أعلامانفوجرافيكس

كافور الإخشيدي .. العبد الذي أصبح ملكاً

كان فطناً ذكياً، حسنَ السياسة، له نظر في العربية والأدب والعلم

كافور الإخشيدي – اسمه ونشأته:

كافور بن عبد الله، أبو المسك الإخشيدي ، الأمير المشهور، صاحب المتنبي، كان عبداً فأصبح ملكاً، وقد وُلِدَ سنة 292 هجرية، وأشار فريق ثانِ إلى أن مولده كان سنة 297، بينما رجَّح آخرون ولادته سنة 308 هجرية.

سطوع نجم كافور الإخشيدي :-

 كان كافور الإخشيدي عبداً مصرياً، ثم اشتراه الملك أبو بكر محمد بن طُغْج الإخشيد سنة 312هـ بثمانية عشر ديناراً بمصر من محمود بن وهب بن عباس؛ ولهذا نُسِبَ كافور إليه، فقيل: كافور الإخشيدي.

وبسبب رجاحة عقله وسداد رأيه أعتقه، وقام بترقيته إلى أن جعله مشرفاً على تعليم ولديه، وأصبح من كبار القوَّاد، وجهزه في جيش لحرب سيف الدولة، وشارك في الحملة المصرية على بلاد الشام سنة 333هـ.

الرحالة الإصطخري يصف رحلته للديار المصرية

وصوله إلى الحكم والسلطة:

عندما توفي محمد بن طغج الإخشيد؛ تولى مملكة مصر والشام ولده الأكبر أبو القاسم أنوجور، وقام كافور الإخشيدي بتدبير دولته أحسن قيام إلى أن توفي أنوجور سنة 349هـ، وتولى بعده أخوه أبو الحسن علي، فاستمر كافور على نيابته وحسن إيالته، إلى أن توفي علي سنة 355هـ.

بعد ذلك استقل كافور بالمملكة سنة 355هـ، وأُشِيرَ عليه بإقامة الدعوة لولد أبي الحسن علي بن الإخشيد، لكنه احتج بصغر سِنِّهِ، وصار الحكم بيده، وأصبح لقبه “الأستاذ”.

وكانت أيام حكمه سديدة جميلة، استطاع خلالها أن يحافظ على وجود البيت الإخشيدي في مواجهة الأخطار والاضطرابات التي كانت تعصف به آنذاك، ودُعِيَ له على المنابر، واستمرت ولاية كافور سنتين وثلاثة أشهر إلا سبعة أيام.

صفاته وأخلاقه:

كان كافور يرغب في أهل الخير ويعظمهم، وكان أسود اللون، شديد السواد، وكان فطناً ذكياً، حسنَ السياسة، له نظر في العربية والأدب والعلم.

ألقاب كافور :-

  • احتفظ لنفسِه بلقب “الأستاذ أبو المسك كافور”.
  • عُرِفَ باسم “اللابي” نسبةٍ إلى إقليم اللَّاب الواقع في النُّوبة (بين مصر والسودان).
  • عُرِف بلقب “الليث”، بحسب ما أورده ياقوت الحموي في “معجم البلدان”.

كافوريات المتنبي:

كافوريات المتنبي مجموعة من القصائد التي مدح فيها كافور الإخشيدي ، وكان المتنبي قد فارق سيف الدولة الحمداني، وقصد مصر فمدح كافور الإخشيدي بأحسن المدائح، وطلب منه أن يوليه، فلم يوله كافور، فغضب المتنبي وانصرف يهجوه.

رسم لنيل مصر وأهراماتها وريفها يعود للعام 1890 م – مكتبة الكونغرس

ومما مدح به المتنبي كافور الإخشيدي قصيدته التي قالها سنة 346هـ، والتي وصف فيها الخيل قائلاً:

كفى بِـكَ داءً أنْ تَرَى الموْتَ شَـافِيـاً.. وَحَسْبُ المَنَـايَـا أنْ يَكُـنّ أمـانِيَـا

تَمـَنَّيْتَـهَـا لمَّــا تَمَنّيْـتَ أنْ تَـرَى .. صَـدِيقَــاً فأعيْـا أوْ عَـدُوَّاً مُـدَاجِيَـا

إذا كُـنْتَ تَرضَـى أنْ تَعِيـشَ بِـذِلَّـــةٍ .. فـلا تَسْتَعِدَّنّ الحُسَـامَ اليَمَـانِيَـا

ولا تسـتطيلَــنَّ الرِّمـَـــاحَ لِـغـــــارةٍ .. ولا تَسْتَجيدَنَّ العِـتَاقَ المَـذاكِيـَا

فمَـَا يَنفَـعُ الأُسْـدَ الحَيَـاءُ من الطَّـوَى.. ولا تُتَّقَـى حَتى تكُونَ ضَوَارِيـَا

قَــــوَاصِدَ كَــــافُورٍ تَـــوَارِكَ غَيـرِهِ .. وَمَـنْ قَصَدَ البَحـرَ استقلَّ السَّـوَاقِيَـا

أبَـا المِسْكِ ذا الوَجْـهُ الذي كُنْتُ تَائقـاً.. إِلَـيْهِ وَذَا اليَـوْمُ الذي كُنتُ رَاجِيَـا

ومدحه أيضاً بقصيدته البائية سنة 347هـ، فقال فيه:

وَأَخـــلاقُ كــــافورٍ إِذا شِئتُ مَدحَــهُ .. وَإِن لَم أَشَأ تُملي عَلَيَّ وَأَكتُبُ

إِذا تَــــرَكَ الإِنســــانُ أَهـــلاً وَراءَهُ .. وَيَمَّــمَ كافوراً فَما يَتَغَرَّبُ

يُضاحِكُ في ذا العيدِ كُلٌّ حَبيبَهُ.. حِذائي وَأَبكي مَن أُحِبُّ وَأَندُبُ

أَحِـنُّ إِلى أَهلـي وَأَهــوى لِقـــاءَهُم .. وَأَيـنَ مِنَ المُشتاقِ عَنقاءُ مُغرِبُ

فَإِن لَم يَكُن إِلّا أَبو المِسكِ أَو هُمُ.. فَإِنَّكَ أَحلى في فُؤادي وَأَعذَبُ

وَكُلُّ اِمــرِئٍ يولي الجَميــلَ مُحَبَّبٌ .. وَكُــلُّ مَكانٍ يُنبِتُ العِزَّ طَيِّبُ

ثم عاتبه بقصيدته البائية:

وَفي النَفسِ حاجاتٌ وَفيكَ فَطانَةٌ.. سُكوتي بَيانٌ عِندَها وَخِطابُ

أشعار أبو الطيب المتنبي تحظى بشعبية كبيرة إلى يومنا هذا
أبو الطيب المتنبي

هجا كافوراً بنفسٍ عُنصُريٍّ وقد نظر إلى شقوق في رجليه:

أُرِيكَ الرِّضَى لوْ أخفَـتِ النَّفسُ خافِيا.. وَمَـا أنَـا عنْ نَفسِـي وَلا عنـكَ رَاضِيَـاً

أمَـيْنـاً وَإخْـلافَـاً وَغَـدْراً وَخِـسَّـةً.. وَجُبْنَـاً، أشَـخصَـاً لُحـتَ لي أمْ مخازِيَـا

تَـظُنُّ ابتِسَـاماتي رَجَـــاءً وَغِبْـطَـةً .. وَمَــا أنَـا إلَّا ضَـاحِكٌ مِـنْ رَجَـائِيَـا

وتُعجِـبُني رِجْـلاكَ في النَّعْـلِ، إنَّنـي.. رَأيتُـكَ ذا نَعْـلٍ إذا كُنتَ حـافِيَا

وإِنَّـكَ لا تَـدْري ألَــونُـكَ أسْـــوَدٌ.. مِــنَ الجهـلِ أمْ قد صـارَ أبيضَ صـافِيَـا

وَيُذْكِـرُني تَـخيِيطُ كَـعبِـكَ شَـقَّـهُ.. وَمَشـيَـكَ في ثَـوْبٍ منَ الزَّيـتِ عـارِيَـا

وأقام المتنبي بعد إنشاده هذه القصيدة بمصر فترة لا يلقى كافوراً؛ غضباً عليه، واستعد للرحيل في الباطن، وجهز جميع ما يحتاج إليه، وقال في يوم عرفة سنة 350هـ قبل مفارقته مصر بيوم واحد قصيدته الدالية التي هجا كافوراً فيها، فقال:

مَن عَلَّمَ الأَسوَدَ المَخصِيَّ مَكرُمَةً.. أَقَومُهُ البيضُ أَم آبائُهُ الصيدُ

أَم أُذنُــهُ فــي يَـدِ النَخّــــاسِ دامِيَــــةً .. أَم قَدرُهُ وَهوَ بِالفَلسَينِ مَردودُ

وَذاكَ أَنَّ الفُحــولَ البيضَ عــاجِــزَةٌ .. عَنِ الجَميلِ فَكَيفَ الخِصيَةُ السودُ

ما قيل فيه:

  • مدح كافور الإخشيدي الكثير من الشعراء؛ كالمتنبي وغيره، ولما كثرت الزلازل بمصر في أيام كافور أنشده محمد بن عاصم قصيدة يقول فيها:

ما زُلْزِلَتْ مصـرُ مِنْ سُوءٍ يُرادُ بها..

لكنَّهــا رقصَتْ مِنْ عدلِهِ فرحــا

فأمر له كافور بألف دينار.

  • قال أبو المحاسن: كان كافور يداوم الجلوس صباحاً ومساءً لقضاء حوائج النَّاس، وكان يتهجَّد ويُمرِّغ وجهه ساجداً ويقول: اللهم لا تسلِّط عليَّ مخلوقاً.
  • قال عنه الذَّهبي: “كان خبيراً بالسِّياسة فطِناً ذكياً جيد العقل داهية، كان يهادي المعز صاحب المغرب ويظهر ميله إليه، وكذا يُذعن بالطَّاعة ابني العباس، ويداري، ويخدع هؤلاء وهؤلاء، وتمَّ له الأمر”.

آثاره وإنجازاته:

  • استطاع الحفاظ على تماسك ووحدة كيان الدولة ضد المتربصين بها شرقاً وغرباً، خصوصاً في الفترة التي أعقبت وفاة محمد بن طغج.
  • قصى على ثورة والي الأشمونيين، وذلك بعد أن خرج الأخير عن طاعة المركز وتمكن من دخول الفسطاط مستولياً على دار الإمارة، ليخرج كافور خلفه وصولاً إلى الشرقية، في عام حافل بالإضطرابات.
  • عمل على القضاء على الفتنة التي ثارت في مدينة دمشق بُغية نهب خزائن الإخشيد.
  • رعايته الأدباء والكُتَّاب، وأشهر هؤلاء الشاعر الكبير المتنبي الذي خلَّد اسم الحاكم “الأسود” في عدد من قصائده التي نظمها ما بين مدح وقدح فيه.
  • كفاءته في استعمال الأكفاء؛ أمثال يَعْقُوْبَ بنَ كلِّسَ اليهودي الثري.
  • إنشاء عدد كبير من القصور الفخمة الرائعة.
  • تشييده الجامعين الكبيرين في الجيزة والمقطم.
  • إقامته البيمارستان وزرعه البساتين التي عرفت بالكافورية في العاصمة.
  • يعد كافور الإخشيدي مثالاً رائعاً للرجل العصامي الذي بنى نفسه بنفسه.

وفاته:

توفي كافور الإخشيدي بمصر، يوم الثلاثاء، 20 جمادى الأولى، سنة 355هـ، ودُفِنَ بالقرافة الصغرى، وقبته مشهورة هناك، وقيل: حُمل تابوته إلى القدس فدفن فيها.

ووقع الخلاف فيمن يُنَصَّب للأمر بعده، إلى أن تقرر الأمر وتراضت الجماعة بولد أبي الحسن علي بن الإخشيد، لكن الفاطميين سيطروا على مقاليد الحكم بعد وفاة كافور بعام واحد فقط.

من غير المؤكد إن كان جثمان كافور بقي في مصر أم نقل إلى القدس

تعرف أيضاً على المكتبة الظاهرية .. الأقدم من نوعها في بلاد الشام

المصادر:

  • الأعلام للزركلي (5/216).
  • أيام المحروسة، أشرف صالح محمد.
  • موجز دائرة المعارف الإسلامية (27/ 8500).
  • الوافي بالوفيات (24/231/رقم 3).
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/99/545).
  • ديوان المتنبي، دار بيروت للطباعة.

https://www.freepik.com/free-vector/flat-night-landscape-with-egyptian-pyramids-caravan-camels_2730928.htm#page=3&query=camel&position=48

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى