الأباء في طبقات الأدباء”: “والصَّحيح أن أول من وضَعَ النحو علي بن
أبي طالب رضي الله عنه، لأنَّ الروايات كلَّها تستند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يستند إلى علي بن أبي طالب
رضي الله عنه، فإنَّه رُويَ عن أبي الأسود أنهُ سُئِلَ فقيل له: من أين لكَ هذا النحو ؟، فقال: لَفَقْتُ حدوده من
علي بن أبي طالب رضي الله عنه”.

زياد والي البصرة:-

ذهب أبو الأسود الدؤلي إلى زياد بن أبيه (620-673م) والي البصرة، وقال له: إن العرب اختلطت بالعجم،
وتغيرت ألسنتهم، فهل تسمح لي أن أضع لهم كتابًا، ليقيموا به كلامهم؟ فقال له :”لا”.

وبعد مدة جاء رجل إلى زياد فقال له :”أصلح الله الأمير! تُوفي أبانا وترك بنون”.

فقال زياد :”توفي أبانا وترك بنون!”

ثم أمرَ أن يدعوا له أبا الأسود الدؤلي.

فقال له زياد :”ضَع ذلك الذي كنت نهيتك عنه” يقصد كتاب النحو.

والذي دفع زياد لتغيير رأيه هو أن ذلك الرجل أخطأ في أربع كلمات مرتين، فنصَبَ نائب الفاعل (أبانا) ورفع
المفعول (بنون) والصواب أن يقول: “توفي أبونا، وترك بنين.

البصرة التي ينتمي إليها الفرزدق الدؤلي
البصرة التي عاش فيها الدؤلي

خلاصة:

لقد وضَعَ أبو الأسود الدؤلي النحو على أبوابٍ منها باب الفاعل، باب التعجب، باب المفعول.

وهذه الطريقة كانت نبراسًا لمن بعده من العلماء، حيث ساروا عليها، وزادوا في تلك الأبواب، وضبطوا
العلل، وحددوا القياسي من الشاذ، وجعلوا النحو علمًا متكاملًا له ملامح واضحة.

المصادر:

طبقات النحويين واللغويين، ص 21، 22، دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية.

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي.

https://dl.wdl.org/18848.png

الوسوم

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق