نوادر العرب

فضل الاعتدال عند حكماء العرب

توطئة:.

تناول جامع كتاب “جواهر الأدب من خزائن العرب” مجموعةً من المواقف والنوادر والفضائل والنواقص التي شهدها رجال التاريخ العربي الإسلامي، مستنيرا بمقولات عدد من الحكماء وذوي المكانة الذين أسدوا النصيحة وأبدوا الرأي على هامش تلك المواقف..

في هذه المرة، نتناول باب “الاعتدال” الذي جاء في الفصل الحادي عشر من الكتاب المذكور، والذي جمع مقتطفاته؛ سليم إبراهيم صادر، صاحب المكتبة العمومية في بيروت وذلك في مرحلة متقدمة من القرن العشرين. والآن ندخل في صُلب الحديث عن فضل الاعتدال في مناحي الحياة، كما جاء على ألسنة بعض الحكماء.

أهمية التوازن والاعتدال في حياة الإنسان

الماوردي يوجه النصح:.

فقد قال الماوردي: الفضائلُ هيآتٌ متوسطةٌ بين فضيلتين ناقصتين كما أن الخير توسُّطُ بين رذيلتين، فما جاوز التوسُّطَ خرج عن حدِّ الفضيلة ، فالحِكمةُ واسِطةٌ بين الشَّر والجهالة، والشجاعة واسطةٌ بين التقَحُّم والجُبن، والعِفةُ واسطةٌ بين الشَّر وضُعف الشهوة، والسكينةُ واسطةٌ بين السُّخط وضُعفِ الغضب، والغيرةُ واسطةُ بين الحَسَد وسوءِ العادة، والظُّرفً واسطةٌ بين الخلاعة والعَرامة (البطر والخروج عن الحَدِّ والفساد).

وزاد الماوردي : “والتواضعُ واسطةٌ بين الكِبر ودناءةِ النَّفس، والسَّخاءُ واسطةٌ بين التبذير والتقتير، والحِلمُ واسطةٌ بين إفراط الغضب وعدَمهِ، والمودةُ واسطةٌ بين الخِلابة (الخداع بالمنطق واللسان) و حُسنِ الخُلُق، والحياءُ واسِطةٌ بين القِحة والحِقد، والوَقارُ واسِطةٌ بين الهُزءِ والسَّخافة”.

والماوردي، هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، ( 974-1058 م) من أكبر فقهاء الشافعية، ويعتبر أكبر قضاة آخر الدولة العباسية، ولِد في البصرة وتوفي ببغداد.

حكماء يدلون بدلوهم:.

وقالت الحُكماءُ: الأشياءُ كُلُها ثلاثُ طبقاتٍ : جيِّدٌ وَوَسَط ورّديء، فالوسطُ من كُلِ شيء أجودُ.

وقيلَ : الغُلُوُ في العُلُو مؤدِّ إلى الضَّعة.

وقد جاء في كتاب كليلة ودمنة الذي ترجمه بتصرف ابن المقفع عن السنسكريتية: إن الله تعالى قد جَعَلَ لكُلِّ شيءٍ حدَّاً يُوقفُ عليه، ومن تجاوزَ هذه الأشياء حَّدها أوشَكَ أن يلحقهُ التَّقصير عن بلوغها، والمُجاوزُ الحدَّ والمُقصِّر عنهُ سِيَّان بالنسبةِ إليهِ، لأنَّ كِليهما زائغٌ عنهُ في الحالين جَميعاً.

مدينة الإسكندرية في العام 1900 م
مدينة الإسكندرية في العام 1900 م

وقال أحدُ العُقلاء : مَن استكثرَ من الأعمالِ لم ينهض بدوامها ولا يقدُرُ على اتصالها، لأنَّ الاستكثار في الزيادة إما أن يمنع من أداء اللازم فلا يكونُ إلا تقصيراً، وإما أن يُعجِزَ عن استدامة الزيادة فيُوقِعَ في المَلل.

وقالَ بعضُ الأدباءِ: قليلُ العملِ في طويلِ الزمان أفضل من كثير العمل في قصير الزمان، لأن المستكثرَ من العمل في الزمان القصير قد يعملُ زماناً ويتركُ زماناً، والمُقلِل في الزمان الطويل مستيقظ الافكارِ مستديم التِذكار.

للشعراء رأيهم:.

وقال أبو العتاهية (747 – 826 م ) وهو الشاعر الكبير المبدع والذي انتقل من حياة اللهو والإسراف إلى حياة الزُهد:

ما جاوزَ المرءُ من أطرافهِ طَرَفاً      الِّا تخوَّنهُ النقصان من طرفِ

وقال بعض الحكماء: عند التمام يكونُ النقصانُ، وبقدر السُمُوِّ في الرِفعة تكونُ وجبةُ الوَقعةِ.

وقال الشاعر في هذا المعنى:

إذا تمَّ أمرٌ بدا نقصُهُ       تــوقَّع زوالاً إذا قيلَ تَم

حكم للتاريخ:.

قال الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد لأحمد بن أبي خالد : رأياُ أن أستوزركَ، فقال : إن رأى أميرُ المؤمنينَ أن يُعفيني ويجعل بيني وبين الغايةِ منزلةً يرجوني إليها المولى ويخشاني فيها العدُوُّ، فما بعدَ الغاياتِ إلّا الآفات.

الإمام أبو بكر الطرطوشي من الشخصيات المشهود لها بالعلم والورع والزهد
خير الأمور أوسطها

وقال مُطرف بن عبد الله لابنه وكانَ قد تعبَّدَ: يا بُنيَّ إن الحسَنَةَ بين السيئتين، يعني إن الدينَ بين الإفراط والتقصير، وخيرُ الأمور أوسطها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى