أعلامانفوجرافيكس

فاتك المجنون .. ممدوح المتنبي

كان كريم النفس، جواداً، بعيد الهمة، شجاعاً، كثير الإقدام.

من هو فاتك المجنون ؟

فاتك الكبير، أبو شجاع الرومي الإخشيدي، المعروف بالمجنون، ممدوح المتنبي، وهو رومي الأصل، أُخِذَ صغيراً هو وأخوه وأخته من بلد الروم من موضع قرب حصن ذي الكلاع، فتعلم الخط بفلسطين، وبعد ذلك أخذه الإخشيد من سيده بمدينة الرملة كرهاً بلا ثمن، فأعتقه صاحبه، وكان معهم حراً في عدة المماليك.
كان من صفات فاتك المجنون أنه كريم النفس، جواداً، بعيد الهمة، شجاعاً، كثير الإقدام؛ ولذلك قيل له المجنون.

المقدسي يتحدث عن الرملة التي كانت في عهده أكبر مدن فلسطين
المقدسي يتحدث عن الرملة التي كانت في عهده أكبر مدن فلسطين

اتصال فاتك المجنون بكافور الإخشيدي والمتنبي:-

كان رفيقاً لكافور في خدمة الإخشيد، فلما مات مخدومهما وتقرر كافور في تربية ابن الإخشيد، كَرِهَ فاتك الإقامة بمصر؛ كيلا يكون كافور أعلى رتبة منه، مما يضطره لخدمته، وهو الأعظم مع طيش وخفَّة وحبورة، وكان كافورٌ عاقلاً سيوساً؛ فكان كلَّما تزايد أمر كافور وعظم يزيد جنون فاتك وحسده، فلا يلتفت كافور إليه، بل يدرّ عليه الإحسان ويراعيه إلى الغاية.

وكان الفيُّوم إقطاع فاتك المجنون، فاستأذن فاتكٌ كافوراً أن يتوجّه إلى إقطاعه بالفيُّوم ويسكن هناك؛ حتى لا يرى عظمة كافور؛ فأذن له كافور في ذلك وودّعه؛ فخرج فاتك إلى الفيُّوم، واتخذها سكناً له، ولكن طبيعة البلاد لم تناسب صحة جسمه.

وكان كافور يخافه ويكرمه ويداريه؛ فزعاً منه وفي نفسه منه ما فيها، فاستحكمت العلة في جسم فاتك؛ بسبب طبيعة البلاد التي سكنها، وأحوجه ذلك إلى دخول مصر للمعالجة.

دخل مصر ليتداوى بها، وكان فيها آنذاك أبو الطيب المُتَنبِي، حيث كان في ضيافة كافور، وكان يسمع بكرم فاتك وكثرة سخائه، غير أنه لم يقدر على مدحه؛ خوفاً من كافور، وفي ذلك الوقت كان فاتك يسأل عن المتنبي ويراسله، ثم التقيا في الصحراء مصادفةً من غير ميعاد، وجرى بينهما مفاوضات.

فلما رجع فاتك المجنون إلى داره حمل لأبي الطيب هدية قيمتها ألف دينار، ثم أتبعها بهدايا بعدها، فاستأذن المتنبي كافوراً في مدحه فأذن له وفي نفسه شيءٌ من فاتك، فمدحه بقصيدته المشهورة التي يقول فيها:

لا خَيلَ عِندَكَ تُهديهــا وَلا مالُ.. فَليُسعِدِ النُطقُ إِن لَم تُسعِدِ الحالُ

وَاِجزِ الأَميرَ الَّذي نُعمـاهُ فاجِئَةٌ.. بِغَيرِ قَولِ وَنُعمى النـاسِ أَقـوالُ

فَرُبَّما جَزِيَ الإِحســانَ مولِيَهُ.. خَريدَةٌ مِن عَذارى الحَيِّ مِكســالُ

وَإِن تَكُن مُحكَماتُ الشُكلِ تَمنَعُني.. ظُهورَ جَريٍ فَلي فيهِنَّ تَصهالُ

وَما شَكَرتُ لِأَنَّ المـالَ فَرَّحَني.. سِيّانَ عِندِيَ إِكثــارٌ وَإِقــلالُ

لَكِن رَأَيتُ قَبيحاً أَن يُجادَلَنـــا.. وَأَنَّنا بِقَضاءِ الحَقِّ بُخّـــالُ

فَكُنتُ مَنبِتَ رَوضِ الحُزنِ باكَرَهُ.. غَيثٌ بِغَيرِ سِباخِ الأَرضِ هَطّالُ

غَيثٌ يُبَيِّنُ لِلنُظَّـــارِ مَوقِعُـــــهُ.. أَنَّ الغُيوثَ بِما تَأتيـــهِ جُهَّـــالُ

لا يُدرِكُ المَـــجدَ إِلّا سَيِّدٌ فَطِنٌ.. لِما يَشُقُّ عَلى الساداتِ فَعّالُ

لا وارِثٌ جَهِلَت يُمناهُ ما وَهَبَت.. وَلا كَسوبٌ بِغَيرِ السَيفِ سَئـالُ

قالَ الزَّمــــانُ لَهُ قَولاً فَأَفهَمَهُ.. إِنَّ الزَّمـــانَ عَلى الإِمساكِ عَذّالُ

تَدري القَناةُ إِذا اِهتَزَّت بِراحَتِـهِ.. أَنَّ الشَقِيَّ بِها خَيلٌ وَأَبطالُ

كَفاتِكٍ وَدُخولُ الكافِ مَنقَصَـةٌ.. كَالشَمسِ قُلتُ وَما لِلشَمسِ أَمثـالُ

القائِدِ الأُســدَ غَذَّتها بَراثِنُــهُ.. بِمِثلِها مِن عِداهُ وَهيَ أَشبالُ

القاتِلِ السَيفَ في جِسمِ القَتيلِ بِهِ.. وَلِلسُيوفِ كَما لِلناسِ آجـــالُ

تُغيرُ عَنهُ عَلى الغـاراتِ هَيبَتُهُ.. وَمالُهُ بِأَقاصي الأَرضِ أَهمــالُ

لَهُ مِنَ الوَحشِ ما اِختارَت أَسِنَّتُــهُ.. عَيرٌ وَهَيقٌ وَخَنســاءٌ وَذَيّالُ

تُمسي الضُيوفُ مُشَهّــاةً بِعَقوَتِهِ.. كَأَنَّ أَوقاتَهــا في الطيبِ آصالُ

لَوِ اِشتَهَت لَحمَ قاريها لَبادَرَها.. خَرادِلٌ مِنهُ في الشيزى وَأَوصالُ

لا يَعرِفُ الرُزءَ في مالٍ وَلا وَلَدٍ.. إِلّا إِذا حَفَزَ الأَضيـافَ تَرحالُ

يُروي صَدى الأَرضِ مِن فَضلاتِ ما شَرِبوا.. مَحضُ اللِقاحِ وَصافي اللَونِ سَلسالُ

تَقري صَوارِمُهُ الساعاتِ عَبطَ دَمٍ.. كَأَنَّمــا الساعُ نُزّالٌ وَقُفَّـــالُ

تَجري النُفــوسُ حَوالَيهِ مُخَلَّطَةً.. مِنها عُـداةٌ وَأَغنــــامٌ وَآبــالُ

لا يَحرِمُ البُعدُ أَهــلَ البُعدِ نائِلَهُ.. وَغَيرُ عاجِزَةٍ عَنهُ الأُطَيفــالُ

أَمضى الفَريقَينِ في أَقـرانِهِ ظُبَةً.. وَالبيضُ هادِيَةً وَالسُمرُ ضُـلَّالُ

يُريكَ مَخبَرُهُ أَضعافَ مَنظَرِهِ.. بَينَ الرِجالِ وَفيهــا الماءُ وَالآلُ

وَقَد يُلَقِّبُــهُ المَجنونَ حاسِــــدُهُ.. إِذا اِختَلَطنَ وَبَعضُ العَقلِ عُقّــالُ

يَرمي بِها الجَيشَ لا بُدٌّ لَهُ وَلَهـا.. مِن شَقِّهِ وَلَوَ أَنَّ الجَيشَ أَجبــالُ

إِذا العِدى نَشِبَت فيهِم مَخالِبُــهُ.. لَم يَجتَمِع لَهُمُ حِلمٌ وَرِئبـــالُ

يَروعُهُم مِنهُ دَهرٌ صَرفُهُ أَبَــداً.. مُجاهِرٌ وَصُروفُ الدَهرِ تَغتــالُ

أَنــالَهُ الشَرَفَ الأَعلى تَقَدُّمُــهُ.. فَما الَّذي بِتَوَقّي ما أَتى نالوا

إِذا المُلوكُ تَحَلَّت كانَ حِليَتَــهُ.. مُهَنَّدٌ وَأَضَمُّ الكَعبِ عَسَّــالُ

أَبو شُـجاعٍ أَبو الشُجعـانِ قاطِبَةً.. هَولٌ نَمَتهُ مِنَ الهَيجـاءِ أَهــوالُ

تَمَلَّكَ الحَمدَ حَتّى ما لِمُفتَخِــرٍ.. في الحَمدِ حــاءٌ وَلا ميـمٌ وَلا دالُ

عَلَيهِ مِنهُ سَرابيلٌ مُضاعَفَــةٌ.. وَقَد كَفاهُ مِنَ الماذِيِّ سِــربالُ

وَكَيفَ أَستُرُ ما أولَيتَ مِن حَسَنٍ.. وَقَـد غَمَرتَ نَوالاً أَيُّــها النَّــالُ

لَطَّفتَ رَأيَــكَ في بِرّي وَتَكرِمَتي.. إِنَّ الكَريمَ عَلى العَلياءِ يَــحتالُ

حَتّى غَدَوتَ وَلِلأَخبَــارِ تَجوالُ.. وَلِلكَواكِــبِ في كَفَّيكَ آمــالُ

وَقَد أَطالَ ثَنائي طولُ لابِسِــهِ.. إِنَّ الثَناءَ عَلى التِنبالِ تِنبــالُ

إِن كُنتَ تَكبُرُ أَن تَختالَ في بَشَـرٍ.. فَإِنَّ قَدرَكَ في الأَقــدارِ يَختَالُ

كَأَنَّ نَفسَكَ لا تَرضاكَ صاحِبَها.. إِلّا وَأَنتَ عَلى المِفضالِ مِفضالُ

وَلا تَعُدُّكَ صَوّاناً لِمُهجَتِهـــا.. إِلّا وَأَنتَ لَهــا في الرَّوْعِ بَـذَّالُ

لَولا المَشَــقَّةُ سادَ النَّــاسُ كُلُّهُــمُ.. الجــودُ يُفقِرُ وَالإِقدامُ قَتَّـــالُ

وَإِنَّــما يَبلُغُ الإِنســـانُ طاقَتُــهُ.. ما كُلُّ ماشِيَةٍ بِالرَحلِ شِمــلالُ

إِنّا لَفي زَمَنٍ تَركُ القَبيــحِ بِهِ.. مِن أَكثَرِ الناسِ إِحسانٌ وَإِجمــالُ

ذِكــرُ الفَتى عُمرُهُ الثاني وَحاجَتُـهُ.. ما قاتَــهُ وَفُضولُ العَيشِ أَشغالُ

فحقد كافور الإخشيدي على المتنبي لذلك، وفطن المتنبي بعدوانه، فخرج من مصر هارباً، وكان هذا سبباً لهجو المتنبي كافوراً بعد أن كان مدحه بعدِّة مدائح.

وفاته:-

توفي فاتك المجنون في مصر، يوم الأحد، 11 شوال، سنة 350هـ، فرثاه المتنبي -وكان قد خرج من مصر- بأبيات مشهورة، قال فيها:

الحُــزنُ يُقلِقُ وَالتَجَمُّلُ يَـــردَعُ.. وَالدَمـــعُ بَينَهُمـا عَصِيٌّ طَيِّــــعُ

يَتَنازَعــانِ دُموعَ عَينِ مُسَهَّــدٍ.. هَذا يَجـــيءُ بِهـا وَهَذا يَرجِـــــعُ

النَــــومُ بَعدَ أَبي شُجاعٍ نافِـــرٌ.. وَاللَيلُ مُعــيٍ وَالكَواكِبُ ظُلَّـــــعُ

إِنّــي لَأَجبُنُ مِن فِراقِ أَحِبَّتـــي.. وَتُحِـسُّ نَفسي بِالحِمامِ فَأَشجَعُ

وَيَزيدُني غَضَبُ الأَعادي قَسـوَةً.. وَيُلِمُّ بـي عَتبُ الصَديقِ فَأَجـزَعُ

تَصفو الحَياةُ لِجاهِلٍ أَو غافِـــلٍ.. عَمّـا مَضى فيهــــا وَما يُتَوَقَّـــعُ

وَلِمَن يُغالِطُ في الحَقائِقِ نَفسَهُ.. وَيَسومُها طَلَبَ المُحالِ فَتَطمَـعُ

أَيـنَ الَّذي الهَرَمانِ مِن بُنيانِـــهِ.. ما قَومُهُ ما يَومُهُ مـا المَصـــرَعُ

تَتَخَلَّفُ الآثـــارُ عَن أَصحابِهــا.. حيناً وَيُدرِكُهــــا الفَناءُ فَتَتبَـــــعُ

أَيَموتُ مِثلُ أَبي شُجاعٍ فاتِـــــكٌ.. وَيَعيشُ حاسِدُهُ الخَصِيُّ الأَوكَعُ

ورثى المتنبي فاتك المجنون بقصيدة أخرى تحدث فيها عن خروجه من مصر، حيث قال فيها:

حَتّامَ نَحنُ نُساري النَجمَ في الظُلَمِ.. وَما سُـراهُ عَلى خُفٍّ وَلا قَـدَمِ

لا فاتِكٌ آخَــرٌ في مِصرَ نَقصِـدُهُ.. وَلا لَهُ خَلَفٌ في النــاسِ كُلِّهِــمِ

مَن لا تُشابِهُهُ الأَحياءُ في شِيَــمِ.. أَمسى تُشابِهُهُ الأَمواتُ في الرِمَمِ

عَـــدِمتُهُ وَكَأَنّي سِــرتُ أَطلُبُـهُ .. فَما تَزيدُنِيَ الدُنيـا عَلى العَــــدَمِ

المصادر:

  • الأعلام للزركلي (5/126).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (4/265).
  • العبر في خبر من غبر (2/85).
  • النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة (3/329) و(4/5).
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/21/524).
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق