معلومات تاريخية

فاضل الربيعي .. صاحب الثورة في تفسير جغرافية الحدث التوراتي

القبائل التي تم سبيها إلى بابل هي قبائل يمنية لا علاقة لها بفلسطين

توطئة:-

أثارَ المفكِّر والمؤرِّخ العراقي فاضل الربيعي خلال السنوات القليلة الماضية، جدلاً واسعاً في أروقة الأوساط الثقافية وحتى الدينية في العالم العربي، وذلك من خلال تقديمه طرحاً غير تقليدي يتناول المسرح الذي عرضته الرواية التوراتية لقصة بني إسرائيل.

فالربيعي – المولود في بغداد عام 1952 م – سعى لأن يبرهن في مؤلفاته المتعددة على أن جغرافيا الحدث التوراتي عموماً كانت محصورة في مناطق محددة من اليمن وليس في كلٍ من فلسطين ومصر كما هو شائع، مؤكداً على أن بني إسرائيل كانوا بمثابة قبيلة صغيرة من قبائل اليمن القديم.

يقول فاضل الربيعي: إن محاولة إسقاط التاريخ والجغرافيا التوراتية على فلسطين، كان أحد أشكال التلبيس والتدليس الذي اشتركت فيه مدارس اللاهوت والاستشراق والرأسمالية التوسعية، ولربما أيضاً بعض المؤرخين العرب الكلاسيكيين والمعاصرين ممن إنساقوا بغير علم خلف الرواية التي تربط بين بني إسرائيل وما بين الأرض المقدسة المعروفة لدى المسلمين والمسيحيين، أي فلسطين وقلبها النابض، القدس المحتلة.

المفكر فاضل الربيعي
السيرة الذاتية المختصرة للربيعي

مرتكزات أطروحة الربيعي:-

فاضل الربيعي -الذي يجيد اللغة العبرية ويستند إليها عند قراءته النص التوراتي غير  المترجم للعربية-؛ ارتكز في أطروحته المذكورة إلى ما يلي:.

  • النقوش المسندية اليمنية القديمة.
  • النصوص والنقوش الآشورية والتي تتضمن كشوفات بأسماء القبائل المختلفة التي تم سبيها من جزيرة العرب إلى بابل، وهي العملية التي كان ملوك بابل يقومون بها في إطار تأديب أصحاب المناطق التي لا تمتثل لهم.
  • أسماء المواضع المذكورة في التوراة ومطابقتها مع واقعها في اليمن.
  • أسماء المواضع المذكورة في كتاب صفة جزيرة العرب لابن الحائك الهمداني المتوفى عام 334 هجري، والذي يصف فيه عدداً كبيراً من المواضع الواقعة في اليمن والتي تتفق مع ذكرها في العهد القديم.
  • عدم وجود أي دليل أو منطق يربط ما بين مدينة القدس (التي ذُكرت بهذا الاسم لأول مرة بعد العهدة العمرية في عام 15 هجري) واسم قدش الوارد في التوراة قبل 500 عام من الميلاد، والذي هو بمثابة جبل متواجد في اليمن، قائلاً إنه لا يمكن تقديم أي إثبات ديني أو جغرافي أو تاريخي يجعل من أورشليم هي القدس المحتلة التي لا تقع فوق جبل كما يصفها النصُ التوراتي.
فاضل الربيعي
مشهد بانورامي لمدينة القدس خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر
  • التوراة لم تأت على ذكر فلسطين أو الفلسطينيين وإنما الفلشتيم وهم الذين جاءوا عبر البحر (يهود الفلاشا اليوم) والذين ينتمون حالياً إلى إثيوبيا المقابلة لليمن.
  • فشل الاحتلال الصهيوني في اكتشاف أي موضع أثري في فلسطين المحتلة، يبرهن على تواجد بني إسرائيل في هذه الأرض كما يزعم المحتلون.

جبل صهيون وقصة أصحاب الأخدود:-

تناول فاضل الربيعي في كتابه “القدس ليست أورشليم”، موضع جبل صهيون والذي يقول إنه يؤدي إلى نجران من جهة صنعاء، والذي ارتبط اسمه لاحقاً بالحركة الصهيونية التي روَّجت في العصر الحديث لفكرة الوطن القومي لليهود، علما بأن اليهودية هي ديانة اعتنقها أناس ينتمون لاعراق مختلفة من غير بني إسرائيل الذين يؤكد المؤرخ العراقي بأنهم قبيلة يمنية بدائية لم يعد لها أثراً.

وجاء في كتاب الربيعي في سياق حديثه عن هذه القصة ما يلي ” عندما صَعد الملك اليمني اليهودي يوسف بن زرعة بن حمير الأصغر، المعروف عند المؤرخين بذي نواس الحميري إلى عرش اليمن في العام 524 م؛ وذلك بفضل مكيدة انتزع بواسطتها السلطة من يد الأسرة السبئية، سارع على الفور للإعلان عن عودة اليهودية كدين رسمي لليمن برمته، داعيا اليمنيين جميعاً للعودة إلى دين آبائهم وأجدادهم، وهذه الواقعة التي يتفق عليها كل المؤرخين العرب الكلاسيكيين”.

وزاد الربيعي في كتابه المذكور : إثر ذلك؛ قرر ابن زرعة الزحف إلى نجران التي كانت فيها المسيحية حديثة العهد، لكنها آخذة بالتطور السريع المذهل، الأمر الذي أدى لانتشار الكنائس الكبرى فيها.

فاضل الربيعي
لهجات ولغات سادت الجزيرة العربية عموماً واليمن خصوصاً

وقد أدى انتشار المسيحية الشرقية على المذهبين النسطوري والمونوفيزي في نجران، إلى تغذية مشاعر اليمنيين بالعودة إلى اليهودية، بحسب الربيعي الذي يقول إن هذه الظروف أدت إلى نشوء وضع سياسي معقد ساهم في تفاقم التوتر الديني بين العاصمتين اليمينة والنجرانية، وذلك قبل ظهور الإسلام بأكثر من نصف قرن.

ويضيف ” في هذا الوقت، وحينما كان الملك اليمني المتهوِّد يستعد للزحف صوب العاصمة المسيحية في الجنوب الغربي من جزيرة العرب؛ كان الأعشى الهمداني النصراني المتعاطف مع أساقفة نجران؛ يسافر على عجل، ويلتقي أساقفتها من بني كعب من بلحارث، محذراً إياهم من حرب يعد لها يهود اليمن.

وفي اللقاء المذكور؛ قال الأعشى اليمني قصيدته المشهورة التي حذَّر فيها عبد المسيح بن الديان أسقف نجران العظمي وشقيقه ومساعده وراعي كنيسته يزيد قائلاً:

أيا سيديّ نجران لأ أوصينكما ..بنجران خيراً فيما نابها واعتراكما

فإن تفعلا خيراً وترتديا به ..فإنما أهل لذاك كلاكما

وإن تكفيا نجران أمر عظيمة ..فقبلكما ما سادها أبواكما

وإن جلبت صهيون يوماً عليكما ..فإن رحى الحرب الدكوك وحاكما

ويستطرد الربيعي بالقول، إنه بعد ذلك وقع الحادث التاريخي الذي سجله القرآن الكريم في آية الأخدود من سورة البروج، حيث قال الله عز وجل في محكم تنزيله “قُتِلَ أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هُم عليها قعود”، وهي التي سجلت لحظة الاضطهاد اليهودي لنصارى نجران، وحينها تم إلقاء ما يربو على 16 ألف نصراني في أخدود من النار، فكانت محرقة عظيمة لم يعهدها التاريخ من قبل.

إطلالة على إحدى قرى نجران – صحيفة عكاظ

ولذلك، فإن رواة الأخبار القدامى ممن رووا القصة والتي سجلتها وثائق الكنيسة بدقة، كانوا يعرفون جغرافيا الحدث التاريخي، ويعرفون جيداً جبل صهيون الذي هبط منه جنود الملك ذو نواس الحميري، متجهين نحو نجران التي تدعى (ربة) كما ورد في التوراة، في الوقت الذي كان فيه العرب القدامى يطلقون عليها اسم (ربة نجران) ويتحدثون عن كعبتها المسماة (كعبة نجران).

ولذا من غير المنطقي أن يكون جبل صهيون الذي انطلق منه الملك اليهودي، ضمن جغرافيا فلسطين التي لم يشهد تاريخها حدثاً مشابهاً.

محور نظرية فاضل الربيعي:-

تقوم نظرية المفكر والمؤرخ العراقي فاضل الربيعي على أساس نقد الطرح الذي يطابق ما بين أسماء المواضع الجغرافية الواردة في التوراة من جهة، وتلك التي تحتضنها جغرافية فلسطين المحتلة.

ويقول الربيعي في هذا المضمار إن الرواية الإسرائيلية المعاصرة تقوم على أساس واهٍ، وذلك في سياق مساعيها للتأكيد على أن أرض الميعاد اليهودي أو مملكة إسرائيل القديمة التي أقام فيها شعب إسرائيل هي ذاتها فلسطين المحتلة، تلك الفكرة التي يعتقد بأنها انبثقت منها واحدة أخرى من وحي “المخيال الاستشراقي” تسعى لاسقاط اسم أورشليم المذكور بالعهد القديم على مدينة القدس العربية.

مدينة القدس .. مهوى الأفئدة.. القرن التاسع عشر
مدينة القدس .. مهوى الأفئدة.. القرن التاسع عشر

ومن هنا، يقدم الربيعي مجموعة من الإثباتات التي تبدد تلك المزاعم، والتي تصب باتجاه أن فلسطين المحتلة؛ لم تعهد يوماً ما تلك الأرض التي وصفتها التوراة، وهذا ما ينسحب على حالة مدينة القدس التي لا علاقة لها بأورشليم التي جاء الكتاب المقدس على ذكرها.

موقعان مختلفان:-

لا بل إن التنص التوراتي؛ يميز بين مكانين منفصلين لا صلة بينهما، يدعى أحدهما قَدَش، فيما يسمى الآخر أورشليم، وهما موضعان لا رابط بينهما على مستويي الجغرافيا والثقافة الدينية، فالأول تصفه التوراة بكونه جبل شامخ تم تقديسه (تطهيره) أو تحريمه، أما الثاني (أورشليم)؛ فاسم مدينة تتكرر في مواقع مختلفة من النص التوراتي الذي يميز بين المكانين.

ويزيد ” وهذا يعني أن شعب بني إسرائيل القديم، وهو من الشعوب العربية البائدة، وطبقاً للرواتية التوراتية؛ عرف مدينة باسم أورشليم، كما عرف مكاناً آخر باسم قدَش، وهما موضعان جبليان لا يتفقان مع جغرافيا فلسطين، لا بل أن الفضاء الجغرافي القديم الوحيد في المنطقة الذي عرف أسماء تلك الأماكن هو في اليمن ( الأرض الممتدة ما بين وادي الرمة وحتى جنوب مدينة تعز)، وهو ما يفسر لنا مغزى وجود أسماء مدن يمنية وأسماء قبائل وشعوب عربية بائدة في قصص التوراة، مثل عدن، وحضرموت، ووادي الرمة”.

فاضل الربيعي
إطلالة جوية حديثة على مدينة تعز

ويلفت الربيعي أيضاً إلى أن وصف التوراة الدقيق لجبل قَدَش من النوع الذي لا يقبل التأويل، إذ أنه وصفٌ واضح لجبل وليس لمدينة، وهو يشير في الوقت ذاته إلى جبل بعينه وإلى موضعين آخرين، لا يُدعى أي منهما “أورشليم”، وهذا ما لا ينطبق على وصف القدس العربية، وذلك لأن النصَّ يتحدث عن جبل شامخ وليس عن مدينة.

جبل صهيون:-

المدهش أن النص التوراتي يتحدث عن سقوط أورشليم بعد أن هاجمها الملك داود من جبل يدعى جبل صهيون، وأن داود أطلق اسمه على الجبل – الحصن الذي استولى عليه، فصار اسمه مدينة داود.

ويقول النص التوراتي في هذا الصدد (واستولى الملك ورجاله على أورشليم يبوسي وطرد سكانها من الأرض، وأخذ داود الملك حصن صيون، فأصبح اسمه مضارب داود).

ويلفت الربيعي إلى أن الجغرافيين العرب ومن سبقهم من الإغريق؛ لم يذكروا بتاتاً اسم جبل في جنوب سورية يدعى جبل صهيون، كما لم يأتوا على ذكر أي شيء عن بلاد تدعى “اليهودية” قامت في أي وقت فوق أرض فلسطين.

الرحالة المقدسي يصف القدس خلال القرن العاشر الميلادي

وفي النص التوراتي المذكور أعلاه؛ قام داود بالاستيلاء على مدينة تدعى بيت بوس، لكنها كانت أورشليم سابقاً أي مدينة مسالمين آمنين متدينين، ما يعني قطعاً أن أورشليم ليس هي القدس أو قدش، كما يؤكد النص وجودها في موقع قريب من جبل صهيون (صيون والهاء الوسطية حرف صوتي كما في كلام أهل اليمن: يريق الماء – يهريق الماء)، ما يؤكد أيضاً بأن القدس العربية لا تقع قرب جبل صهيون – صيون، ولم تُدعَ عبر تاريخها باسم بيت بوس أو أورشليم.

ويؤكد الربيعي أن الجبل المذكور، هو جبل شامخ في اليمن تغنى به الشعر الجاهلي مرتبطاً بمنطقة نجران، وهو جبل منيع يوصل جبال السراة بنجران في سرو حمير إلى الشرق من صنعاء، واليمنيون يقولون في المأثور الشعبي (كل بوسي يهودي، وكل يهودي بوسي).

بيت بوس وأورشليم والقدس:-

تناول فاضل الربيعي نص صمويل ونصوصاً توراتية أخرى تتحدث عن وصف مدينة أورشليم وجغرافيتها الجبلية بدقة متناهية، والتي تحيط بها سلسلة الوديان والجبال، وهو ما يتنافى مع جغرافية القدس المعروفة التي لا تؤدي إلى حصن جبلي منيع يدعى صهيون.

وقد اقتبس الربيعي من كتاب “صفة جزيرة العرب” لابن الحائك الهمداني ما يلي : “بيت بوس ينسب إلى القيل اليمين ذي بوس (ذي بواس) بن شراحيل، حصن منيع وواد فيه بعض الفواكه ويقع إلى الغرب الجنوبي من صنعاء بمسافة ساعتين”.

وصف متأخر نسبياً لمدينة صنعاء من قبل الرحالة ابن حوقل

وفي التوراة ما يؤكد رواية الهمداني الذي وصف بيت بوس بكونها مدينة آمنة حصينة أي أنها “أورشليم”، بمعنى المدينة التي تعيش آمنة، متنعمة بسلام من خطر الأعداء، وذلك بفضل تواجدها في مكان جبلي وعر وقاسٍ يصعب اختراقه واقتحامه.

ويجدد فاضل الربيعي التأكيد هنا على فشل التوراتيين في مساعيهم الرامية للمطابقة بين بيت بوس ويابوس وهي القرية الصغيرة الواقعة في ضواحي دمشق، لأن يابوس لا تؤدي إلى القدس العربية ولا تتصل بسلسلة جبلية تفضي إلى جبل صهيون.

ويقول النص التوراتي هنا “واستولى الملك ورجاله على أرض اليبوسيين وأخذ الحصن”، ويقابله نص الهمداني “بيت بوس حصن منيع ووادٍ”.

جبل قدش:-

يذكر النص التوراتي (سفر يشوع) موضع جبل قدش – قدس على النحو التالي “وكانت المرتفعات لسبط يهوذه ولعشائرهم، قابل أدم من سفوح ضين، وجنبيّ، ومن أقصاها تيمن، وكان لهم القابل من نجب من أقصى يام، والملح. ومن لسن مواجهاً الجنوب، وتخرج إلى جنب على المعلاة وعقربيم، فتجتاز صنه وتصعد من جنب إلى قدس، وبرنع ، وعبر وحضر فتصعد أدره”.

صلة القدس بالنقب:-

ويجزم الربيعي على أن هذا النص الذي سجله النبي يشوع لمكان يسمى قدش-قدس؛ يتسق ويتطابق كلياً مع وصف الهمداني للمكان نفسه والأسماء ذاتها، فقدس في كتاب “ًصفة جزيرة العرب” تتصل بسراة جبلية وعرة محاطة بمجموعة من الوديان العميقة، كما يتصل هذا الجبل المبارك بسراة جبلية تدعى (نجب) وبسلسلة من الوديان منها وادي حضر ووادي ءدره وجبل يام، قرب أحد مصبات وادي الملح.

وفي هذا الباب؛ ختم فاضل الربيعي بالقول إن علينا أن نلاحظ بأن قدش- قدس برنيع، الوارد ذكرها في نص يشوع، تقع في سلسلة جبلية تدعى “ها –نجب” والتي تم ترجمتها بتلاعب واضح لتصبح النقب وهي المنطقة الصحراوية الواقعة جنوبي فلسطين والتي لا تتصل أبداً بالقدس العربية، بينما المقصود من “ها – نجب” سلسلة الجبال الممتدة من تهامة ونجران حتى منطقة الجوف، حيث يقع جبل يام ووادي الملح.

إثباتات أخرى:-

هذه المواضع جاءت في وصف الهمداني الذي قال” .. ثم وادي بيض، ومآتيه من سراه جنب وجميع ما بين عدن ووادي تخلة من أرض شرعب التي تنتهي إلى البحر، والثاني من أودية السكاسك، وادي أديم وجبال ذات السريح (ذات الصريح من المعافر) ثم في قدس”.

ومن بيت أشعار كثير عزة التي تشير بشكل أو بآخر إلى موضع قدس قوله:

فكأنه إذ يغتذي متنسِّماً ..وهداً فوهداً ناعق برئال

كالمضرحي عدا فأصبح واقعاً..من قدُس فوق معاقل الأوعال

ابن بطوطة يصف مزايا مدينة عدن وذلك بعد قرون طويلة من الحدث التوراتي

السبي البابلي:-

تسعى الأدبيات الإسرائيلية- اليهودية- الصهيونية إلى احتكار الفاجعة.. هكذا يقول الربيعي، الذي يقدم نصوصاً ونقوشاً تتحدث عن أن عملية السبي التي قام بها الملك البابلي نبوخذ نصر لم تقتصر على القبائل اليهودية وإنما شملت عدداً كبيراً من القبائل التي كانت تعوق وصول خطوط الإمبراطورية الآشورية الواصلة إلى مواطن البخور في اليمن وهي السلعة التي كانت تستخدم على نطاق واسع آنذاك، لأغراض تأدية الطقوس الدينية.

البخور كان السلعة الأكثر أهمية في العالم القديم
البخور كان السلعة الأكثر أهمية في العالم القديم – جواد علي يتحدث عن جزيرة سقطرى التابعة لليمن

ويقول فاضل الربيعي أيضاً إن السبي الذي كان أمراً معتاداً من قبل حكام العراق القديم للقبائل المناوئة لهم؛ كان لمجموعة من القبائل المنتمية لليمن والتي كانت خارج سيطرة السلطة البابلية المركزية نتيجة وجود حاجز طبيعي صحرواي هائل المساحة يفصل بين العراق واليمن، وذلك في الوقت الذي كانت تعتبر فيه بلاد الشام عموماً وفلسطين خصوصاً تحت الحكم الآشوري المركزي حكماً.

تفيد الرواية التوراتية وتلك المتبناة من قبل المستشرقين وعلماء الآثار وشريحة واسعة من المؤرخين الأجانب وحتى العرب، بأن عملية السبي البابلي كانت قد استهدفت القبائل اليهودية دون سواها.. بحسب الربيعي.

فالسبي البابلي الأول قام به نبوخذ نصر الكلداني عام 597 قبل الميلاد، وبموجبه أقدم الأخير على إجلاء اليهود من فلسطين إلى بابل وذلك لرفضهم دفع الجزية، أما الثاني فقد كان عبره أيضاً وذلك سنة 586 قبل الميلاد (دون خوضنا في تفاصيل مملكتي الشمال والجنوب وعمليات السبي السابقة التي قام بها القائدان الآشوريان سرجون وسنحاريب).

نبوخذ نصر أحد أعظم ملوك العراق القديم
نبوخذ نصر أحد أعظم ملوك العراق القديم

لكن فاضل الربيعي يقول في كتابه “حقيقة السبي البابلي” إن هذه الروايات غير صحيحة وذلك من حيث حصرها لعملية السبي على القبائل اليهودية، أو من حيث موضع حصولها في فلسطين، أو مبرراتها المتمثلة في رفض دفع الجزية، أو نتيجة تحالف مملكة يهوذا مع المصريين.. إلخ.

قبائل تم سبيها:-

وهنا، يستعرض الربيعي لائحة لأسماء القبائل العربية اليهودية المشمولة في عملية السبي البابلي، وهي القائمة التي جرى إعدادها وذلك في العام الأول لسقوط بابل (540 قبل الميلاد) على يد الملك الفارسي كورش (قورش) الذي قرر إعادة السبي من القبائل إلى مدنه وقراه وتخليص أبناء تلك القبائل من العبودية.

وتناول الربيعي القائمة التي أعدها عزرا النبي للأسرى من القبائل اليهودية اليمنية التي كانت في بابل، والتي تميط اللثام عن أسماء قبائل لا علاقة لها بفلسطين على الإطلاق، إنما هي وطيدة الصلة باليمن.

بابل زمن فاضل الربيعي
بابل كانت تقريباً أهم مدينة عرفها العالم آنذاك

ويقول الربيعي إنه في حالة ضبط هذه القائمة من الأسماء في سياق إعادة تحديد المواطن التاريخية الحقيقية للقبائل والجماعات المنفية والعائدة إلى موطنها بموجب مرسوم كورش؛ سنصل إلى نتيجة مؤكدة مفادها إن الذين تعرضوا للسبي كانوا من القبائل العربية اليهودية التي وجدت نفسها في يوم ما من التاريخ البعيد؛ في مواجهة دامية ومتواصلة مع الإمبراطورية البابلية – الآشورية (الوثنية).

ويروي الربيعي أن جل عملية السبي البابلي جرت في سراة اليمن لا في فلسطين، مستعيناً بالقائمة التي سجلها عزرا النبي والتي تضم أسماء وأنساب الأسرى من أبناء القبائل والتي تشير بشكل لا يقبل التأويل إلى أصول تلك القبائل البدوية التي دان بعضها بدين بني إسرائيل في اليمن القديم، وقد جرى أسرها ونفيها من أوطانها وذلك في سياق حملات حربية متتابعة، قامت بها الإمبراطورية الآشورية لأغراض بسط هيمنتها على سواحل البحر الأحمر.

الترجمة العربية للنص العبري لرواية عزرا:-

“وهؤلاء، أبناء البلاد ممن صعدوا من السبي، والنفي الذي قام به نبوخذ نصر ملك بابل إلى بابل، عادوا إلى أورشليم ويهوده. كل إنسان إلى منزله.. والذين جاءوا مع زُر ببل هم : يشوع ونحميه، وشريه، ورعليه، ومردك، وبلشن- بلسن، ومسفر، وبجاي، وبعنه..”.

عزرا خلال قيادته قومه - الربيعي
عزرا خلال قيادته قومه – رسم يعود إلى منتصف القرن الثامن عشر

ثم يضيف النص التالي ” ومن بن القبائل العائدة من السبي، كان هناك بنو جبر وهم خمسة وتسعون نفراً، وبنو بيت لحم – لخم : مئة وثلاث وعشرون نفراً، وبنو حريشه، وكروب وأذن وأمير”.. وبعض هؤلاء بحث في كتاب أنسابه فلم يُعثر له على دليل يؤيد انتسابه الصريح إلى بني إسرائيل، ولذلك تم استبعادهم من سلك الكهنة واعتبروا غرباء، فعاش بعضهم في بابل إلى الأبد مندمجاً مع السكان، ومع ذلك، فقد تم السماح لبعضهم الآخر بالعودة ضمن القائمة.

يقول الربيعي: إن النص العبري لقائمة نحميا (نحميه) الثانية تورد أسماء القبائل العربية العائدة وهم “بنو صيحه، بنو حسفه، بنو رصين –رضين، بنو ناصح، وبنو حجاب، وبنو عبيد، وبنو شلمة – سلمه، وبنو شعرئيم (الشعراء) وبنو حشم” وهي قبائل معروفة في اليمن لا في غيرها.

واستعرض الربيعي أسماء تلك القبائل المذكورة في النصين وما بين ما أورده الهمداني في كتابه الشهير ” صفة جزيرة العرب”.

حديث الهمداني عن أسماء القبائل ومواضع سكناها:-

*بنو جبر : (قديماً في سرو حِمير سوية مع بني أذان وهم من يافع جنوب اليمن، كما أقاموا في خولان العالية).

*بنو لحم – لحم : في وادي صيحان من أرض اليمن، وأقام بطن من اللخميين في العراق، حيث أسسوا مملكة الحيرة الشهيرة.

اليمن كان الشطر الأكثر إزدهاراً في الجزيرة العربية برمتها - فاضل الربيعي
اليمن كان الشطر الأكثر إزدهاراً في الجزيرة العربية برمتها

*بنو حريشه- حريش: أقاموا في منطقة الفلج على مقربة موقعين شهيرين وردا في التوراة، وهما مسيل مياه أون ووادي الشكول – ء شكول.

*بنو صيحة: أقاموا في موضع يحمل الاسم نفسه في الجوف اليمني بمحاذاة سلسلة مواضع شهيرة في التوراة، ومنها وادي صيد- صيده وبيت بوس، ومن غير شك، بحسب كلام الربيعي، فإن وجود بني صيحة كان بالقرب من أورشليم اليمنية التي عادوا إليها من السبي البابلي، يعتبر أمراً مذهلا لجهة تطابقه مع وصف الهمداني.

*بنو حسفه: أقاموا في واد من أهم أودية خولان، يعرف بالاسم نفسه قرب سلسلة من الوديان والجبال التي سجلتها أسفار التوراة كأسماء منازل للأسبط مثل حجلة وصرَع وأدير وعاشر وسحر.

*بنو ناصح: أقاموا إلى جوار بني حريش بمحاذاة وادي الرمة.

وهكذا يستمر الربيعي في مطابقة أسماء القبائل الواردة في النصوص التوراتية مع واقعها الجغرافي المتعارف عليه منذ ما قبل عهد الهمداني.

من الجدير ذكره بأن اليمنيين القدماء كانوا ينطقون الحاء المهملة خاءً مُعجمة كما عند اليهود اليوم.

من هو الربيعي ؟

فاضل الربيعي مفكر ومؤرخ وكاتب من العراق، وُلِدَ في مدينة بغداد سنة 1952 م، ونشط في الميادين الأدبية والفكرية والسياسية منذ مطلع شبابه، وامتاز هذا النشاط بالتنوع والجدية، ولفت إليه اهتمام وأنظار أبناء جيله؛ وذلك بفضل الطابع الخاص للكثير من مؤلفاته التي زاوج فيها بين الأدب والتاريخ والأسطورة والسياسة.

تنقل بين عدد من الدول العربية والغربية، وهو مقيم في المغرب في الوقت الراهن.

أشهر كتب الربيعي:.

  • فلسطين المتخيلة.
  • القدس ليست أورشليم.
  • حقيقة السبي البابلي.
  • المسيح العربي.
  • إرم ذات العماد.
  • شقيقات قريش.
  • الشيطان والعرش.
  • يوسف والبئر.. والقائمة تطول من الكتب.

 من هو الهمداني؟

الحسن بن أحمد بن يعقوب، أبو محمد الهَمْداني، العالم الموسوعة، من أهل اليمن، وُلِدَ بصنعاء، 19 صفر، سنة 280هـ وتوفي عام 334 هجري، وأقام على مقربة من صنعاء وذلك في بلدة رَيْدة.

أما تلقيبه بابن الحائك؛ فلم يكن أبوه حائكاً، ولا أحد من أهله، ولا في أصله حائك؛ وإنما هو لقب لمن يشتهر بقول الشعر، وكان جده سليمان بن عمرو المعروف بذي الدُّمينة شاعراً؛ فسُمِّي حائكاً؛ لحوكه الشعر.

الهمداني .. شخصية حازت على احترام كبير

ابن الحائك عالم متعدد المعارف، استوعب شطراً من علوم عصره، وبرع في جملة من تلك العلوم؛ منها: الأدب والنحو، والتاريخ، والأنساب، والجغرافية وعلوم الأرض، والفلك، والفلسفة.

وقال عنه الخزرجي: “هو الأوحد في عصره، الفاضل على من سبقه، المبرز على من لحقه؛ لم يولد في اليمن مثله علماً وفهماً، ولساناً وشعراً، وروايةً وفكراً، وإحاطة بعلوم العرب؛ من النحو واللغة والغريب والشعر والأيام والأنساب والسير والمناقب والمثالب؛ مع علوم العجم من النجوم والمساحة والهندسة والفلك”.

صفة جزيرة العرب للهمداني:-

يعتبر ابن الحائك جغرافياً رائداً في البحث والتنقيب؛ فقد أفاد علم الجغرافية بنظرياتها المبتكرة، حيث رصد في كتابه «صفة جزيرة العرب» ما رصده عن رؤية ومشاهدة وملاحظة شخصية، ولاسيما ما يخصُّ جنوبي الجزيرة العربية، فكانت دراسته في ذلك الكتاب دراسة ميدانية، قام بها بنفسه، ومما يثير الإعجاب أنه تمكن من فك رموز الكتابة العربية القديمة في جنوبي الجزيرة العربية.

المؤرخ العراقي الكبير المرحوم جواد علي يشيد بمنهجية عمل الهمداني
المؤرخ العراقي الكبير المرحوم جواد علي يشيد بمنهجية عمل الهمداني

يعتبر كتابه أوثق دراسة قديمة وأوفاها عن الجزيرة العربية، من الناحية الجغرافية، ضمَّنه معلومات عن الظواهر الطبيعية للجزيرة العربية، وسكانها، ومحصولاتها الحيوانية والنباتية والمعدنية، ومعابرها البرية والبحرية، استخرج بعض الحقائق الجغرافيَّة من دواوين الشعراء عند الأقدمين.

استفادة الربيعي من طرح كمال الصليبي:-

في كل لقاء تلفزيوني تقريباً أجراه الربيعي؛ كان يؤكد على أن المؤرخ اللبناني المرحوم كمال الصليبي، هو أول من شرع في التفكير بهذه النظرية، خصوصاً حينما طرح كتابه الشهير “التوراه جاءت من جزيرة العرب” وذلك بمنتصف ثمانينيات القرن الماضي.

ولم يقتصر الهجوم على الكتاب وصاحبه اللبناني من قبل وسائل الإعلام والدوائر الأكاديمية الغربية والصهيونية حينما رأى النور فحسب، بل تجاوزه إلى دخول مؤرخين وكتاب وصحافيين عرب إلى دائرة الهجوم، وذلك على الرغم من أن الصليبي أكد على أن حديثه عن منطقة عسير لا يعني دعوةً لتعريض موضع عربي آخر للاحتلال بدلاً من فلسطين.

حديث الصليبي عن أن مسرح الحدث التوراتي لم يكن في المنطقة الواقعة بين كل من فلسطين المحتلة ومصر، وإنما في منطقة عسير (جنوبي السعودية حالياً)؛ لقي دعما من قبل الربيعي، لكن الأخير توسع أكثر من سابقه في هذا البحث، وخالفه في تحديد الموضع الجغرافي للحدث التوراتي الذي يراه المؤرخ العراقي محصوراً في مناطق معينة من اليمن.

المرحوم كمال الصليبي
المرحوم كمال الصليبي

نظرية واسعة لفاضل الربيعي:-

لا يمكن لهذه الأسطر القليلة أن تغطي كامل أوجه النظرية التي جاء بها الربيعي أو تفيها حقها، وهي التي تعتبر بحق ثورة في مواجهة السرد التاريخي الكلاسيكي المتعارف عليه لقصة بني إسرائيل.

والربيعي في كتبه الكثيرة؛ تبحر في إرفاق بنود نظريته بالدلائل التي تعزز صحتها، داعياً المؤسسات العربية والإسلامية إلى إعادة النظر بقراءة التاريخ الذي لا يعني أبداً توجيه أنظار الاحتلال الإسرائيلي صوب اليمن عوض فلسطين، لأن هذا الاحتلال جاء لأهداف رأسمالية إمبريالية لا علاقة لها بالدين أو النسب أو الجغرافيا، فأبناء إسرائيل هم بمثابة قبيلة عربية بائدة، بينما اليهودية ديانة اعتنقها أناس ينتمون إلى أعراق متعددة ولا شأن لهم بتاريخ المنطقة وأعراقها.

ابن بطوطة خلال زيارته لبعض مدن فلسطين - فاضل الربيعي
ابن بطوطة خلال زيارته لبعض مدن فلسطين

تعرف أكثر على محمد عابد الجابري .. المفكر العربي الكبير

المصادر:-

كتب الدكتور فاضل الربيعي المشهورة ولقاءاته التلفزيونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى