أعلام

غلام زرافة -ليو الطرابلسي- أمير البحر العظيم

قيل له: "رشيق الوردامي" للدلالة على رشاقته ولون بشرته الأحمر كالورد

ولد غلام زرافة -ليو الطرابلسي- في العصر الوسيط، لأبوين نصرانيين في مدينة أنطاليا، الواقعة على الساحل الجنوبي لآسية الصغرى “تركيا حالياً”، وهو أحد أهم أبطال الإسلام في المعارك البحرية، وكان له الفضل في مواجهة الدولة البيزنطية في القرن الثالث الهجري، في الفترة الحرجة من تاريخ الدولة العباسية التي كان انشغالها بالمشكلات الداخلية حائلًا دون أن تشارك بجيوشها الرسمية في القتال؛ عرف غلام زرافة بالذكاء والنشاط والجرأة، وأيقن رغم حداثة سنه أن الإسلام هو الدين الحق، فاعتنقه صغيراً، فنشأ صادق الإيمان، متشدداً فيه، غيوراً عليه، وحاول أبواه بكل طرق أن يحولا بينه وبين الإسلام، وضغطا عليه بقوة ليرتد إلى النصرانية، ولكنه ثبت على دين الحق.

تعددت أسماء ليو في المصادر والمراجع منها “ليو الطرابلسي” حيث نسب ليو إلى مدينة طرابلس (لبنان) التي نشأ وأقام فيها، وتزوج، ورزق بأولاد وأحفاد، ودفن بها على الأرجح، وقد اشتهر عند العرب باسم “غلام زرافة” لأنه كان مملوكاً لزرافة حاجب المتوكل على الله العباسي، وقيل له “رشيق الوردامي”، وقد أطلق عليه هذا اللقب للدلالة على رشاقته ولون بشرته الأحمر كالورد، فالوردامي-على الأرجح كلمة مركبة من “الورد” و”دامي”، وهذا يدل على أصله اليوناني، ومن الأسماء التي وردت في المصادر العربية (لاوي، الزرافي مولى المقتدر بالله العباسي، لاوي الطرابلسي، لاوي الزرافي) وكنيّ بأبو الحرب أو أبو الحارث.

وصف مدينة طرابلس لدى الإدريسي
وصف مدينة طرابلس لدى الإدريسي

حياة غلام زرافة -ليو الطرابلسي- ونشأته:-

ولد غلام زرافة في عصر السيادة البحرية الإسلامية، حيث كان البحر محط فتوحاتهم الكبيرة، وكان البحر الأبيض المتوسط مركز هذه السيادة.

وقع ليو في إحدى غارات المسلمين على الساحل الجنوبي لآسية الصغرى، في أسر المسلمين وهو ما يزال في حداثة سنه، فحمله الغزاة ونزلوا به طرابلس بين سنتي 249-252هـ ، فكان من نصيب صاحبها “زرافة” الذي استخلصه لنفسه، ورباه واعتنى به وعلمه فنون القتال، فكان من غلمانه، ولذا عرف في المصادر العربية ب”غلام زرافة”.

تأثره برجال البحر:-

ترعرع غلام زرافة -ليو الطرابلسي- في طرابلس، ونشأ محباً لركوب البحر بحكم موقع المدينة القديمة على الساحل، إذ كانت تغص برجال البحر وعماله، وبالقادة الغزاة والمجاهدين، فنشأ وسط هذه الأجواء، فقد انضم إلى المجاهدين من البحارة المسلمين الذين كانوا يجوبون البحار لمحاربة الأساطيل البيزنطية لردعها عن شواطئ المسلمين، وكان هؤلاء المجاهدون يركزون غاراتهم على شواطئ بحر ايجه وثغوره وجزره، لذا نجد أنه تلقى دروسه في عرض البحر على أيدي بحارة متمرسين مهرة، حتى أصبح بحاراً ماهراً خبيراً بشؤون البحر وأسفاره وحروبه، وأنوائه وعواصفه، وجزره وسواحله، وترقت به الأحوال إلى أن صار أميراً للبحر ومن رؤسائه الذين يولون تدبير المراكب والحرب،  ثم أصبح أميراً على طرابلس نفسها، وقد تولى قيادة أسطول طرابلس، وأسطول طرسوس، وقاد المراكب التي كانت تتجمع تحت إمرته من جميع الموانئ والثغور الاسلامية، من طرسوس شمالاً إلى الإسكندرية جنوباً، فضلاً عن سفن بحارة أقريطش “كريت”.

أسرة غلام زرافة في طرابلس:-

من المؤكد أن غلام زرافة -ليو الطرابلسي- تزوج بطرابلس، وأنجب فيها ذرية، وبقي أبناء أسرته تتردد أسماؤهم في المصادر العربية نحو قرنين من الزمان، إلى النصف الثاني من القرن الخامس الهجري. فقد وصلنا اسم اثنين من أبنائه، فدعي أحدهما – وهو الأكبر – محمد، ويكنى أبا عبد الله أو عبد الإله. وكان فاضلاً أدبياً. والثاني يدعى “عبد الصمد” وكنيته ” أبو محمد”، كما وصلتنا عدة أسماء لأحفاده، موزعة في المصادر التاريخية، وكان معظمهم من أهل الفضل والعلم والأدب، منهم “محمد بن عبد الصمد بن لاوي الأطرابلسي”، وقيل أنه توفي بعد سنة 400هـ، ومن أبنائه “عبد الصمد” و”عبد السلام”.

وقد تولى أفراد أسرته المناصب الرفيعة بطرابلس، وكانوا أصحاب جاه وثروة، إذ نرى الشاعر الدمشقي “ابن الخياط يمدح بعضهم، ويرثي من يتوفى منهم أثناء إقامته بطرابلس في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري. وله قصيدة يمدح فيها “أبا الفرج علي بن الحسين الزرافي الأطرابلسي”، وله مرثية يرثي فيها “أبا محمد الحسن بن محمد الزرافي” وألقاها وهو يعزي أخاه “أبا علي”.

شجرة نسب آل الزرافي في طرابلس كما ذكر في المصادر:-

 شجرة نسب آل الزرافي في طرابلس-أبناء وأحفاد غلام زرافة
شجرة نسب آل الزرافي في طرابلس

غلام زرافة -ليو الطرابلسي- أمير البحر العظيم:-

اشترك ليو في العديد من المعارك الحربية، وكان أهمها عندما اشترك مع “دميان الصوري” في دخول مصر سنة 291هـ، والتي انتهت بالاستيلاء على مصر من الطولونيين واستعادتها إلى السيطرة العباسية، ثم غزا الروم في أنطاليا “مسقط رأسه” في شهر رمضان سنة 291هـ، ثم غزا مدينة ثيسالونيكا اليونانية في صيف سنة 291هـ.

معركة ثيسالونيكا البحرية:-

هاجم الروم حدود البلاد الإسلامية عام 291هـ على حين غفلةٍ من أهلها، بجيشٍ كبيرٍ يُقدَّر بمائة ألف، فتوغلوا وقتلوا وأسروا الكثير من المسلمين وأغلبهم من النساء والأطفال، فكان رد المسلمين على ذلك سريع جداً؛ فانطلق البحَّار الكبير غلام زرافة نائب ثغر طرسوس بجيشٍ كبيرٍ، فنازلها إلى أن فتحها عنوةً، وقتل نحو خمسة آلاف وأسر مثلهم، واستنقذ من الأسر خمسة آلاف مسلم، وغنم ستين مركباً بما فيها من أموال ومتاع، فبلغ سهم المحارب منهم ألف دينار؛ فكان فتح مدينة أنطاليا، فتحًا عظيمًا زلزل كيان الإمبراطورية البيزنطية.

العصور الوسطى شهدت منافسة محتدمة بين مختلف القوى الساعية للسيطرة على البحر المتوسط
العصور الوسطى شهدت منافسة محتدمة بين مختلف القوى الساعية للسيطرة على البحر المتوسط

انتقل غلام زرافة بسفنه، مع مائتي بحَّارٍ بخلاف القادة، وانضمَّ إلى الحملة المتطوعون المسلمون من غزاة البحر، ومن ثغر صور، مصر والشمال الإفريقي أيضًا، فهاجم مدينة أبيدوس وسيطر عليها دون قتال، وذلك لأن المفاجأة وعدم الاستعداد للمواجهة، دفعت أسطول البيزنطيين إلى التراجع والانسحاب أمام أسطول غلام زرافة، وبعدئذٍ عاد لترتيب استعداداته وتنظيم قواته وأسلحته إلى جزيرة ثاسوس، ثم اتجه الأسطول الإسلامي بقيادة غلام زرافة في البحر المتوسط؛ وتوغلت في بحر ايجه حتى هاجم مدينة ثيسالونيكا اليونانية التي تعد ثاني أكبر مدينة في الإمبراطورية البيزنطية بعد عاصمتها القسطنطينية، وهي ثغرٌ تجاريٌّ مهم.

حصون ثيسالونيكا وسورها المتهالك:-

وكانت ثيسالونيكا محاطة بسورٍ ضخم، بُنيت خلفه حصون على تلال ومرتفعات، فكان ذلك يوفِّر لها حمايةً قوية، لكنَّها في ذلك الوقت كانت في حالةٍ من الإهمال، وافتقدت إلى حاميةٍ قويَّةٍ للقيام بدور الحراسة، فزاد هذا من حالة الارتباك البيزنطي، وصار الإمبراطور يدفع بعددٍ من القادة لمواجهة الأمر، فكانوا يضطربون ويلغي كلُّ قائدٍ خطَّة سلفه، فقد أيقن القائد بتروناس أنَّ الوقت قد فات لإصلاح حال السور والأبراج الدفاعية، فكانت خطته ردم ما استطاع من البحر المواجه للأسوار بحيث يمنع اقتراب السفن من الأسوار، فتكون المعركة دفاعيَّة من خلال رمي المهاجمين باللهب من بعيد، لكن القائد الثاني ليو لم ير هذا مفيدًا، فأوقف العمل فيه وبدأ في رفع الأسوار من جديد.

الاستعداد في المعارك الحربية

وكان العمل يجري فيه ببطءٍ لا يُناسب الموقف المتدهور، كما أنَّ الروايات البيزنطية تُندِّد بسلوك أهل المدينة الذين تعلَّقوا بالخرافة، وكان لديهم إيمانٌ بأنَّ القديس سوف يحميهم بكراماته، وكانوا على يقينٍ بأنَّ المدينة لا تسقط أمام غير المسيحيِّين، فحاول القائد الثالث نيكيتاس الاستعانة بفرق الصقالبة الموالين للدولة البيزنطية، ولكنَّ فرق المرتزقة علموا بتدهور الأوضاع طلبوا أموالًا وأجورًا طائلة، فتعطَّلت خطة نيكيتاس ولم يعد أمامه إلا الدفاع الذاتي عن المدينة، ولم يُفِق أهل المدينة من خرافاتهم إلا حين رأوا سفن الأسطول الإسلامي تظهر في الأفق، فتفشت حالة الرعب والارتباك والهلع داخل المدينة.

خطة أمير البحار الاستطلاعية:-

كانت خطة غلام زرافة تعتمد على استطلاع الدفاعات ووسائل الحرب داخل المدينة، فكانت الأيام الأولى محاولات البحث عن ثغرة، فجَرَت محاولةٌ لاقتحام إحدى البوابات الأربعة وحرقها، ولكنَّ قوَّة الدفاع الذي انهال باللهب والحجارة والسهام على المهاجمين جعلت المحاولة الأولى غير ناجحة.

في اليوم التالي كانت الخطة مختلفة؛ تمَّ تحديد بوابتين لكي يُشن عليهما هجوم سريع في ذات الوقت، والهدف إحراقهما لكي يفتح الطريق إلى داخل المدينة، فأُعدَّت عربات مملوءة خشبًا ومشحونة بالمواد سريعة الاشتعال، ثم استُخدِمت مراكب صيدٍ خشبيَّةٍ لتغطية هذه العربات من أعلى كحمايةٍ لها وللمهاجمين أثناء دفعهما حتى توصيلهما إلى الأبواب؛ كي لا يتمكن الروم من حرقها أو إصابة المهاجمين قبل الوصول إلى الهدف، وبالفعل، تمَّت الخطة بنجاح، واندفع المهاجمون في وقتٍ واحدٍ وتحت حماية المراكب المقلوبة، فأوصلوا العربات المنشودة إلى الأبواب ثم أشعلوا فيها النيران، وعادوا بسرعةٍ إلى صفوف الجيش بعيدًا عن مرامي الروم؛ لم يمر وقتٌ كثيرٌ حتى اشتعلت البوابات وانصهرت الرتاجات، وانهارت البوابتان، ولكن وُجد خلفهما تحصينات حجرية، ممَّا أفشل الخطة أيضًا.

اقتحام مدينة ثيسالونيكا وابتكار الحلول:-

كان الحل الوحيد هو اقتحام السور، وكان لا بُدَّ من فكرةٍ مبتكرةٍ لتنفيذ هذا الاقتحام، وهي بتحديد نقاط الاقتحام، ومن ثم صناعة أبراجٍ خشبيَّةٍ عالية، تفوق ارتفاع النقاط المتهدِّمة من الأسوار، ولزيادة ارتفاع هذه الأبراج تم ربط سفينتين ببعضهما ليُشكِّلا قاعدةً أوسع يعتمد عليها البرج الخشبي، ومع بزوغ الفجر كانت الأبراج العالية قد بُنيت، وقد استعدَّ المهاجمون فشُحِنوا في هذه الأبراج.. واستيقظ الروم على أبراجٍ جديدةٍ بزغت لهم فجأة!

اندفع المهاجمون بكلِّ ما لديهم من قوَّةٍ نحو نقاط السور المقصودة، يرمون المدافعين بكلِّ وسيلة، لا سيَّما وقد صنعوا في الأبراج ما يُشبه مدفعًا ناريًّا، وإزاء ما نزل بالمدافعين من مفاجأةٍ صاعقة وفكرةٍ مبتكرة وهجومٍ غير متوقع، انهارت دفاعات الروم، وولُّوا الأدبار بعد معركة ليست بالطويلة، واندفع المسلمون يقتحمون المدينة ويُطاردون عدوهم، وكان هذا هو الاقتحام الأول لهذه المدينة البيزنطيَّة العنيدة.

وكالعادة في مثل هذه المعارك، كان الشغل الشاغل للجيش بعد الانتصار تحطيمَ القدرات الحربيَّة للمدينة، وجمع ما أمكن من الغنائم والأموال والأسرى؛ فأمَّا الأموال فلدعم الجيش وللاستفادة القصوى من النصر ولتعويض نفقات الحملة وتكاليفها، وأمَّا الأسرى فلمبادلتهم مع الأسرى المسلمين في سجون الروم (وكانت عمليَّات تبادل الأسرى تجري بشكلٍ شبه سنويٍّ في ذلك الوقت بين الدولة الإسلاميَّة والإمبراطوريَّة الروميَّة)، وقد تمَّ هذا بأقصى ما يُستطاع، حتى أنَّ الرواية البيزنطيَّة تذكر أنَّ الأسرى كانوا عُشر سكان المدينة، وأنهم بلغوا 22 ألفًا.

غلام زرافة كان قائدًا بحرياً فذًا
ليو الطرابلسي كان قائداً بحريا فذاً

هبَّت عاصفةٌ قويَّةٌ في البحر المتوسط شطرت إحدى السفن التي تحمل طاقم البحارة والقليل من المسلمين، وأكثرها أسرى من الروم، وفيم كان أسهل شيءٍ في مثل هذه الظروف أن يهتم القائد بطاقم البحارة تاركًا هؤلاء الأسرى للبحر، إلا أنَّ الإسلام الذي تشرَّبه غلام زرافة لم يسمح له بمثل هذا؛ بل قام بمناورةٍ بحريَّةٍ قاوم فيها الأمواج والعاصفة ليُنقذ السفينة المنكوبة بطاقمها وأسراها، وأخيراَ وصل الأسطول الإسلامي ظافرًا إلى الشام، بعد فتحٍ كبيرٍ غير متوقَّعٍ.

معرفة غلام زرافة سرّ السلاح البيزنطي:-

وأهم ما ظفر به غلام زرافة في هذه المعركة هو سرُّ السلاح البيزنطي الذي أفشل كثيرًا من محاولات المسلمين لفتح القسطنطينية، وهو “النار البيزنطية” التي كانت فعَّالة في صدِّ الهجوم الإسلامي على المدن البيزنطية، فكان امتلاك سرِّ هذا السلاح تفوُّقًا جديدًا في الميدان الحربي ظفر به المسلمون على يد بطلهم غلام زرافة.

المصادر:

الوسوم

‫3 تعليقات

  1. شكرا لجهودك مقال موفق
    اتمنى ان تعيدي النظر في المقدمة فراي الخاص ان الانتقال في المقدمة بحاجة الى الترتيب
    كتابة موفقة واامنى لك التقدم

    1. شكراً أستاذة أميمة على هذا النقد البناء
      وسنأخذ ما تطرقتي إليه بعين الإعتبار

  2. التأليف والرواية وكتابة التاريخ ليس أمرا سهلا وتحتاج إلى مَلَكَة وموهبة بالإضافة إلى الأدوات وقال بعضهم أن النقد يفسد الأعمال الأدبية لذلك لن أخوض في النقد سأكتفي بالدعم المعنوي الذي يحفّز ويحثّ على المثابرة والتقدم ولا يزال الانسان يتعلم وينمّي قدراته حتى يموت ثابري إلى الأمام وأنا واثق أن كل عمل جديد سيكون أفضل من الذي مضى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق