آثارانفوجرافيكس

قلعة تاروت ذات الارتباط التاريخي بالملكة عشتار

يمكن رؤية المعبد القديم عشتار تحت مبنى القلعة بشكلٍ واضح

قلعة تاروت – بالعودة إلى ماضي القلاع؛ نرى أحياناً قلاعاً بُنيت على أنقاض معابدٍ قديمة أو قلاع تعود لعصورٍ أكثر قدماً، بعضها يصل عمرها لفترة تسبق بدء العمل بالتقويم الميلادي.

واليوم لدينا قصة جديدة مع قلعةٍ مميزة كان لها تاريخٌ طويل قبل بنائها حتى! فما قصة قلعة تاروت؟ وما علاقة الملكة عشتار بها؟.

ذكر تاروت في “المفصَّل”:-

تناول المؤرخ العراقي الكبير جواد علي (المتوفى عام 1987) موضع تاروت وذلك في كتابه المرجعي “المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، وذلك استناداً للمصادر العربية والإغريقية القديمة.

جواد علي فيلسوف التاريخ العربي وأحد أبرز المؤرخين في العصر الحديث الذين أثروا المكتبة العربية بمجموعة قيمة من البحوث والدراسات التاريخية والأدبية الرصينة...
جواد علي أبرز المؤرخين العرب في القرن العشرين

وقال جواد علي : “أما جزيرة تاروت الصغيرة التي في هذا الخليج؛ فالظاهر أنها جزيرة (Tahr) أو (Taro) أو (Ithar) في جغرافيّة اليوناني بطليموس، وفيها مدينة دارين، ويظهر أنها أقيمت على أنقاض أبنية قديمة، ولعلها كانت معبداً للإله (عشتروت).. اشتهرت به، ثم حُذِفَ المقطع الأول من اسم الإله اختصاراً، وصارت تُعرف بالمقطعين الأخيرين، وهما (تاروت).

تاريخ بناء قلعة تاروت:-

اختلف المؤرخون في تاريخ بناء قلعة تاروت بالضبط، حيث حدد بعضهم أنه مضى عليها أكثر من 1500 عامٍ، ويقولون بأنها كانت مقراً للحاكم في عهد الدولة العيونية.

بينما يذهب آخرون للتأكيد على أن تاريخ بنائها يقع بين عامي 1521م و1525م، وكان بناؤها من قبل البرتغاليين لحمايتهم من هجمات العثمانيين.

ومع ذلك؛ فقد قال مؤرخون آخرون: إنها تواجدت منذ زمن القرامطة.

وإن اختُلف في تاريخ بنائها؛ ففي الحقيقة أن هناك تاريخ أقدم يقبع أسفل القلعة، حيث أنها قد بُنيت على تلٍ مرتفع، ويُعتقد بأن هذا التل يضم تحته معبد الملكة عشتار، وهي ملكة من ملوك الدولة السومرية، فبعد أن تم طردها من قبل الملك جلجامش من بلاد ما بين النهرين؛ أتت إلى هذا المكان وبنت القلعة.

نقش شهير يتناول ملحمة جلجامش – متحف الميتروبوليتان

صراعات وحروب:-

كانت القلعة شاهدةً على الكثير من الحروب، وقد كان لها دورٌ بارز ما بين عامي 1200 و 1250 م في فترة الصراع التي عرضتها لتدميرٍ شبه كامل، وقد كانت حصناً لقائد الجيش الخالدي عبد الله بن سليمان المهشوري بعد تعرضه للهزيمة في واقعة الجارودية.

وأما اسمها فلم يتم اختياره عشوائياً، بل هو اسم الجزيرة التي تقع بها واسم التل الذي بُنيت عليه أيضاً.

وفي الحقيقة؛ فإن لكلمة تاروت علاقة أيضاً بعشتار، حيث ظهر هذا الاسم لأول مرةٍ قبل 5 آلاف عامٍ في بلاد سومر على نقوش بالخط المسماري، وكان ذلك في جنوب العراق، حيث كانت ترمز بنجمة ثمانية وهي إشارة لكوكب الزهرة.

وبعد انتقالها إلى الأكاديين تم تسميتها بعشتار، وقد عُرفت بأسماء أخرى كعشتروت وعثار، وأما اسم تاروت فقد عُرفت به في الجزيرة العربية قديماً.

موقع بناء قلعة تاروت وفن عمارتها:-

بُنيت القلعة في محافظة القطيف في السعودية وتحديداً في جزيرة تاروت، وهي تقع على أعلى مرتفع صخري في المحافظة، تحيط بها غابةٌ من النخيل.

وهي من أهم الثغور البحرية ومحاطة بسورٍ خارجي عريض ومشيد بحجارة الفروش والجص والطين، وهي حجارة بحرية كان يتم استخدامها لتقوية المباني وتدعيمها.

وأما الحجارة التي استخدمت لبناء القلعة؛ فقد كانت تحتوي على الحديد والصخور وهذا ما جعلها تتماسك إلى يومنا هذا.

المخطط الداخلي للقلعة بيضاوي وغير منتظم، وهي تحتوي على 4 أبراجٍ مخروطية الشكل في داخلها غرف للمراقبة.

ولا تحتوي القلعة على مصدرٍ مائي بداخلها، ولذلك فهي تضم بئراً لتخزين الماء لحالات الحصار، كما أنه كان لتخزين المؤونة كالتمور.

قلعة تاروت قبل انجاز عملية صيانتها وترميمها – جهينة الإخبارية

المقتنيات الأثرية من قلعة تاروت:-

يمكن رؤية المعبد القديم عشتار تحت مبنى القلعة بشكلٍ واضح، كما أن هناك الكثير من الآثار القديمة كعين العودة وعين تاروت.

وقد تم العثور على العديد من التماثيل والأواني الفخارية والنحاسية والأسلحة التقليدية، بالإضافة إلى الذهب الخالص لعشتار! وبعض الآثار كأنقاض المستوطنات السابقة يعود أصلها إلى ما قبل 5 آلاف عام!

أبو الفداء يصف القطيف في عهده:-

تحدَّث الأديب والجغرافي الشهير أبو الفداء (المتوفى سنة 1331 م) عن القطيف التي تحتضن قلعة تاروت، وذلك في كتابه “تقويم البلدان”.

وقال:” القطيف بناحية الأحساء، وهي على شطِّ فارس، ولها مغاص، وهي شرقي الأحساء شمال على نحو مرحلتين منها”.

أبو الفداء صاحب “تقويم البلدان”

وأضاف أبو الفداء “لها نخيل دون نخيل الأحساء، وللقطيف سور وخندق ولها أربعة أبواب، والبحر إذا مدَّ يصل إلى سور القطيف، وإذا حرز ينكشف بعض الأرض”.

وزاد ” وللقطيف خور من البحر يدخل فيه المراكب الكبار الموسقة في حالة المدِّ والجزر، وبين القطيف والأحساء مسيرة يومين، وبينهما وبين البصرة مسيرة ستة أيام، وبينهما وبين كاظمة أربعة أيام، وبينهما وبين عُمان مسيرة شهر، والقطيف قريب سلمية في القدر، وهي أكبر من الأحساء”.

وأنهى قائلاً: “وأهل الإحساء والقطيف يجلبون التمر إلى الخرج وادي اليمامة، ويشترون بكل راحلتين من التمر؛ راحلةً من الحِنطة”.

توفي أبو الفداء، لملفب لملك حماة، وذلك بسنة 1331 م.

السياحة في القلعة:-

تم إعادة ترميم القلعة التاريخية تاروت بأفضل الأساليب والوسائل بعد تعرض أبراجها للتصدع على مرور السنين، فضلا عن تعرضها لمشاكل أخرى من صنع الطبيعة أو الإنسان.

وقد كانت القلعة تستقبل أعداداً كبيرة من الزوار والسياح خلال الفترة الماضية، تتنوع جنسياتهم من الأوروبيين والآسيويين والأمريكيين الذين يأتون لزيارتها ورؤية معالمها، هذا إلى جانب الزوار الذين يقصدونها من المحافظات المحلية الأخرى.

هي قلعةٌ حضارية كانت شاهداً حقيقياً على عراقة المنطقة الشرقية ومن أهم المعالم الأثرية في المملكة العربية السعودية. 

موقع استراتيجي تتمتع به قلعة تاروت – سيدتي دوت نت

اقرأ أيضاً: قلعة شنغل .. مجلس قضائي وملجأ للدخلاء

المصادر:

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي.

تقويم البلدان، أبو الفداء الحموي.

www.sayidaty.net

www.alyaum.com

www.alittihad.ae

amal

أمل.. كاتبةٌ سورية مستقلة، تعمل منذ سنوات في ميدان الكتابة الحصرية في الحقول الأدبية والثقافية والإجتماعية وحتى العلمية منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى