معلومات تاريخية

قصر البحر .. الشاهد على احتلال البرتغال لمدينة آسفي

المدينة كانت تشتهر بصناعة النسيج ذات الرواج في دول إفريقيا

قصر البحر الحصين |عَرِف المغرب تراجعاً وانحطاطاً كبيراً مع نهاية الدولة المرينية وقيام الدولة الوطاسية  ( القرن 15 م ) ، فانحصرت بذلك  السلطة المركزية في فاس، وعجزت عن الوصول إلى مناطق المغرب الأخرى التي شهدت ظهور كيانات سياسية مستقلة ، ما تسبب في انقسام البلاد إلى مملكتين، واحدة في فاس والثانية في مراكش.

البرتغاليون يستغلون ضعف الدولة المركزية:

كانت الدول الأوروبية خلال هذه الفترة متوثبة للبحث عن طرق ومنافذ بحرية جديدة، واكتشاف أفاق أرحب لممارسة المبادلات التجارية.

 وبحكم  قرب المغرب من القارة الأوروبية وبفعل وجوده في طريق التحركات الآيبيرية (إسبانيا والبرتغال)؛ فلم يسلم من الاحتلال الأجنبي لبعض ثغوره المطلة على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.

صورة البحر
أطماع استعمارية شمالية في ثروات بلدان الجنوب

حينذاك، تسابقت كل من إسبانيا والبرتغال على السيطرة على مدن المغرب الساحلية، فانفردت الأولى ببعض المدن الشمالية، في حين كانت الغنيمة أكبر بالنسبة للثانية التي احتلت غالبية المدن الساحلية المطلة على المحيط الأطلسي من طنجة شمالاً وحتى دول غرب إفريقيا جنوباً.

انطلقت الحملات التوسعية الأوروبية بمباركة من الكنيسة، حيث بدأ التوسع البرتغالي سنة 1415 م وذلك في عهد أسرة أفيش، وكانت البداية من مدينة سبتة الواقعة شمال المغرب، ثم استمرت العمليات نحو جنوب المغرب لتخضع أغلب المدن الساحلية المطلة على المحيط الأطلسي للاحتلال البرتغالي.

أسفي .. صراع مستمر بين الزعامات المحلية:

كانت مدينة آسفي خلال هذه الفترة تعرف مجموعة من الإضطرابات، وذلك بفعل النزاعات  بين الزعامات المحلية للمنطقة من أجل السيطرة عليها والإنفراد بحكمها، خصوصاً في ظل ضعف السلطة المركزية للوطاسيين.

 فاستغل البرتغاليون هذه الانقسامات إلى جانب أطماع الزعماء المحليين في الثروة والسلطة وذلك من أجل تحقيق مبتغاهم الإستعماري، متبعين سياسة تقوم على التوغل السلمي ومحاولة تجنب المناوشات العسكرية قدر الامكان.

ويرجع السبب في ذلك؛ إلى أن المواجهات العسكرية كانت تلحق أضراراً بالغة بعمران المدينة وهو ما يؤثر  على مصالح البرتغاليين التجارية، فعوضوها بالهدايا والرشاوي لأعيان المدينة تارة، أو بالإغراء بالحماية البرتغالية أو بالمشاركة في الصفقات التجارية تارة أخرى.

مشهد الغروب على شواطئ اسفي
مشهد الغروب على شواطئ آسفي

غير أن الحروب والصراعات التي كانت تندلع بين أعيان المنطقة؛ دفعت بالقادة البرتغاليين إلى التدخل العسكري بحجة توطيد الأمن واخماد الصراعات التي كانت تؤثر بشكل سلبي على الرواج التجاري بالمدينة.

تشييد البرتغاليين للحصون و قصر البحر :

استرعى موقع آسفي المتميز إهتمام البرتغاليين، خاصة وأن المدينة تشهد إنتشاراً كبيراً للحرف التقليدية وما يستتبعه ذلك من رواج تجاري.

 فالمدينة كانت تشتهر بصناعة النسيج، التي عرفت طلباً متزايداً عليها من قبل بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، ما دفع العديد من الوسطاء والتجار البرتغاليين إلى الإستقرار في آسفي، حيث شيدوا مقرات حصينة  لإقامتهم.

سوق مغربي
المغرب مشهور بصناعاته النسيجية

 غير أن هذه المقرات كانت عرضة لهجمات المغاربة الغاضبين من سياسات قادة البرتغال التخريبية والاستعمارية.

 وأمام ضعفها وعدم فعاليتها أمام المقاومين المغاربة الذي كانوا يحدثون فيها فتحات لاختراقها؛ أضطر البرتغاليون إلى تشييد  حصن جديد و متين على الساحل.

البرتغاليون يبنون قصر البحر الحصين :

شرع البرتغاليون في بناء حصنهم العسكري الجديد بساحل مدينة آسفي سنة 1508 م، ولم تكتمل الأشغال به إلا بحلول سنة 1523 م، وتم تشييد هذا البناء آنذاك على مساحة بلغت 3900 متراً مربعاً.

ينتصب الحصن على شكل قلعة عسكرية مستطيلة تضم ثلاث أبراجاً، لكل منها وظيفة خاصة.

فالبرج الأضخم تم تخصيصه لتخزين المؤن والذخيرة، وإيواء بعض الحراس الذين يسهرون على مراقبة الحصن، إضافة إلى مقر الحاكم العسكري، أما البرجان الباقيان؛  فقد خصصا للحراسة ومراقبة الجهات الجنوبية والشرقية للحصن.

بقايا قصر البحر
بقايا القصر كما تبدو اليوم

وتمت تسمية هذا الحصن من قبل البرتغاليين بـ كاستيلو نوفو CASTELLO NOVO  ، وأطلق عليه فيما بعد اسم قصر البحر من طرف الرحالة الفرنسي جول بورولي الذي زار المنطقة في إطار الحملات الاستكشافية التي سبقت الإحتلال الفرنسي  للمغرب  خلال القرن العشرين.

وقد استعملت هذه التسمية في الوثائق التي كانت تهدف إلى تصنيف المعمار المغربي إبان  فترة الاحتلال الفرنسي للمغرب.

 وبعد إستقلال المغرب؛ خضع الحصن للترميم سنة 1963م ، وأفضى البحث الأثري الذي أجري حول الحصن إلى تحديد الطراز المعماري الذي بني به، والذي يعرف بالمعمار المانويلي نسبة إلى الملك البرتغالي مانويل الأول ( 1469– 1521 م ).

تحرير السعديين للثغور المحتلة:

لم يستمر الوجود البرتغالي طويلاً بعد بناء هذا الحصن، حيث أفضى قيام الدول السعدية -التي استطاعت توحيد المغرب مرة أخرى- إلى تحرير مجموعة من الثغور المحتلة.

وكانت سنة 1578م السنة الحاسمة في تاريخ البلدين، فخلالها نشبت معركة وادي المخازن الشهيرة، و التي حقق فيها السعديون انتصارا ساحقاً على البرتغال، أدى إلى موت ملكها دون سبستيان ( 1554–1578 م ) وإلى التعجيل بزوال الإحتلال .

صورة لقصر البحر
موقع إستراتيجي للقصر

المصادر:

Image by TheUjulala from Pixabay

Image by bariddy from Pixabay 
Image by kalhh from Pixabay 
Image by Hassan Nhiri from Pixabay

https://en.infostourismemaroc.com/picture/morocco-tourism-city-safi

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى