نوادر العرب

كرم حاتم الطائي يتسبب في زواجه وطلاقه من ماوية

صاحت به:" هذا الذي طلقتك بسببه! تترك أبناءنا يموتون جوعًا"

توطئة:-

كان حاتم الطائي من أجواد العرب ومن ألمع شعراء الجاهلية، وله الكثير من النوادر والأخبار التي تتحدث عن كرمه، ولكن من أعجبها قصته تلك التي حصلت مع ماوية بنت حجر، فقد تزوجها بسبب كرمه، وطلقته بسبب كرمه أيضاً!.

زواج حاتم من ماوية بنت عفزر.1

كانت ماوية امرأة من علية القوم كريمة الأصل ثرية، ويقال إنها كانت ملكة تتزوج من تشاء، وتختار الزوج الذي تريد.

وكان يرغب بزواجها ثلاثة من ذوي الشأن وكانوا حميعًا شعراء وهم الشاعر النبيني والنابغة الذبياني وحاتم الطائي، ولما ذهب حاتم ليخطبها وجد عندها النابغة والنبيني، فطلبت منهم أن يعودوا إلى رحالهم، وأن يكتب كل منهم شعرًا يوضح فيه منصبه وفعاله وخصاله، وأنها ستتزوج بالأكرم والأشعر.

فلما انصرفوا نحر كل منهم جزورًا، وتنكرت ماوية في هيئة جارية واستطعمت النبيني فأعطاها ثيل جمله، ولما سألت النابغة أعطاها الذيل، أما حاتم الطائي فقد طلب منها أن تنتظره قليلًا حتى يعطيها ما ينفعها، ثم أعطاها جزءًا من السنام والعجز ومثلها من المخدش.

تاريخ حاتم الطائي

فلما أتوها طلبت منهم أن يقولوا الشعر الذي كتبوه.

وبعد أن انتهوا أمرت بإحضار الغداء، وكانت طلبت من جواريها أن يقدموا لكل شخص ما أطعمها به.

فلما رأى النبيني والنابغة ذلك أنكست رأسيهما، ثم لما رأى حاتم ذلك قدم لهما طعامه، فخجلا وتسللا خارجين.

وقالت ماوية لحاتم الطائي أنه أكرمهم وأشجعهم لذلك فإنها ستتزوجه، وطلبت منه أن يخلي سبيل امرأته، ولكنه أبى.. ولما توفيت امرأته تزوجها وولدت له عديًا.

طلاق حاتم الطائي من ماوية بسبب كرمه.2

بالرغم من أن ماوية تزوجت حاتمًا بسبب كرمه إلا أنها ضاقت بكرمه ذرعًا، وأصبحت تلومه عليه وعلى أنه ينفق كل ما يملك ولا يبقي لها ولأولادها شيئًا، وأنه مهما كان معه من مال أتلفه، لكن حاتمًا كان يرى أن كل يوم يأتي برزقه، وأنه وإن كان يتلف المال فهو يبقي المكرمة والذكر الحسن.

فما زالت كذلك حتى أتى ابن عم حاتم الطائي وظل يقول لها أن حاتمًا مهما كان معه فإنه منفقه، وأنه سيترك عياله يموتون جوعًا، وأنه لا يدخر شيئًا للمستقبل وأنها يجب أن تُطلق حاتمًا.

وكانت بعض النسوة في الجاهلية يطلقن أزواجهن، وذلك عن طريق تحويل مكان باب الخباء -أي الخيمة – فإن كان الباب في الشرق جعلته في الغرب، وإن كان ناحية الشام جعلته ناحية اليمن..

فعندما يرى الرجل ذلك يعرف أن المرأة طلقته فلا يأتها.

ففعلت ماوية ذلك بعد أن وعدها ابن عمه أنه خير لها من حاتم الطائي وأنه سيتزوجها ويحافظ على عيالها وأنه رجل غني، ويبقي مالًا معه للغد، ليس كحاتم ينفق كل ما معه.

ولما رأى حاتم ما فعلت، قال لابنه عديًا :”أرأيت ما فعلت أمك”، ولكنه كان صغيرًا فلم يفهم إلا أنها غيرت مكان باب الخيمة.

فأخذه حاتم ونزل به في مكان آخر.

حاتم الطائي

العادات الأصيلة لا تفارق أصحابها:-

ومرت الأيام وجاءت بعض أضياف حاتم الطائي الذين لم يعرفوا أنه ترك الخباء وذهب لمكان آخر، فلما رأتهم ماوية وكانوا نحو خمسين، ولم يكن لديها ما تقريهم3 به، أمرت جاريتها أن تذهب لزوجها الجديد، وتخبره أن أضيافًا لحاتم قد أتوا وأن ينحر لهم حتى يأكلوا ويرسل لهم لبنًا ليشربوا.

ولأنها كانت امرأة ذكية؛ فقد قالت للجارية أن تنظر إلى لحيته ورأسه، فإن ضرب على لحيته أو رأسه فعليها أن تعود ولا تكلمه.

فلما ذهبت الجارية وأخبرت ضرب على لحيته، وقال لها:” ليس عندي شيء”، وأنه ليس مستعدًا أن يُهلك ماله من أجل إكرامهم، ولهذا السبب طلقت حاتمًا!

فلما عادت الجارية وأخبرتها الخبر، طلبت منها أن تذهب لحاتم وتخبره، فلما ذهبت الجارية لحاتم استقبلها استقبالًا جيدًا، ولما علم بالأمر؛ أرسل لهم لبنًا ونحر لهم..

فصاحت به ماوية :” هذا الذي طلقتك بسببه! تترك أبناءنا يموتون جوعًا”.

أسرة بدوية في نهاية القرن التاسع عشر – مكتبة الكونغرس

فقال لها :” الذي خلقهم كفيل برزقهم”. ثم أنشد يقول:

هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد.. كذلك الزمان بيننا يتردد

الذكر الحسن:-

وإن كان حاتم الطائي قد أنفق ماله في إكرام الناس، فإنه ترك لأبنائه ما هو خير منه، ترك لهم الذكر الحسن، وأن كل الأحياء العرب تعرف فضلهم، ويكفي أن الرسول الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم- عندما ذكرت له سفانة صفات أبيها وكانت أسيرة عنده، أمر بإطلاق سراحها لأن والدها كان يدعو لمكارم الأخلاق، وفيها قال :”أكرموا عزيز قوم ذل، وغنيًا افتقر”4.

المصادر:

1- ديوان حاتم الطائي، ص 8،9 وكذلك ص 13، 14 دار صادر 1981.

2- السابق ص 19:21، وانظر قصص العرب لإبراهيم شمس الدين ص 268، 269 الجزء الأول، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.

3- القرى هو الطعام الذي يُعطى للضيف، انظر لسان العرب مادة قري.

4- قصص العرب ص 267.

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى