آثار

قلعة الكرك .. الحصن البارز الذي تصدى للحملات الصليبية

ابن الوردي: ليس في إقليم الشام أمنع من قلعة الكرك

الموقع والمكان:-

قلعة الكرك – تقع مدينة الكَرَك جنوب المملكة الأردنية الهاشمية، على بعد نحو 10 أميال إلى الشرق من الطرف الجنوبي للبحر الميت، وجنوب هذه المدينة العريقة تنتصب قلعة الكَرَك، حيث أنها كانت تحميها من الهجوم من هذا الطرف الوحيد الصالح من جهة الأرض المجاورة المرتفعة.

مدينة الكرك:-

الكرك اسم المدينة بالعربية، وكراكموبا بالفرنجية – اللاتينية، جاء أبو الفداء على ذكرها في كتابه الشهير “تقويم البلدان” قائلاً: ” هو بلدٌ مشهور وله حصن عالي المكان، وهو أحد المعاقل بالشام التي لا تُرام وعلى بعض مرحلة من مؤتة، وبها قبر جعفر الطيار وأصحابه رضي الله عنهم”.

أهمية استراتيجية كبرى للمدينة وقلعتها

وزاد أبو الفداء المتوفى سنة 1331 م، ” وتحت الكرك؛ وادٍ فيه حمام وبساتين كثيرة، وفواكهها مفضَّلة من المشمش والرمان والكمثرى وغير ذلك، وهو على أطراف الشام من جهة الحجاز، وبين الكرك والشوبك نحو ثلاثة مراحل”.

بناء القلعة وتشييدها:-

شُيِّدت قلعة الكرك فوق مصطبتين تفصلهما عن المدينة قناة عميقة، وقد كان هنالك جسر متحرك فوق هذه القناة، وحجارة القلعة تعود إلى العصر العربي والإفرنجي، وقد جيء بها من مقالع متنوعة.

ترتفع القلعة عن سطح البحر حوالي 950 متراً.

المراحل التاريخية لبناء قلعة الكرك:-

تم بناء قلعة الكرك من قِبل ميشع ملك مؤاب بين عامي 860-850 ق.م. وقد تم تشييدها وتعزيزها أيام الصليبيين ومن أتى بعدهم من الأيوبيين، فعندما احتل الصليبيون القدس أمر الحاكم بابان لوبوتييّه بتشييدها من جديد؛ وذلك بهدف تعزيز مواقع الصليبيين شرق الأردن، وتم تطوير هذه القلعة وزيادة تقويتها في عهد من جاء بعده من الخلفاء.

من يتمكن من السيطرة على القلعة؛ يقوم بالزيادة على مرافقها وتحصيناتها

وقد حاصرها محمود الزنكي سنة 566هـ وسنة 569هـ؛ من أجل حماية القوافل العابرة إلى مصر، وحاصرها صلاح الدين الأيوبي سنة 579هـ، وبقي هذا الحصار إلى أن قام بتحريرها من أيدي الصليبيين بعد معركة حطين سنة 584هـ، تولى الملك العادل شقيق صلاح الدين ترميمها وعزَّز حصونها.

وفي عهد المماليك قام السلطان بيبرس بتقوية القلعة وتعزيزها وتحصينها عندما استولى على الكَرَك من الأمراء الأيوبيين سنة 622هـ، وقد شيَّد فيها الحصن الشمالي من سور المدينة، وتم تحسين القلعة بشكل لا وصيف له.

مخطط زمني لأحداث شهدتها قلعة الكرك:-

  • القرن الثاني عشر: استولى الفرنجة عليها أثناء حملاتهم الأولى في عهد الملك بلدوين الأول، وأخضعوها لبعض التحسينات.
  • في سنة 1142 م، أي ضمن القرن الثاني عشر أيضاً؛ أمر الحاكم الإقطاعي بايان لوبوتييه بإجراء تحسينات على المدينة ودفاعاتها، إلى جانب بناء القلعة كجزء من إستراتيجيته الرامية إلى تعزيز مواقع الفرنجة في منطقة شرقي الأردن المقابلة للقدس، وقد تم إلحاق إضافات في القلعة في عهد خلفائه.
  • في سنة 1170 م؛ ضُرِبَ حصار قصير الأجل على القلعة من قبل نور الدين زنكي صاحب دمشق، وذلك لأغراض تأمين عبور قافلة كانت تمر قرب الكرك وهي متوجهة إلى مصر (القافلة).

تدخل صلاح الدين:-

  • في العام 1177 م، انتقلت القلعة والاقطاعية إلى رينو دي شاتيون (أرناط)، وهو الشخصية الباسلة والحمقاء المتهورة في الوقت ذاته، والذي ساهمت غاراته المتواصلة، في تحفيز الناصر صلاح الدين الأيوبي على شن هجومه الشامل على مناطق الفرنجة.
  • بين عامي 1183 و 1184 م، قُطِع أول حصار للكرك بوصول الملك بلدوين الرابع، كما انتهى الحصار الثاني -الذي قاده صلاح الدين لفترة سبعة أسابيع- إلى ذات النتيجة.
  • في العام 1187 م، لم يتخذ صلاح الدين أي خطوات إزاء الكرك بعد هزيمته للفرنجة في معركة حطين، لكنه عاد ليطوقها في العام التالي (1188 م) ولفترة ثمانية أشهر، ما أجبرها على الاستسلام له.
  • منح صلاح الدين هذا الموقع الإستراتيجي لأخيه الملك العادل الذي عزز من تحصينات القلعة ودفاعاتها، وقد استعملها الأول لحفظ أمواله وخزائنه وذلك نظراً لقوة تحصيناتها.
  • مطلع القرن الثالث عشر الميلادي: كان للكرك دور مهم في المفاوضات الجارية من أجل إعادة القدس، نظراً لاعتقاد الفرنجة بأنهم لن يفلحوا في المحافظة على المدينة المقدسة بدونها، ومع ذلك فقد ثُبِّتت المدينة ضمن الممتلكات العربية عندما أعيدت القدس إلى الإمبراطور فريد ريك الثاني في العام 1219 م.
صلاح الدين أدرك أهمية الكرك كمنصة لاستعادة القدس

انتهاء الحقبة الأيوبية:-

  • في سنة 1264 م؛ قام السلطان الظاهر بيبرس بتعزيز دفاعات القلعة بعد تمكنه من السيطرة على الكرك من آخر الملوك الأيوبيين، كما قام بتحسين قناة القلعة وتشييد حصنها الشمالي.
  • في سنة 1293 م؛ تسببت هزة أرضية في الإضرار البالغ بالقلعة، الأمر الذي استغرق عملاً استمر لغاية العام 1309 م والذي شهد انتهاء عمليات ترميمها.
  • ظلت الكرك مركزاً إدارياً مملوكيا، لكن مكانتها تراجعت مع الحكم العثماني.
  • تحولت القلعة إلى معلم أثري وسياحي يرتاده الكثير من الزوار من حول العالم.
قلعة الكرك في العام 1900 م – مكتبة الكونغرس

أهمية قلعة الكرك:-

تبوأت القلعة مكانة مرموقة عبر العصور؛ ويعود ذلك إلى موقعها الهام على طريق القوافل التجارية، فكانت تستخدم كخزانة لحفظ أموال الدولة، وجعلها المماليك منفى للأمراء والخارجين عن الطاعة، ولكنها فقدت أهميتها بعد دخول العثمانيين لبلاد الشام، وبعد أن قام إبراهيم باشا سنة 1840م بهدم أجزاء عديدة منها.

المخطط الهندسي للقلعة من كتاب “القلاع أيام الحروب الصليبية”، لمؤلفه فولفغانغ مولرفيز، الذي يشرحه على النحو التالي:
“المخطط رقم 4 للقلعة العلوية والسفلية مقياس الرسم 1/2000 ، حيث يبين المخطط المبنى والأراضي التابعة له التي تقع تحت مستوى الأرض من القلعة العلوية”.
كذلك نفذت القلعة السفلى على مستوى الأرض، وذلك لكشف الغرفة تحت الأرضية التي يشير إليها المؤلف بالرسم المنقط.
ويزيد مولرفيز “أشير إلى طوري البناء الفرنجي الأول والثاني (1142-1188 م) باللون الأسود والتهشير المتقاطع، كما أشير إلى الفترة العربية (بعد العام 1188 م) بالتهشير المكثَّف، بينما رسمتُ الأبنية التحتية المطمورة تحت التراب والصخر بالتهشير العريض”.
الطريق نحو القلعة بنهاية القرن التاسع عشر – الكونغرس

ما قيل في قلعة الكرك:-

ياقوت الحموي قال عن القلعة في “معجم البلدان”: “كَرَكُ: بفتحٍ أوله وثانيه، وكافٌ أخرى، كلمة أعجمية: اسم لقلعةٍ حصينة جداً في طرف الشام من نواحي البلقاء في جبالها بين أيلة وبحر القلزم وبيت المقدس، وهي على سن جبل عالٍ تحيط بها أودية إلا من جهة الربض”.

قلعة الكرك في العام 1932 م – مكتبة الكونغرس

قال ابن الوردي: “أرض الشام: وهو إقليم عظيم كثير الخيرات جسيم البركات ذو بساتين وجنات وغياض وروضات وفرج ومنتزهات وفواكه مختلفة رخيصة، وبها اللحوم كثيرة، إلا أنها كثيرة الأمطار والثلوج، وهو يشتمل على ثلاثين قلعة، وليس فيها أمنع من قلعة الكَرَك”.

أبو الفداء يصف الكرك:-

أبو الفداء، وهو الأديب والمؤرخ وصاحب حماة ؛ تحدث عن مدينة الكرك وذلك في كتابه الشهير “تقويم البلدان”.

وقال أبو الفداء  – المتوفي عام 1331 م – عن الكرك: ” وهو بلد مشهور وله حصن عالي المكان، وهو أحد المعاقل بالشام التي لا ترام”.

أبو الفداء.. صاحب “تقويم البلدان”

وزاد ” وعلى بعض مرحلةٍ منه مؤته، وبها قبر جعفر الطيَّار وأصحابه رضي الله عنهم”.

وأنهى أبو الفداء قائلاً: ” وتحت الكرك وادٍ فيه حمام وبساتين كثيرة وفواكهها مفضَّلة من المشمش والرُّمان والكمثرى وغير ذلك، وهو على أطراف الشام من جهة الحجاز، وبين الكرك والشوبك نحو ثلاثة مراحل”.

صناعات ومهن اشتهرت بها الكرك:-

  • اشتهرت كل من الكرك، والشوبك القريبة نسبياً منها، بزراعة قصب السكر الذي تقوم عليه صناعة السكر، والتي أبدى الصليبيون اهتماما كبيرا فيها ونجحوا في انتاج صنف اشتهر بنعومته وبياضه وسُمَّي بسكر “مونتريال” أو سكر الكرك و الشوبك، وقد نقل الصليبيون زراعة وصناعة السكر إلى أوروبا، وتحديدا من قبل الإمبراطور فريدريك الثاني في الحملة الصليبية الثانية، حيث حمل معه صناعاً من الشام وأنزلهم في جزيرة صقلية.
  • جاء في كتاب “التاريخ الحضاري لشرقي الأردن في العصر المملوكي؛ أن الكرك اشتهرت على نطاق واسع بصناعة صنف مميز من الحُصُر التي كانت العادة أن تُفرش بها المساجد والجوامع في بلاد الشام، وقد أطلق على هذه النوعية من الحصر بـ”الكركر” أو “الكركي”.
  • اشتهرت كل من مدينتي الكرك والشوبك، في العصر المملوكي وما قبله، بصناعة الأبسطة التي ذاعت شهرتها في العالم الإسلامي، والتي أصبحت محل إعجاب الملوك والسلاطين يهادونها في المناسبات لنفاستها وإحكام صناعتها وجمال مظهرها.
  • اُشتهرت الكرك في العصر المملوكي بالصناعات النحاسية، حيث انتشر أصحاب مهنة “التكفيت” والممثلة في تطعيم النحاس بالفضة أو الفضة بالذهب.

صناعات ذات طبيعة عسكرية:-

  • تم صناعة المراكب في الكرك وذلك في عهد أرناط الصليبي، والتي جرى نقلها على ظهور الجمال إلى العقبة، فتم إعادة تركيبها وذلك لتشكيل أسطول حاول به أرناط السيطرة على تجارة البحر الأحمر، ومهاجمة الديار المقدسة في الحجاز، بيد أنه أخفق في تنفيذ خطته.
  • صناعة الأسلحة، حينما انتزع السلطان الملك الظاهر بيبرس، الكرك، من الملك المغيث عمر سنة 661 ه (1263 م)، وأعاد ترتيب السلاح، حيث كانت تضم قلعة الكرك قاعات لصناعة الأسلحة المختلف مثل السيوف، والقسي العربية، والنشاب، والرماح والدروع المتخذة من الزرد المانع والأطبار.
  • كانت مؤتة – التابعة إداريا للكرك اليوم- مشهورة في العصر الجاهلي بسيوفها المعروفة بـ”السيوف المشرفية”، واحتفظت مؤتة بهذه الشهرة خلال العصور الإسلامية المختلفة.
  • جاء في تاريخ ابن الفرات المصري (1335-1405 م) أن الكرك اشتهرت طيلة الحقب العربية بصناعة الخمور، وهي الصناعة التي واصلت ازدهارها خلال فترة السيطرة الصليبية على جنوب سورية، حتى تم استردادها من قبل المماليك، الذين فسحوا المجال بتناول الخمور ضمن حانات خاصة، مقابل ضريبة المغاني التي تم فرضها على مناطق من بينها الشوبك والكرك.

الكرك تغيث دمشق:-

تناول المؤرخ الشهير شهاب الدين النويري (المتوفى بالقاهرة سنة 1333 م) الدور الذي لعبته الكرك في دعم دمشق في الغلال وذلك لمواجهة موجة الغلاء الذي عمَّ مدينة مدينة الياسمين.

وقال النويري في كتابه “نهاية الأرب” خلال توثيقه لأبرز الأحداث التي حصلت في سنة أربع وعشرين وسبعمائة هجرية (1324 م) : ” في هذه السنة؛ غلت أسعار الغلال بالشَّام، وانتهت غرارة القمح بدمشق إلى مائة وعشرين درهماً، فلما اتَّصل ذلك بالسلطان الملك الناصر – خلد ملكه- برز أمره المُطاع بما أوجب إنحطاط الأسعار، وذلك أنه رسَمَ بإبطال ما على الغلال من المَكس في سائر البلاد الشَّامية، وذلك في شهر ربيع الآخر”.

وأضاف النويري : ” ثم رسم للنائب بالكرك المحروس أن ينقل إلى دمشق المحروسة جملة من الغلال التي بها، فانحلَّت الأسعار، ثم رَسَمَ لسائر الأمراء بالديار المصرية أن يحملوا الغلال إلى دمشق، وقرر على كل أمير حَملُ جملة معينة من الغلال، وأن يحضر نائبه ما يدل على وصول ذلك إلى دمشق، فحُمِلَت الغلال، وانحطَّت الأسعار انحطاطاً كثيراً، ولله الحمد”.

والمشار إليه بالسلطان الملك الناصر هو ناصر الدين محمد بن قلاوون (1285 – 1341 م)

اقرأ أيضاً: قلعة نجم السورية.. ملتقى القوافل التجارية

المصادر:

خريدة العجائب وفريدة الغرائب (97).

التاريخ الحضاري لشرقي الأردن في العصر المملوكي، الدكتور يوسف درويش غوانمه.

تقويم البلدان، أبو الفداء.

معجم البلدان، ياقوت الحموي.

نهاية الأرب في فنون الأدب، شهاب الدين النويري.

كتاب “القلاع أيام الحروب الصليبية”، لمؤلفه فولفغانغ مولرفيز.

الموسوعة العربية (15/533).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى