معلومات تاريخية

قسنطينة .. مدينة الجسور المعلقة

فتحها عقبة بن نافع سلماً وبنى فيها مسجداً وعين قاضياً

توطئة:

تقع مدينة قسنطينة شرقي الجزائر، وهي مدينة عتيقة تتميز بموقعها الخاص والمختلف إذ أنها مبنية على جبل صخري يحيط به الوادي الكبير -كما يعرف لدى سكانها- من كل الجهات تقريباً عدا فجوة صغيرة وهي التي بني فيها باب القنطرة، والذي يعتبر المدخل الوحيد لها، ما أكسبها حصانة ومناعة ضد الاعتداءات الخارجية.

طبيعة مميزة تجعل مدينة قسنطينة ذات طابع متفرد
طبيعة مميزة تجعل المدينة ذات طابع متفرد

تأسيس مدينة قسنطينة :

يعود تأسيس مدينة قسنطينة إلى ما قبل الميلاد وذلك على يد الفينقيين، فقد كانت في بداياتها مدينة صغيرة قريبة من العاصمة قرطاجة، وكان يطلق عليها اسم “قرطا” أي القرية (و قرطاجة القرية الجديدة ) وبعد ذلك اتخذتها مملكة نوميديا البربرية عاصمة لها، وظلت كذلك حتى سقطت نوميديا في يد الاحتلال الروماني عام 49ق.م، ومعهم تغير اسمها من قرطا إلى سيرتا.

جسور وتحصينات طبيعية في أرجاء مدينة قسنطينة
جسور وتحصينات طبيعية في أرجاء المدينة – مكتبة الكونغرس

إلا أن أكبر تغيير حصل للمدينة كان في القرن الرابع الميلادي وذلك حينما أعاد الرومان بناءها وهو البناء والشكل الذي ظلت محافظة عليه عبر تاريخها، إذ جعلوا منها مدينة كبيرة فأقاموا فيها الجسور والمعابد والأسوار العالية المتينة والتي لا تزال بعض أطلالها قائمة، وأطلق عليها اسم “قسطنطينة” وذلك نسبة إلى الإمبراطور قسطنطين الذي أقر الديانة المسيحية في الإمبراطورية الرومانية، ثم خففت فيما بعد إلى “قسنطينة” وهو الاسم الذي ظلت تعرف به إلى اليوم.

تعرف على أم الدبادب من أقدم المستوطنات الرومانية في مصر

قسنطينة تفتح سلماً:

عندما بلغ الفاتحون المسلمون مدينة قسنطينة وجدوا سكانها متحصنين بها، فلم يكونوا بقادرين على مجابهة جيش الفاتحين ولا هؤلاء قادرين على اقتحامها عنوة، فلجأ القائد عقبة بن نافع إلى الحوار مع السكان -كما يذكر ذلك الواقدي في كتابه فتوح إفريقيا- وتمكن من فتح المدينة سلماً ولم يبرحها إلا بعد أن بنى فيها مسجدا وعين فيها قاضيا عليها.

الزي التقليدي لأبناء المدينة – الثلث الأخير من القرن التاسع عشر

مدينة عامرة:

ازدهرت مدينة قسنطينة في العصر الإسلامي وصارت واحدة من أهم المدن في شمال إفريقيا، آهلة بالسكان عامرة بالأسواق، زارها ووصفها العديد من الرحالة والجغرافيين، ونسرد هنا وصف الجغرافي الكبير الإدريسي في القرن الخامس الهجري إذ يقول: “ومدينة قسنطينة عامرة وبها أسواق وتجار وأهلها مياسير ذوو أموال وأحوال، وتقع على جبل متقطع مربع فيه بعض الاستدارة لا يتوصل إليه من مكان إلا من جهة باب في غربها ليس بكثير السعة، يحيط بها الوادي من جميع جهاتها كالعقد المستدير بها، وليس للمدينة من داخلها سور يعلو أكثر من نصف قامة إلا من جهة باب ميلة، وللمدينة بابان، باب ملية في الغرب وباب القنطرة في الشرق وهذه القنطرة من أعجب البناءات لأن علوها شق على مائة ذراع وهي من بناء الروم”.

الجغرافي الإدريسي واصفاً مدينة قسنطينة قأثناء مروره بها
الجغرافي الإدريسي واصفاً المدينة أثناء مروره بها

الأسر العلمية في قسنطينة:

تشتهر مدينة قسنطينة بأسرها العلمية العريقة، إذ كان بالمدينة عائلات راسخة في العلم توارث أبناءها العناية بالعلوم والمعارف، وقد كانت هذه الأسر تتمتع بمكانة مرموقة في المجتمع القسنطيني، فلم يقتصر تأثيرها على الميدان الثقافي فحسب؛ بل كان لها دور في تسيير شؤون البلاد، ومن أشهر هذه الأسر على سبيل المثال لا الحصر نذكر:

  • عائلة الفكون: التي تبدأ من الجد الأكبر والعالم الفذ أبي علي الحسن بن الفكون، عميد واحدة من الأسر العلمية اشتهر بمنظومته التي نظمها في رحلته إلى مراكش.
  • عائلة ابن قنفذ: لعل أكبر من اشتهر منها أبو الحسن أحمد بن الخطيب ابن القنفذ صاحب التآليف القيمة والمشهورة “الفارسية في الدولة الحفصية”، “الوفيات”، وحظيت مؤلفاته بالعديد من الشروحات.
  • عائلة ابن باديس: وقال عنها ابن الفكون الجد: “ويقال إنه اجتمع فيهم أربعون كلهم صاحب منصب حازوا المناصب الشرعية ببلدانهم”.
العلّامة ابن قنفذ القسنطيني (740هـ -809هـ)، عالماً متبحراً في العلوم العقلية والنقلية، ففضلا عن كونه قاض؛ فهو أيضاً فقه، فلكي، رياضي، طبيب
أسماء علمية بارزة ظهرت في المدينة

قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري:

بعد الدخول العثماني للجزائر وتقسيم الأخيرة إلى مقاطعات إدارية؛ حظيت مدينة قسنطينة بجعلها عاصمة لبايليك (مقاطعة) الشرق الجزائري، وهو أكبر البايليكات مساحة وأكثفها سكاناً، فكانت من أكبر المدن الجزائرية في العهد العثماني.

ازدهرت قسنطينة خلال الحكم العثماني ونشطت فيها الكثير من الحرف، حيث كانت كل عائلة تختص بحرفة معينة تتوارثها جيلا بعد جيل كالنحاسين والدباغين وغيرها من الحرف، وكانت تقام لكل نوع من هذه الصناعات سوق خاصة يتسنى للحرفين فيها بيع مصنوعاتهم، ولا زالت تحتفظ المدينة ببعض من هذه الأسواق الشعبية العتيقة كما تحتفظ بعض الأسر بحرفتها مثل: تقطير ماء الورد التي ظلت تختص بها المدينة دون غيرها حتى أيامنا هذه.

الاحتلال الفرنسي لقسنطينة:

في أعقاب الغزو الفرنسي للجزائر؛ شهدت مدينة قسنطينة مقاومة عنيفة ضد الاستعمار الفرنسي بقيادة آخر باياتها العثمانيين الشيخ “أحمد باي”، إلا أنها سقطت في الأخير بيد المحتل عام 1836 م، وجعلت منها فرنسا عمالة (مقاطعة) تسيطر من خلالها على كامل المناطق الشرقية للبلاد، وأنشأت فيها المكاتب العربية التي تبسط من خلالها سيطرتها على ملاك الأراضي والفلاحين خاصة وبقية الأهالي عامة.

الجزائريون جابهوا المحتل الفرنسي لنحو 132 عاماً

وفي إطار الحركة الوطنية والإصلاحية التي انطلقت في الجزائر بداية القرن العشرين؛ شهدت مدينة قسنطينة ميلاد أهم وأكبر جمعية إصلاحية وهي “جمعية العلماء المسلمين” عام 1931م، وذلك على يد أحد أبنائها الشيخ عبد الحميد بن باديس وثلة من العلماء ممن اتخذوا الإصلاح منهجا نضاليا لهم.

أما خلال الثورة التحريرية؛ فقد كانت قسنطينة عاصمة للولاية الثانية (الشمال القسنطيني) وذلك تحت قيادة ديدوش مراد، وبعد استشهاده خلفه نائبه زيغود يوسف؛ وهما من كبار القادة المفجرين للثورة، كما شهدت المدينة هجومات 20 أوت 1955م التي استهدفت العديد من المصالح الفرنسية، وأعادت الزخم للثورة بالتأكيد على شموليتها وجديتها واستمرارها.

معالم مدينة قسنطينة:

الجسور: تسمى قسنطينة بمدينة الجسور المعلقة وحق لها ذلك، فبسبب طبيعتها الجغرافية الخاصة؛ أقيمت فيها عدة جسور على مر تاريخها لتسهيل حركة التنقل فيها، وهي الصفة التي ميزت المدينة عبر تاريخها الطويل، وكلما تهدم جسر إلا وجاء من يجدده، وإلى غاية أواخر العهد العثماني كان بالمدينة سبعة جسور، ثم تهدم بعضها بفعل الاحتلال الفرنسي، لكن هذا الأخير قام بإعادة بناء العديد منها وزاد عليها جسرين اثنين، وشيدت الحكومة الجزائرية أكبر جسر بها في الفترة الأخيرة، ليصبح بذلك مجموع عددها تسعة جسور:

مدينة القسنطينة شديدة التحصين
مدينة شديدة التحصين
  1. جسر القنطرة، وهو أقدم جسر في المدينة، بناه الرومان، وجدده العثمانيون، لكنه تهدم بشكل شبه كلي إبان الاحتلال الفرنسي بفعل الجيوش والعتاد الثقيل المار عليه، وعليه أعيد بناءه عام 1863 م.
  2. جسر سيدي راشد، وهو من أعلى الجسور الحجرية، بني عام 1912 م وذلك للربط بين الأحياء الجديدة والمدينة القديمة.
  3. جسر سيدي مسيد، من أجمل الجسور وأعلاها، وهو الآخر بناء فرنسي يعود لعام 1912.
  4. جسر الشلالات، ويقع أسفل سيدي مسيد بني عام 1928.
  5. جسر ملاح سليمان، عبارة عن ممر حديدي للراجلين تم بناءه سنة 1917
  6. جسر مجاز الغنم، وهو الآخر جسر ضيق أحادي الاتجاه، سمي كذلك لمرور الرعاة بأغنامهم من خلاله.
  7. جسر الشيطان، ويربط بين ضفتي الوادي الكبير في أسفل الأخدود.
  8. جسر قسنطينة العملاق، بني مؤخرا قبل سنوات من طرف الحكومة الجزائرية.

المساجد: تحتوي مدينة قسنطينة على العديد من المساجد على غرار كل المدن الإسلامية، نذكر منها: الجامع الكبير بالبطحاء وهو أقدم جامع بالمدينة يعود إلى القرن 13م، جامع سوق الغزل وبني في القرن 18 حولته فرنسا إلى كنيسة ثم أعيد مسجدا بعد الاستقلال، الجامع الأعظم بسوق الجمعة الذي بناه صالح باي ويعرف بجامع سيدي الكتاني كونه واقع على ضريح الشيخ الكتاني، والجامع الأخضر الذي بني عام 1730.

المدينة عامرة بالمساجد - الصورة تعود للعام 1860 م
المدينة عامرة بالمساجد – الصورة تعود للعام 1860 م – مكتبة الكونغرس

القصبة: وهي أعلى نقطة في مدينة قسنطينة، وتعد أكبر من قصبة الجزائر من حيث المساحة، بها ميدان فسيح تحيط به بنايات عالية، كان يسكنها مفتي المدينة.

قصر الباي: وهو قصر آخر بايات قسنطينة أحمد باي، لما انتهى من تشييده؛ كان الفرنسيون قد وطئوا أرض الجزائر، ويعتبر من أهم الآثار العثمانية في المدينة وفي الجزائر بصفة عامة، يحتوي القصر على أربعة أجنحة في مربع مائل، منها جناحين خارجيين خصصا لإسطبلات الخيول، والداخليين أحدهما يشكل البلاط والثاني به المدخل وغرفة الباي، التي تقام فيها المجالس القضائية ويستقبل الأجانب فيها، بالإضافة إلى غرف أرضية وعلوية، وتوجد أيضا وسط القصر ثلاث حدائق مربعة مفصولة أقيمت حولها آبار.

وفي هذا القصر ظهرت حلوى الجوزية ذات الشهرة الواسعة في المدينة اليوم، فقد كان لأحمد باي طباخ ماهر اخترع حلوى جديدة سماها اللوزية (فيما بعد صارت تصنع بالجوز وتحول اسمها إلى الجوزية)، فأعجب بها الباي أحمد أيما إعجاب وأمر الطباخ بأن لا يفشي سر صناعتها لأحد حتى تظل مقتصرة على مائدته فقطـ، وفعلا ظلت كذلك حتى بعد وفاته لسنين ومن ثم انتشرت بين سكان المدينة وأصبحت إرثاً شعبياً وعلامة تميز موائدهم في المناسبات المختلفة.

قسنطينة مدينة زاخرة بالمعالم
المدينة زاخرة بالمعالم

أهم المصادر:

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى