أعلامانفوجرافيكس

قتيبة بن مسلم الباهلي .. فاتح بلاد العجم

كان شهماً مقداماً نجيباً، دمث الأخلاق، داهية، طويل الروية.

قتيبة بن مسلم الباهلي:-

قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحُصَين بن ربيعة الباهلي، أبو حفص، الفاتح المسلم المشهور، وُلِدَ في البصرة سنة 49هـ، كان قتيبة بن مسلم الباهلي شهماً مقداماً نجيباً، وكان مع بطولته دمث الأخلاق، داهية، طويل الروية، راوية للشعر عالماً به، ولم ينل ما ناله من مكانة عظيمة بالحسب والنسب، بل كانت قبيلته من أقل القبائل شأناً بين العرب، حتى قال أحد الشعراء فيها:

وَلَوْ قِيْلَ لِلْكَلْبِ: يَا بَاهِلِيُّ ..

عَوَى الكَلْبُ مِنْ لُؤْمِ هَذَا النَّسَبْ

وإنما نال قتيبة هذه المراتب العظيمة بكمال الحَزم، والعَزم، والإقدام، والسَّعْد، وكَثْرَة الفتوحات، ووفور الهيبة.

ومن نصائحه لقواده وجنوده:

  • أشعِروا قلوبكم الجرأة فإنَّها من أسباب الظَّفَر، وأكثروا ذِكر الضغائن فإنَّها تبعثُ على الإقدام، والزموا الطَّاعة فإنَّها حِصن المُحارب.
  • إذا غزوتم، فأطيلوا الأظفار، وقصِّروا الشُّعور، والحَظوا النَّاس شَزَرا، وكَلِّموهم رمزاً، واطعنوهَم وَخزاً.

إمارته:-

ولي قتيبة بن مسلم الري أيام عبد الملك بن مروان، ثم ولي خراسان أيام الوليد بن عبد الملك، وبقي فيها عشر سنين، وقد تولى إمارة خراسان بعد يزيد بن المهلب بن أبي صُفْرَة.

نوادره:-

قدِمَ قُتيبة بن مُسلِم خُراسان والياً عليها، فقال: مَن كان في يده شيءٌ من مال عبد الله بن خازم فَلينبذْه، ومَن كان في فيهِ فليلفِظْه، ومَن كان في صدره فلينفُثْه، فَعَجِب النَّاس من حُسْن ما فصَّل.

قال الشعبي: كنت مع قتيبة بن مسلم بخراسان على مائدته فقال لي: يا شعبي، من أي شراب تريد أن أسقيك؟ قلت: أهونه موجوداً وأعزه مفقوداً، فقال: يا غلام: اسقه الماء.

والده والحَرُون:-

كان لأبيه مسلم منزلة كبيرة عند يزيد بن معاوية، وقد قُتِلَ سنة 72هـ مع مصعب بن الزُّبير، وأبوه هو صاحب الخيل التي كانت تسمى “الحَرُون”، وهي من الفحول المشاهير التي كان يضرب بها المثل، حيث كان يسبقُ الخيلَ ثم يحرنُ، فتَلْحَقُهُ، ثم يسبقُها.

الفروسية بين العرب كانت تمثل عامل فخر واعتزاز
الفروسية بين العرب كانت تمثل عامل فخر واعتزاز

فتوحات القائد قتيبة بن مسلم الباهلي:-

فتح قتيبة بن مسلم خوارزم، وسجستان، وسمرقند، وبُخارى، وذلك في سنة 93هـ، وغزا أطراف الصين، ثم فتح قتيبة فَرْغَانة وبلاد التُّرك في سنة 95هـ أواخر أيام الوليد بن عبد الملك.

وقد بلغ قتيبة بن مسلم في فتوحاته الإسلامية-التي غزا فيه الترك وتوغل في بلاد ما وراء النهر- ما لم يبلغه أحد من أهل زمانه، حتى إنه فتح بلاد خوارزم وسمرقند في عام واحد، وأذعنت له بلاد ما وراء النهر كلها، ولما بلغ الحجاج ما فعل قتيبة من الفتوحات قال: “بعثت قتيبة فتى غزَّاء فما زدته باعاً إلا زادني ذراعاً”.

فتوحات القائد قتيبة بن مسلم الباهلي بلغت أقاصي الأرض
فتوحات القائد قتيبة بن مسلم الباهلي بلغت أقاصي الأرض

قتيبة نموذج مشرِّف من الفتوحات الإسلامية:-

تاريخ الإسلام في التسامح هو أنصع تاريخٍ على وجه الأرض، وليس أدل على ذلك من قصة فتح المسلمين لسمرقند، فقد كان قتيبة بن مسلم الباهلي يفتح المدن والقرى، وينشر دين الله في الأرض، وفتح الله على يديه مدينة سمرقند، افتتحها بدون أن يدعوَ أهلها للإسلام أو الجزية، ثم يمهلهم ثلاثاً، كعادة المسلمين.

ولما استُخلِف عمر بن عبد العزيز، وفد عليه قومٌ من أهل سمرقند، فرفعوا إليه أن قتيبة بن مسلم دخل مدينتهم، وأسكنها المسلمين على غدرٍ، فكتب لهم عمر إلى سليمان ابن أبي السَّرِيِّ: “إن أهل سمرقند قد شكوا إليَّ ظلماً أصابهم، وتحاملاً من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة”.

قال: فأجلس لهم سليمانُ جُمَيْعَ بن حاضرٍ القاضي الناجي، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواءٍ، فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوةً، فقال أهل سمرقند: بل نرضى بما كان، ولا نجدد حرباً، وقد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم، وأمَّنونا وأمَّناهم.

لقد رأى أهل سمرقند ما لا مثيل له في تاريخ البشرية من تسامحٍ وعدالةٍ تُنفِّذُها الدولة على جيشها وقائدها، فعلموا أن هذه أمةٌ حُكمها رحمةٌ وسماحةٌ ونعمةٌ، وكان هذا سبباً لإسلام أغلب أهل سمرقند.

العرب خرجوا من الجزيرة العربية ليحكموا بلاد العجم والصين والهند
العرب خرجوا من الجزيرة العربية ليحكموا بلاد العجم والصين والهند

قال الذهبي في قتيبة فاتح بلاد الصين: “أحد الأبطال والشجعان، ومن ذوي الحَزم، والدَّهاء، والرَّأي، والغَنَاء”.

مقتل الفاتح قتيبة بن مسلم الباهلي:-

مات الوليد بن عبد الملك سنة 96هـ، وتولى الأمر أخوه سليمان بن عبد الملك، وكان سليمان يكره قتيبة، فخاف منه قتيبة، وخلع بيعة سليمان، وخرج عليه وأظهر الخلاف، فلم يوافقه على ذلك أكثر الناس.

وكان قتيبة بن مسلم الباهلي قد عزل وكيع بن حسان التميمي عن رئاسة بني تميم، فحقد وكيع عليه، وسعى في تأليب الجند سراً، وتقاعد عن قتيبة متمارضاً، ثم خرج عليه وهو بفَرْغَانة فقتله مع أحد عشر من أهله، وذلك في شهر ذي الحجة، سنة 96هـ، وقد عاش 48 سنة.

وعند مقتله قال جرير:

ندمْتُم على قَتْلِ الأغرِّ ابن مُسلمٍ .. وأنتُم إذا لاقيْتُــمُ اللهَ أنـــــدَمُ

لقد كُنْتُم مِنْ غــزوهِ في غنيــــمةٍ .. وأنتُم لِمَنْ لاقيْتُمُ اليومَ مغنَمُ

على أنَّهُ أفضى إلى حُــــورِ جــــنَّةٍ .. وتُطْبِقُ بالبلوى عليكم جــهنَّمُ

وقال أحد الأعاجم بعد مقتله: “يا معشر العرب، قتلتم قتيبة ؟! ووالله لو كان فينا لجعلناه في تابوت واستفتحنا به غزونا”.


المصادر:

  • الأعلام للزركلي (5/189).
  • الحلبة في أسماء الخيل المشهورة في الجاهلية والإسلام (22).
  • تاريخ الرسل والملوك (6/568).
  • سير أعلام النبلاء (4/410/رقم 160).
  • فتوح البلدان (407).
  • معجم الأدباء (4/1478).
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/86/542).
  • العقد الفريد.
  • https://pixabay.com/photos/horse-soldier-warrior-war-battle-4596827/

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى