آثار

قلعة شقيف الصامدة على مدار العصور

تتألف القلعة من عدة طوابق يتميز كل طابق بأنه بُني في حضارة معينة

توطئة:-

قلعة شقيف – لكل قلعةٍ تاريخٌ فريد وماضٍ عريق تغرق في تفاصيله وحكاياته، ولكن ماذا عن قلعةٍ مضى على بنائها مئات الأعوام وما زالت صامدةً رغم ما صادفته من خطوب المواجهات العسكرية القديمة وحتى أمام ضربات الإحتلال الإسرائيلي في العصر الحديث.

هذه القلعة التي قاومت وصمدت فكان لها نصيبٌ من ضربات الزمن الحديث، فما قصتها ومتى نشأت؟! سنتعرف أكثر على قلعة شقيف في لبنان في هذه المقالة.

متى بٌنيت قلعة شقيف؟

تُسمى أيضاً بقلعة بوفور في المراجع التاريخية وتعني (الحصن الجميل)، كما أُطلق عليها اسم شقيف أرنون من قبل أحد الرحالة العرب بسبب قربها من بلدة أرنون، وقد بُنيت القلعة في القرن الحادي عشر الميلادي من قبل الصليبيين، وتم ترميمها من قبل الأمير فخر الدين المعني الثاني ليتم استخدامها كحصنٍ عسكري، فمرت بالعديد من الحضارات منذ نشأتها من الحضارة اليونانية والرومانية، والعربية حتى الاحتلال الصليبي، لتصل إلى عصرنا هذا وتكون مركزاً للمقاومة الفلسطينية قبل سنة 1982م.

قلعة شقيف عند الحموي وأبي الفداء: –

تحدَّث الجغرافي والرحَّالة الشهير ياقوت الحموي عن هذا الموضع وذلك في كتابه الموسوعي المعروف بـ”معجم البلدان”.

وقال الحموي في هذا الصدد: ” شقيفُ أرنونَ، بفتح أوله، وكسر ثانيه، ثم ياء مثناة من تحت، و فاء ، وبعد الراء الساكنة نون ثم واو ساكنة، ونون أخرى”.

وزاد الحموي المتوفى عام 1229 م: ” والشقيف كالكهف أُضيف إلى أرنون اسم رجل إما رومي وإما إفرنجي: وهو قلعة حصينة جداً في كهف من الجبل قرب بانياس من أرض دمشق بينها وبين الساحل”.

كما أن أبا الفداء؛ المتوفى سنة 1331 م، تناول الموقع ذاته وذلك في كتابه الشهير “تقويم البلدان”، حيث قال : “شقيف أرنون بين دمشق والساحل، بالقرب من بانياس”.

أبو الفداء صاحب “تقويم البلدان”

وزاد أبو الفداء : ” وأرنون اسم رجل، والشقيف المذكور معقل حصين”.

موقع قلعة شقيف وشكل بنائها:-

تقع قلعة شقيف في الجنوب اللبناني، وهي قريبة من بلدة أرنون الجنوبية والتي تفصل بينها وبين بيروت مسافة 62 كلم، تعتبر ذات موقعٍ استراتيجي جداً حيث تطل على مرتفعات جبل الشيخ في سوريا وعلى فلسطين المحتلة من الشمال.

كما أنها تشرف على سهل مرجعيون من مرتفعها الشاهق وعلى منطقة النبطية ونهر الليطاني.

تتألف القلعة من عدة طوابق يتميز كل طابق بأنه بُني في حضارة معينة بدءاً من الصليبيين حتى العثمانيين، وكانت تتميز بخندقها الذي يمنع وصول الغزاة إليها، حتى أنها كانت تستطيع أن تؤمن الاكتفاء الذاتي بسبب تجميعها لمياه الشتاء على سطحها حيث يمكن أن يستفيد سكانها من المياه طيلة العام.

أبراج القلعة:-

تحيط بالقلعة بعض الأبراج ولها مدخل جنوبيٌ فقط، وهي قلعةٌ ضيقة ومستطيلة الشكل، محميةٌ من أطرافها حيث يتواجد نهر الليطاني من الشرق، ومن الجنوب يقع حوض في الصخر مع اتصال القلعة بذروة الجبل ومدخلها إلى الجنوب الشرقي، وتتم إحاطتها مع الغرب أيضاً بهوة عميقة تم حفرها في الصخر.

قلعة شقيف خلال العام 1898 م – مكتبة الكونغرس

الأضرار التي أصابت قلعة شقيف أثناء الاحتلال الإسرائيلي:-

تم احتلال القلعة من قبل الجيش الإسرائيلي في معركة الشقيف في حرب لبنان عام 1982م، حيث كانت المعركة مع منظمة التحرير الفلسطينية.

وقبل انسحاب الاحتلال قرر الانتقام بتدمير معالم القلعة؛ بغاراتٍ جوية استهدفت جدرانها، وحدث ذلك أيضاً في عدوان تموز يوليو 2006م، ليدمر البرج الرئيسي والجدران الخارجية أثناء سنين الاحتلال، كما تشققت الجدران بسبب وجود الآلات العسكرية داخل القلعة وتحركها بها.

ولكن لعل أكبر تشويهٍ أصاب القلعة؛ كان بالخندق المحيط بتلة شقيف أرنون، حيث تم ردمه بالإسمنت أولاً من قبل الإسرائيليين ومن ثم تم تشييد التحصينات في داخله.

وكان الأمر سيصل إلى ما هو أفظع حيث كان ينوي الجيش تفجير المنشآت داخل الخندق والذي كان سيتسبب بتدمير الموقع لولا تدخل اليونسكو ليتم تغيير طريقة التفجير فانتهى الأمر بزيادة التصدع في الجدران.

إعادة ترميم قلعة شقيف:-

لم تبقَ القلعة على حالها بعد التدمير الذي أصابها، ففي عام 2010م في أواخر شهر أغسطس وُضع حجر الأساس لمشروع ترميم القلعة من خلال منحة من دولة الكويت وساهمت لبنان عن طريق وزارة الثقافة ومجلس الإنماء والإعمار في ذلك، ليتم كشف معالم القلعة وإعادة ترميمها.

قلعة شقيف كما بدت في العام 1898 م – مكتبة الكونغرس

وبالفعل في بداية عام 2015م كانت القلعة قد أعيد ترميمها وإضاءتها وتم الاحتفال لذلك، لتصبح مكاناً سياحياً يقصدها الجميع من حول العالم لرؤية المناظر الخلابة التي تطل عليها وللتعرف على حضارة هذه القلعة التي صمدت ضد العدوان القديم والحديث، مع الحفاظ على التحصينات التي أقامتها إسرائيل المحتلة بها لتبقى شاهداً تاريخياً على ما جنته يداها، وشاهداً على التضحيات التي وقعت في هذه القلعة الصامدة.

اقرأ أيضاً: قلعة جبيل تروي قصة حضارة غارقة في القدم

المصادر:

القلاع أيام الحروب الصليبية.

تقويم البلدان، أبو الفداء.

معجم البلدان، ياقوت الحموي.

www.alaraby.co.uk

https://cdn.loc.gov/service/pnp/matpc/07500/07574v.jpg

amal

أمل.. كاتبةٌ سورية مستقلة، تعمل منذ سنوات في ميدان الكتابة الحصرية في الحقول الأدبية والثقافية والإجتماعية وحتى العلمية منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى