أعلام

قيس بن الملوح .. شاعر الغزل المتيم

لم يكن مجنوناً وإنما لقب بذلك لهيامه في حب ليلى بنت مهدي العامرية

قيس بن الملوح:-

قيس بن الملوح بن مزاحم العامري « مجنون ليلى »، شاعر غزل من المتيمين، من أهل نجد، وقد أنكر قوم وجوده قائلين: هو كالعنقاء، وهذا غلط؛ فإنَّ اشتهار عشقه لليلى أشهر من أن يخفى، وأثبته علماء السِّيَر.

مكانته الشعرية:-

لم يكن قيس بن الملوح مجنوناً وإنما لقب بذلك لهيامه في حب ليلى بنت مهدي العامرية، وكانت من أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن جسماً وعقلاً وأدباً وشكلاً، وكان قد نشأ معها إلى أن كبرت وحجبها أبوها، فهام على وجهه ينشد الأشعار ويأنس بالوحوش، فيُرَى حيناً في الشام وحيناً في نجد وحيناً في الحجاز، إلى أن وُجِدَ ملقى بين أحجار وهو ميت فحُمِلَ إلى أهله، وقد جُمِعَ بعضاً من شعر قيس بن الملوح في ديوان.

كان يرعى هو وليلى البَهْمَ في الصغر، فكان مما يقوله في ليلى:

تَعَلَّقْــتُ لَيْلَى وَهْــيَ ذَاتُ ذُؤَابَـــةٍ ..

وَلَمْ يَبْـدُ لِلأَتْرَابِ مِـنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ

صَغِيْرَيْنِ نَرْعَى البَهْمَ، يَا لَيْتَ أَنَّنَا ..

إِلَى اليَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ وَلَمْ تَكْبَرِ البَهْمُ

شعر قيس بن الملوح الملحمي الذي نظمه لوصف حبه الشديد لابنة عمه ليلى العامرية
شعر قيس بن الملوح الملحمي الذي نظمه لوصف حبه الشديد لابنة عمه ليلى العامرية

وقد بادلته ليلى العامرية هذا الحب، فعلق بقلبها، وجزعت لفراقه وضنيت، وجُنَّ بها حباً، فقال قيس بن الملوح فيها:

أَظُــنُّ هَــوَاهَـا تَارِكِـي بِمَضَـلَّــةٍ ..

مِـنَ الأَرْضِ لاَ مَــالٌ لَدَيَّ وَلاَ أَهْـلُ

وَلاَ أَحَـدٌ أَقْضِـي إِلَيْــهِ وَصِيَّتِــي ..

وَلاَ وَارِثٌ إِلاَّ المَــطِــــيَّةُ وَالـرَّحْــلُ

مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الأُلَى كُنَّ قَبْلَهَـــا ..

وَحَلَّتْ مَكَاناً لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِنْ قَبْلُ

فَاشْتَدَّ شَغَفُهُ بِهَا حَتَّى وُسْوِسَ، وَتُخُبِّلَ فِي عَقْلِهِ، فَقَالَ ابن المُلَوِّح:

إِنِّي لأَجْلِـسُ فِـي النَّـادِي أُحَـدِّثُهُـمْ ..

فَأَسْتَفِــيْقُ وَقَــدْ غَـالَتْنِـيَ الغُـوْلُ

يُهْوِي بِقَلْبِي حَدِيْثُ النَّفْسِ نَحْوَكُمُ ..

حَتَّى يَقُوْلَ جَلِيْسِي: أَنْتَ مَخْبُوْلُ

ساح مجنون ليلى في الأرض مضطرباً كما نقل الرواة
ساح مجنون ليلى في الأرض مضطرباً كما نقل الرواة

الروايات حول قصة قيس وليلى:-

لقد شهد حي بني عامر الواقع في بوادي الحجاز، صراع المجنون قيس بن الملوح العنيف مع تلك العاطفة المشبوبة التي ملأت عليه قلبه وحسَّه، واستغرقت أيامه ولياليه، إذ تفتَّح عليها قلبه وهو حدثٌ صبي، ثم ما انفكت تشب معه وتتضح في أحاسيسه يوماً تلو الآخر، لتستنفذ عمره عاماً بعد آخر، ليقضي حياته هيام وغربة، وفي حرمان ولَوعة (محقق ديوانه الشعري).

  • روايات تفيد بأنهما تعارفا صبيين حينما كانا يذهبان لرعي الماشية عند جبل الثوبان، ثم واصلا كذلك حتى نمت عواطفهما الطاهرة وترعرت مع مرور الوقت.
  • روايات أخرى تصب باتجاه يقول: إن قيساً مرَّ يوماً بفتيات، فسلًّم عليهن، فبادلهن السَّلام ودعونه لتجاذُب أطراف الحديث، فَنَزَلَ عن دابته وعقرها لهُن وأطعمهن وأجرى حديثه معهن.
    وفي مساء اليوم ذاته، أقبل فتى آخر فشُغِلن به عن قيس الذي أغضبه ذلك، وقال شعراً في هذا الموقف؛ فلما أصبح قيس ابن الملوح تعرض لهن، فلم يجدهُن ولكنه عثر على ليلى وحيدة، فدعته للحديث فاستجاب وصنع لها مثل ما فعل لصديقاتها بالأمس، فأظهرت في البداية إعراضها عنه، فأصابه بسبب ذلك غمٌّ وهمٌ شديدين، فما كان منها إلَّا أن رفقت بمشاعره، وأعلنت صراحة عن حبها له عَبر شعرٍ نَظَمته، ما إن سمعه؛ حتى خرَّ مغشياً عليه.
  • روايات ثالثة، تميل إلى تصوير قيس بن الملوح بصورة حيوانية، شديد الوَلعِ بالنِّساء، وأنَ ليلى كانت من أجمل نساء حيِّها، وإن رفيقاتها كُنَ يقصِدنها ويجلِسن إليها ويتسامرن معها، فَعَلِم قيس بالخبر، فسعى إليها، وضم نفسه إلى مجلسها، فبدأت علاقتهما.

نوادره:-

جلس قيس بن الملوح ذات مرة إلى ليلى وتحدث بين يديها، فوقعت بقلبه، فظل يومه ذلك يحدثها وتحدثه حتى أمسى، فانصرف إلى أهله بأطول ليلة حتى إذا أصبح مضى إليها فلم يزل عندها حتى أمسى ثم انصرف، فبات بأطول من ليلته الأولى، وجهد أن يغمض فلم يقدر على ذلك، فأنشأ يقول:

نَهـاري نَهارُ النَّاسِ حَتَّى إِذا بَـدا ..

لِيَ اللَّيلُ هَزَّتني إِلَيكِ المَضاجِعُ

أُقَضِّي نَهاري بِالحَديثِ وَبِالْمُنى ..

وَيَجمَعُني وَالهَمَّ بِاللَّيـلِ جـامِعُ

لَقَد ثَبَتَتْ في القَلبِ مِنْكِ مَحَبَّةٌ ..

كَما ثَبَتَت في الرَّاحَتَينِ الأَصابِعُ

فوقع في قلبها مثل الذي وقع في قلبه لها، فجاء يوما يحدثها، فجعلت تعرض عنه وتقبل على غيره، تريد أن تمتحنه وتعلم ما لها في قلبه، فلما رأى ابن الملوح ذلك منها اشتد عليه وجزع، فلما خافت عليه أقبلت عليه وقالت:

كِـلاَنـا مُظْـهِــرٌ للنَّــاسِ بُغْــضـاً ..

وكُـلٌّ عِــنْدَ صَـاحِــبِهِ مَكِــينُ

فسرى مجنون ليلى عنه، وقالت: إنما أردت أن أمتحنك، والذي لك عندي أكثر من الّذي لي عندك، وأنا معطية الله عهداً إن أنا جالست بعد يومي هذا رجلاً سواك حتى أذوق الموت إلا أن أُكْرِه على ذلك، فانصرف وهو أسر الناس، فأنشأ يقول:

أَظُــنُّ هَـواهــا تـارِكــي بِمَضَـلَّــةٍ ..

مِـنَ الأَرضِ لا مــالٌ لَدَيَّ وَلا أَهـلُ

وَلا أَحَــدٌ أُفـضــي إِلَــيهِ وَصيَّتـي ..

وَلا صـاحِـبٌ إِلّا المَطــيَّةُ وَالرَحـلُ

مَحـا حُبُّها حُبَّ الأُلى كُـنَّ قَبلَها ..

وَحَلَّت مَكاناً لَم يَكُن حُلَّ مِن قَبلُ

فَحُبّي لَها حُبٌّ تَمَكَّنَ في الحَشا ..

فَـما إِن أَرى حُـبّاً يَكــونُ لَــهُ مِــثلُ

وقد شكاه قوم ليلى العامرية إلى السلطان فأهدر دمه، فقال: الموت أروح لي، فعلموا أنه لا يزال يحبها ويطلبها، فرحلوا، فجاء فأشرف فرأى ديارهم خالية، فقصد منزل ليلى فألصق صدره به وجعل يمرغ خديه على ترابه، ويقول:

أَيَا حَرَجَـاتِ الحَيِّ حَيْثُ تَحَمَّلُوْا ..

بِـذِي سَلَـمٍ لاَ جَـادَكُـنَّ رَبِيْـعُ

وَخَيْـمَاتُكِ اللاَّتِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى ..

بَلِــيْنَ بِلَـىً لَـمْ تَبْلَهُــنَّ رُبُـوْعُ

أَلا هَــل إِلـى لَيلى قُـبَيلَ مَنِيَّتــي ..

سَبيلٌ وَهَل لِلنَّاجِعينِ رُجوعُ

نَدِمـتُ عَلى مـا كـانَ مِنِّي نَدامَـةً ..

كَما نَدِمَ الْمُغبونَ حـينَ يَبيعُ

لَعَمرُكَ ما شَيءٌ سَمِعْتُ بِذِكـرِهِ ..

كَـبَينِـكِ يَأتـي بُـغــتَةً فَــيَروعُ

عَدَمتِكِ مِن نَفسٍ شَعاعاً فَإِنَّني ..

نَهَـيتُكِ عَن هَذا وَأَنتِ جَمـيعُ

فغشي عليه بعد رحيلهم، فأقبل فتيان الحي فمسحوا وجهه وأسندوه إلى صدورهم، وسألوا ليلى أن تقف له، فقالت: لا يجوز أن أفتضح، ولكن يا فلانة- لأمة لها- اذهبي إليه وقولي له: ليلى تقرأ عليك السلام، وتقول لك أعزز علي بما أنت فيه، ولو وجدت سبيلاً إلى شفاء دائك لوقيتك بنفسي، فمضت فأخبرته، فقال قيس بن الملوح: أبلغيها السلام وقولي لها: إن دائي ودوائي أنت، وقد وكلت بي شقاءً طويلاً، وبكى.

ما قيل فيه:-

  • كان الأصمعي يُنْكِر وجوده، ويراه اسماً بلا مسمى.
  • قال الجاحظ: “ما ترك الناس شعراً، مجهول القائل، فيه ذكر ليلى إلا نسبوه إلى المجنون”.
  • قال ابن الكلبي: “حُدِّثْت أن حديث المجنون وشعره وضعه فتى من بني أمية كان يهوى ابنة عمٍّ له”.
  • قال الذهبي: ” قتله الحب في ليلى بنت مهدي العامرية”.
  • قال أبو عبيدة: “تزايد الأمر به حتى فقد عقله، فكان لا يقر في موضع، ولا يأويه رحل ولا يعلوه ثوب إلا مزقه، وصار لا يفهم شيئاً مما يكلم به إلا أن تُذْكَر له ليلى، فإذا ذُكِرَت أتى بالبداية، فيرجع عقله”.

قيس بن الملوح – نهاية مسيرة:-

لقد مات قيس بن الملوح « مجنون ليلى » سنة 68 هجرية، وحيداً شريداً في وادٍ منعزلٍ كسير الفؤاد، لا تدمع له عين ولا يخفق مع أجله قلب، وظل جثمانه بالعراء حتى اهتدى إليه ذووه ليحملوه إلى مثواه الأخير، وهو الذي لم يُشفَ قلبه من ذلك الحب النقي الطاهر الذي عاش من أجله، ومات في سبيله.


المصادر:

  • ديوان قيس بن الملوح، دراسة وتعليق يسري عبد الغني.
  • الأعلام (5/208).
  • سير أعلام النبلاء (4/5/رقم 1).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/324).
  • الشعر والشعراء (2/549/رقم 101).
  • المنتظم في تاريخ الأمم والملوك (6/101/رقم 448).
  • الوافي بالوفيات (24/223).
  • Photo by Wolfgang Hasselmann on UnsplashCopy
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق