أخبار العرب

كعب بن زهير .. الشاعر الفحل المخضرم

نظم في جميع الأغراض الشعرية التي نظم فيها الجاهليون من مدح وغزل وهجاء ورثاء

كعب بن زهير واحد من أهم الشعراء المخضرمين، ارتبط اسمه بتوعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- له، وبقصيدة البردة، فمن هو كعب؟ وما هي قصته مع الرسول الكريم؟ وكيف أسلم؟

نسب كعب بن زهير :-

هو الصحابي كعب بن زُهير بن أبي سلمى المزني، أحد فحول الشعراء، وأحد الشعراء المخضرمين، أما أمه؛ فهي كبشة بنت عمار بن عدي بن سحيم أحد بني غطفان، وهي أم جميع أبناء زهير، وقد تزوجها زهير بعد أم أوفى رغبة منه في الإنجاب، وعاش شاعرنا مع أبيه وأخوال أمه في بني غطفان، لذا عُد واحدًا منهم.

نشأة كعب بن زهير :-

لم ينشأ كعب بن زهير نشأةً عادية، فهو من عائلة لها قدم راسخة في قول الشاعر، فأبوه زهير بن أبي سلمى، وجده أبو سلمى شاعر، وعمتاه سلمى والخنساء، وخال أبيه بشامة بن الغدير، وأخوه بُجير، وابنا عمته تماضر وأخوها صخر، وابنه عقبة وحفيده العوام كلهم شعراء، وقد اتفق الرواة أن الشعر لم يتصل في ولد أحد كما اتصل في ولد زهير.

أثر زهير بن أبي سلمى في شاعرية كعب :-

لقد كان زهير يعلم أبناءه وغيرهم من تلاميذه الشعر، ويحفظهم الشعر الجاهلي سواء كان شعره أم شعر غيره، حتى تجود قرائحهم، ويتضح أن لديهم ملكة ومقدرة في قول الشعر ونظمه.

ولا شك أن كعب بن زهير كانت نفسه تتوق إلى قول الشاعر، وبخاصة وهو من عائلة شعراء، فكان وهو غلام عندما يخرج يقول بيت أو بيتين، فنهاه زهير عن قول الشعر، لأنه لم يرد أن يقول ابنه شعرًا لا خير فيه، فتصير سبة له ولعائلته.

كعب بن زهير نهل من معين والده الشاعر الحكيم الكبير.

زهير يضرب كعب حتى لا يقول الشعر :-

وبالرغم من نهي زهير ابنه عن قول الشعر، وعدم إجازته له، فقد كان كعب بن زهير مصرًا على قول الشعر، فضربه والدهُ، فلم ينتهِ، فحبسه حتى لا يقول الشعر، فقاله أيضًا، فضربه زهير ضربًا شديدًا، ثم قرر أن يمتحنه ليرى مدى قدرته على قول الشاعر، فقال زهير:

إني لتُعْدِيني على الحيّ جَسْرَةٌ …

تَخُبُّ بِوَصَّالٍ صَرُومٍ وتُعْنِقُ

وطلب من كعب أن يجز ( يقول بيتًا يكمل هذا البيت)، فقال كعب:

كبُنْيانةِ القَرْئيّ موضعُ رحلها …

وآثارُ نِسْعَيْها من الدَّفِّ أبْلَقُ

وظل زهير يُصعب على كعب، ويتعسف في وصف الإبل، وكعب يكمل بعده، حتى تأكد من موهبته ، وأجازه في قول الشعر.

أثر زهير الفني في شعر كعب :-

لم يقتصر أثر زهير في شاعرية نجله على تعليمه الشعر، وتحفيظه له، وإجازته بقول الشعر، وإنما امتد أثره من حيث لم يشعر كعب!

لقد وعى الابن وهو صغير جميع صور وتشبيهات ومعاني زهير في شعره، واختزنها في عقله، وأصبح يطلق تلك الصور والمعاني في شعره، دون قصد منه في تقليد أبيه زهير، وسنذكر مثالًا عن ذلك عند حديثنا على قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير.

كما وجدنا الحكم مبثوثة في شعره، كيف لا! وهو ابن زهير أحكم شعراء الجاهلية، وصاحب أشهر الحكم، التي جعلت عمر بن الخطاب يفضله على غيره من الشعراء.

كعب في الجاهلية :-

نظم كعب بن زهير في جميع الأغراض الشعرية التي نظم فيها الجاهليون من مدح وغزل وهجاء ورثاء وغيرها.

وحظي بمكانة مرموقة بين الشعراء ليس فقط لأنه ابن زهير، ولكن لأنه أثبت أنه جدير بتلك المكانة.

الحطيئة وكعب بن زهير :-

يبدو أن كعب بن زهير كان أشهر من الحطيئة في الجاهلية، وكان شعره يُذاع بين الناس بسرعة أكبر، ما دفع الحطيئة أن يطلب من كعب أن يذكره في شعره، فقد ذكر صاحب الأغاني أن  الحطيئة  أتى كعب بن زهير – وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير – فقال له:” يا كعب قد علمت روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم وقد ذهب الفحول غيري وغيرك فلو قلت شعرًا تذكر فيه نفسك وتضعني موضعًا بعدك فقال كعب:

فَمَنْ للقوافي شـانَهــا مَنْ يَحُوكهــا … إذا ما ثَوَى كَعْبٌ وفَوَّزَ جَرْوَلُ

يقــول فــلا تعْيَــا بشـيء يَقولُــه … ومِـنْ قائليها مَنْ يُسِيء ويَعْمَلُ

كفيتُكَ لا تلْقَى مِن الناسِ واحداً … تنخَّلَ مِنها مِثْل ما يُتنخَّلُ

يُثقِّفُهـــا حتى تَلِيـنَ مُتُــونُهــا … فيَقْصُـــرُ عنها كلُّ ما يُتمثَّلُ

قصة كعب مع الرسول الكريم :-

أدرك كعب بن زهير النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ودعوته لعبادة الله الواحد الأحد، وترك عبادة الأصنام، ولكنه آثر البقاء على وثنيته، وعدم ترك دين آبائه وأجداده، وهجا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهجا بُجير أخاه، فقال :

ألا أبْلِغَـا عنّـي بُجَيْـراً رِسالــةً علــى … أيِّ شيء – وَيْب غَيْرِك – دَلَّكَا

علــى خُلــق لـم تُلْفِ أُمّــا ولا أباً … عَلَيْــه ولم تُدْرِك عليه أخاً لَكَا

سقاكَ أبو بكــر بكــأسٍ رَوِيّـــةٍ … فأنهلَك المأمونُ مِنْها وعَلَّكَا

وظل هكذا حتى فتح مكة، فحذره بجير من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أهدر دم كل الشعراء الذين هجوا النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودعاه للإيمان والتوبة.

إسلام كعب :-

فكر كعب بن زهير أن يطلب حماية قبيلته أو أي قبيلة أخرى، ولكن القبائل أبت ذلك، وبخاصة وقد قويت شوكة الإسلام والمسلمين، فضاقت عليه الأرض بما رحبت، وضاقت عليه نفسه، وحانت اللحظة الفارقة في حياة كعب، فشرح الله صدره للإسلام، وقرر أن يذهب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ليعتذر عما بدر منه، ويسلم وجهه لله رب العالمين.

الحرم المكي الشريف في العام 1910 م – مكتبة الكونغرس.

مقابلة كعب بن زهير للرسول الكريم :-

اختلف رواة الأخبار في مكان مقابلة كعب بن زهير للرسول أفي المسجد النبوي أم المكي، كما اختلفوا في الكلام الذي دار بينهما، فمنهم من قال إنه دخل عليه متلثمًا، وسأله هل لو أحضر له كعب تائبًا مستأمنًا، سيقبله ويأمنه، ومنهم من قال إنه لجأ لرجل من جهينة ليدخل معه على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومنهم قال إنه عرّف بنفسه أول ما دخل فتواثبته الأنصار يريدون قتله، ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، نهاهم عن ذلك.

ومهما يكن ما حدث، فالمهم أن كعباً قابل النبي، وعفا الرسول -صلى الله عليه- عنه، وأنه أنشد قصيدة بانت سعاد.

قصيدة كعب في مدح الرسول :-

بعد ما قبل الرسول -صلى الله عليه وسلم- توبة كعب بن زهير ، استأذنه في إنشاد قصيدته، فأذن له النبي، فأنشد قصيدة مطلعها:

بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ ..

مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُجزَ مَكبولُ

وكعب هنا متأثر بقول زهير:

وَفارَقَتكَ بِرَهنٍ لا فِكاكَ لَهُ ..

يَومَ الوِداعِ فَأَمسى الرَهنُ قَد غَلِقا

وقد ظل كعب يشبه سعاد بالظبي، وريقها بالخمر، وهو بذلك متأثر بزهير في القصيدة السابقة، كما وصف خلفها للوعد..

ويصور لنا كعب بن زهير كيف تلقى خبر توعد النبي – صلى الله عليه وسلم- له، وكيف ارتعبت نفسه، قائلًا:

أُنبِئتُ أَنَّ رَســولَ اللَهِ أَوعَدَنـــي .. وَالعَفُـوُ عِندَ رَسولِ اللَهِ مَأمولُ

مَهلاً هَداكَ الَّذي أَعطاكَ نافِلَةَ الـ .. قُرآنِ فيها مَواعيظٌ وَتَفصيلُ

لا تَأَخُذَنّي بِأَقــوالِ الوُشــــاةِ وَلَم .. أُذِنب وَلَو كَثُرَت عَنّي الأَقاويلُ

لَقَد أَقــومُ مَقـامـــاً لَو يَقـــومُ بِـــهِ … أَرى وَأَسمَعُ ما لَو يَسمَعُ الفيلُ

لَظَلَّ يُرعَدُ إِلّا أَن يَكـــونَ لَــهُ مِنَ .. الرَســـولِ بِإِذنِ اللَهِ تَنويلُ

مــا زِلتُ أَقتَطِــعُ البَيداءَ مُدَّرِعــــاً .. جُنــحَ الظَلامِ وَثَوبُ اللَيلِ مَسبولُ

ثم قال زهير بن كعب يمدح الرسول – صلى الله عليه وسلم- والمهاجرين:

إِنَّ الرَســولَ لَسَيفٌ يُستَضــاءُ بِهِ .. مُهَنَّـدٌ مِن سُيوفِ اللَهِ مَسلولُ

في عُصبَةٍ مِن قُرَيشٍ قالَ قائِلُهُم .. بِبَطنِ مَكَّةَ لَمّا أَسَلَموا زولوا

زَالوا فَمـــا زالَ أَنكـــاسٌ وَلا كُشُـفٌ .. عِندَ اللِقاءِ وَلا ميلٌ مَعازيلُ

مكانة قصيدة كعب بن زهير بانت سعاد:-

لما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه القصيدة أهدى كعب بردته، وبذلك فقد كسا النبي كعب حلة مجد لا تبالى، ولذلك سميت قصيدته بالبردة.

ويقال: إن هذه البردة اشتراها معاوية من أبناء كعب بن زهير بعشرين ألف درهم، وصار الخلفاء الأمويون يلبسونها في الأعياد والمناسبات، وقيل بيعت للسفاح.

مكانة قصيدة بانت سعاد الأدبية:-

1- لقد كانت هذه البردة أنموذجًا أدبيًا رائعًا، وكانت مثلًا أعلى للشعراء، فكثر معارضوها ومخمسوها، وترجمت للغات أجنبية كثيرة.

ومن أشهر معارضي البردة: البوصيري محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي، المتوفى 1294 هجريًا، الذي نظم نهج البردة، كما عارضها أمير الشعراء أحمد شوقي ومحمود سامي البارودي وغيرهم.

2- تعد بردة كعب بن زهير تحفة فنية خالدة، وقد حظيت بشهرة كبيرة في مختلف العصور، لدرجة أنها طغت على باقي شعر كعب، وكأنه لم يقل غيرها.

3- لا شك أن بردة كعب بن زهير آية في البلاغة، فهي مليئة بالتشبيهات والصور الجميلة، ومن أروع ما فيها حسن التخلص، فنجد أنهُ ينتقل بين الغزل ووصف الناقة بمنتهى الروعة، حيث يقول:

أَمسَـت سُعــــادُ بِـأَرضٍ لا يُبَلِّغُهــــا … إِلّا العِتاقُ النَجيباتُ المَراسيلُ

وَلَـن يُبَلِّغهــا إِلّا عُذافِــــرَةٌ فيهـــا … عَلــى الأَينِ إِرقالٌ وَتَبغيلُ

4- الحكم في قصيدة بانت سعاد، ومنها قوله:

كُلُ اِبنِ أُنثى وَإِن طالَت سَلامَتُهُ ..

يَوماً عَلى آلَةٍ حَدباءَ مَحمولُ

5- إن مكانة بردة كعب بن زهير جعلت المؤلفات تؤلف حولها، ومن أهم تلك المؤلفات شرح بانت سعاد، تأليف عبد الله بن هشام الأنصاري النحوي، المتوفى سنة 761 هجريًا.

قصيدة كعب في مدح الأنصار:-

يقال: إن كعب بن زهير قد عرض بالأنصار في أكثر من موضع في البردة، فقد ذكر مواعيد عرقوب، وعرقوب رجل من الأوس، حيث شبه مواعيد سعاد بمواعيد عرقوب قائلًا:

كَانَت مَواعيدُ عُرقوبٍ لَها مَثَلاً ..

وَما مَواعيدُها إِلّا الأَباطيلُ

 وقد يُجاب عن هذا بأن عرقوب رجل اشتهر في خلف الوعد، وذكر في أشعار الكثيرين، ربما لم يوفق كعب في اختياره.

ويقال إنه قصد التعريض بالأنصار في هذا البيت:

يَمشون مَشيَ الجِمالِ الزُهرِ يَعصِمُهُم ..

ضَربٌ إِذا عَرَّدَ السودُ التَنابيلُ

وذلك بسبب غلظة الأنصار، فقال له المهاجرون ما مدحتنا إذا هجوت الأنصار فقال قصيدة يمدحهم:

مَن سَّــرهُ كَـــرُمُ الحَيـــــاةِ فَلا يَــزَل .. فـــي مِقنَبٍ مِن صالِحي الأَنصارِ

وَالبــاذِليــنَ نُفوسَـهُــم لِنَبِّيِهِــم .. يَــــومَ الهِياجِ وَقُبَةِ الجَبّـارِ

دَرِبوا كَمــــا دَرِبت أُســـودٌ خَفِيَّـــةٌ .. غُلـبُ الرِقابِ مِنَ الأُسودِ ضَواري

كعب بعد الإسلام:-

أسلم كعب وحسن إسلامه، ولمسنا ذلك واضحًا في شعره، حيث أصبح ينشر تعاليم الإسلام في شعره، وينظمه في الحكم والمواعظ، ويؤمن بأن الأرزاق بيد الله وحده، ومن شعره في المواعظ:

أَعلَـمُ أَنّي مَتى مـــا يَأتِنــي قَـدَري … فَلَيـسَ يَحبِسُهُ شُحٌّ وَلا شَفَقُ

بَينا الفَتــى مُعجَبٌ بِالعَيشِ مُغتَبِـطٌ … إِذا الفَتى لِلمَنايا مُسلَمٌ غَلِقُ

وَالمَرءُ وَالمـــالُ يَنمي ثُم يُذهِبُــهُ … مَــرُّ الدُهورِ ويُفنيهِ فيَنسَحِقُ

إِن يَفنَ مـــا عِندَنــا فَاللَهُ يَرزُقُنـــا … وَمَـن سِوانا وَلَسنا نَحنُ نَرتَزِقُ

وخلاصة القول إن كعب بن زهير من كبار الشعراء المخضرمين، وقد وجدنا أن شعره في الجاهلية به ألفاظ صعبة وأنه في الإسلام صار ينساب عذوبة ورقة، كما أن الإسلام هذب ألفاظ كعب، فقد هذّب أغراضه، فلم يكتب في الهجاء.

المراجع والمصادر:-

1- كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، الجزء 17 ص 87: 97، دار الفكر بيروت، طبعة ثالثة.
2- تاريخ الأدب العصر الإسلامي، للدكتور شوقي ضيف، ص 83: 88، دار المعارف بمصر، الطبعة السابعة.
3-ديوان كعب ، ص 5:7 ، دار الكتب العلمية، 1997م.

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى