معلومات تاريخية

كتاب أمانٍ أهدر حياة ابن المقفع في ريعان شبابه

دخل على مقر إقامة سفيان في البصرة، لكنه لم يخرج منه أبداً

لقد اُختلف كثيرًا في السبب الحقيقي وراء قتل الأديب ابن المقفع ،ولكن رواة الأخبار يكادون يجمعون على أن من أهم أسباب تلك النهاية المأساوية لحياة الحكيم الشاب؛ كتاب كتبه للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، فما قصة هذا الكتاب الذي أودى بحياة شخصية لا تزال البشرية تنهل من معين آدابها؟

خروج عبد الله بن علي على الخليفة المنصور:.

كان عبد الله بن علي عم المنصور (714-775 م) واليًا على الشام، فخرج عليه، فأرسل الخليفة إليه جيشًا بقيادة أبي مسلم الخراساني (718-754 م)، فهزمه، فخشي عبد الله على حياته، ففر إلى أخويه في البصرة، وهما عيسى وسليمان.

وطلب المنصور منهما أن يسلماه عبد الله، فرفضا خوفًا على حياته، إلا إذا منحهم الأمان بأنه لن ينال من شقيقهم، فوافق المنصور على استرحامهما.

دخول ابن المقفع في الأزمة:.

ثم طلبا من كاتب عيسى، وهنا الحديث يدور حول عبد الله بن المقفع (724 -759 م) أن يخط بيده كتاب الأمان وأن يشدد فيه على الخليفة في بغداد أن يصون العهد الذي قطعه على نفسه.

منطقة الهندية الواقعة قرب بغداد في العام 1932 م
منطقة الهندية الواقعة قرب بغداد في العام 1932 م – مكتبة الكونغرس

فكتب ابن المقفع الكتاب وهو لا يعلم بأنه يحفر قبره بيده، ومما ما كتب في ذلك الأمان المشؤوم: ” ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله بن علي، فنساؤه طوالق، ودوابُّه حُبس، وعبيده أحرار، والمسلمون في حل من بيعته.” !!

وطُلِب منه (ابن المقفع) أن يذيَل كتاب الأمان بتوقيع من خط يده وفيه:”وإن أنا نلتُ عبد الله بن علي أو أحدًا من أقدمه معه بصغير من المكروه أو كبير، أو أوصلتُ إلى أحد منهم ضررًا سراً أو علانية، على الوجوه والأسباب كلها، تصريحًا أو كناية أو بحيلة من الحيل، فأنا نفيٌ من محمد بن علي ابن عبد الله، ومولود لغير رشدة، وقد حلَّ لجميع أمة محمد خلعي والبراءة مني، ولا بيعة لي في رقاب المسلمين ولا عهد ولا ذمة، وقد وجب عليهم الخروج من طاعتي وإعانة من ناوأني من جميع الخلق، ولا موالاة بيني وبين أحد من المسلمين…. “.

غضب المنصور على صاحب الكتاب:.

لقد أغضب هذا الأمان الخليفة بشدة، واستعظمه وبخاصة أمر البيعة، ثم سأل عن كاتبه، فقيل له: إنه كاتب عيسى، أي عبد الله ابن المقفع، فأمر سفيان بن معاوية المهلبي والي البصرة بقتله؛ ثأرًا لكرامته.

الكتاب لم يرق للخليفة المنصور الذي تعهد بالنيل من صاحبه

ولسوء حظ الأديب الشاب؛ فقد كان سفيان يُكِنُ لابن المقفع الكره الشديد، ذلك لأن الثاني كان كثير التندر على الوالي.

وفي هذا الصدد؛ يروى أن سفيان قال :”ما ندمت على سكوتي قط”، فردَّ عليه ابن المقفع :”الصمتُ زين لك، فكيف تندم عليه؟”، وكان ابن المقفع يسخر من كِبر حجم أنف سفيان، فإذا دخل عليه، قال :”السلام عليكما”.

ولا ندري كيف خانه ذكاءه وحكمته، ليقع فريسة مثل هذه الأخطاء غير المحسوبة التي أودت بحياته!

مقتل ابن المقفع:.

انتظر سفيان مدة بعد وصول كتاب الخليفة الذي يأمره فيه بقتل ابن المقفع، ثم لما دخل الأخير على الوالي، أمر سفيان بقتله، وقيل: بل ألقاه في الحمام فماتَ مختنقًا، وقيل: بل قُطِّعت أطراف وأجزاء جسمه، ووضعت في تنور (فرن).

ومهما تكن طريقة قتله؛ فإن ابن المقفع دخل على مقر إقامة سفيان في البصرة، لكنه لم يخرج أبداً.

الرحالة الإدريسي يصف البصرة
الرحالة الإدريسي يصف البصرة بعد قرون من مقتل ابن المقفع في المدينة العراقية الجنوبية

طلب القصاص من سفيان لمقتل ابن المقفع:.

لم يمر قتله مرور الكرام، فقد أغضب سليمان وعيسى غضبًا شديدًا، وقيدا سفيان وحملاه إلى الخليفة المنصور في بغداد، وأحضرا معهما الشهود على أن ابن المقفع دخل عند سفيان ولم يخرج.

فقال لهم الخليفة :”أرأيتم لو قتلت سفيان بدم ابن المقفع ثم خرج عليكم من هذا الباب، هل أقتلكم جميعًا بدم سفيان؟”، فخافت الشهود، وتراجعت.

وعلم عيسى وسليمان أن ابن مقتل ابن المقفع كان بأمر من الخليفة.

حكم ابن المقفع

هل اتهام ابن المقفع بالزندقة هو سبب قتله؟

تُرجع بعض الروايات مقتلته لاتهامه بالزندقة، ولكن هذا الرأي ليس صحيحًا، نظرًا لأن ابن المقفع كان يستعمل التُقية فلا يبدي كفره، ولأنه لو ثبت عليه الزندقة لم يقتل هكذا سرًا وبحيلة، ولقتلهُ الخليفة على رؤوس الأشهاد، ولذلك، فالراجح أن هذا الكتاب هو الذي أودى بحياة الأديب الذي لم يعش من حياته سوى 35 عاماً.

وإن كنا لا نرجح قتله بسبب الزندقة؛ فذلك لا ينفي عنه تهمة الزندقة، فقد شهد بها كثيرٌ ممن عاصروه، وقيل: إن له معارضات للقرآن الكريم، وكتب في الزندقة.

صفحة من المجموعة القصصية كليلة ودمنة
صفحة من المجموعة القصصية كليلة ودمنة.. وكأن ابن المقفع كان من خلالها يحاكي نهايته البشعة – متحف الميتروبوليتان، نيويورك

غير أن إثبات هذه التهمة عليه أمرٌ ليس باليسير، وبخاصة وجميع كتبه الموجودة الآن ليس فيها ما يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي.

ومهما يكن؛ فقد كان مقتلته في سنة 142 أو 143 أو 145ه‍‍ عن بضع وثلاثين سنة.

إرث هائل:.

هذا وقد ترك ابن المقفع خلفه ثروة أدبية وفكرية هائلة، جعلت اسمه خالدًا على مر العصور.

فبالإضافة إلى ترجمته لمجموعة “كليلة ودمنة” عن الفارسية؛ فقد ألَّف أيضاً كتاباً شهيرا يُعرف باسم “الأدب الكبير والأدب الصغير”، هذا فضلاً عن مؤلفه الثاني “الدرة اليتيمة”.

إحدى صفحات كتاب "كليلة ودمة" لي ابن المقفع
إحدى صفحات كتاب “كليلة ودمة” – متحف الميتروبوليتان

المصادر:.

تاريخ الأدب العصر العباسي، الدكتور شوقي ضيف، ص 507:511، دار المعارف، الطبعة الطبعة الثامنة.

أدباء في الأعصر العباسية، بطرس البستاني، ص 107، 108، هنداوي، الطبعة الأولى.

Image by Ulrike Leone from Pixabay 
Image by bluebudgie from Pixabay

الوسوم

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق