انفوجرافيكسنوادر العرب

عروة بن الورد .. الفارس والجواد والشاعر الجاهلي

قال عبد الملك بن مروان: "من قال إن حاتماً أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد"

اسمه ونشأته:-

عروة بن الورد بن زيد بن عبد الله العَبْسِي، من غطفان، من شعراء الجاهلية وفرسانها وأجوادها، وُلِدَ سنة 555م.

يعد عُروة بن الورد من بين أكثر الشخصيات جاذبية، لما انطوت عليها من آداب رقيقة، وأخلاق الفروسية النبيلة الكريمة المعطاءة والكريمة، مع توافر مزية الجود النائية بذاتها عن التكلُّف والافتعال.

وتميزت روحه بالنزعة الإنسانية التي تميل إلى منح وإعطاء المحتاج الفقير والإحسان عليه، خصوصاً أولئك الصعاليك والضعفاء والمساكين والمرضى.

الأب والأم:-

كانت عبس تتشاءم بأبيه؛ لأنه هو الذي أوقع حرب داحس والغبراء بينها وبين فَزَارَةَ بمراهنته حذيفة.

فلوالده أثر في تاريخ قبيلته لا يمكن محوه، فبحسب ابن الأثير، فقد كان للورد الدور الرئيسي في نشوب حرب داحس والغبراء الشهيرة بين عبس وذبيان، كما تصدى لمهمة قتل هرم بن ضمضم المري الذي تناوله عنترة العبسي في معلقته المعروفة.

والشيء الذي يلفت النظر في حديث عروة عن أمه على أنه دائم السخط على هذه الصلة التي ربطت بين أبيه وأمه، وبل إنه يهجو أخواله هجاء مراً، ولعل من أسباب هذا أنها تنتسب إلى قبيلة نهد.

فأم عروة هي غريبة عن عبس، إذ أنها تنتمي إلى قبيلة يمنية صغيرة مغمورة تدعى “نهد”، وهو الشيء الذي خلَّف في نفس عروة أثراً بالغاً، باعتبار أمه نزيعة (نزائع القبائل غرباؤهم الذي يجارون قبائل ليسوا منهم بحسب ابن منظور)، وهذا ما مثَّل طعناً في كرم منبت عروة، وهو الأمر الذي قد يكون أحد أسباب جنوحه إلى الصعلكة.

كان له أخ أكبر منه، وكان أبوه يُؤْثِره عليه فيما يعطيه ويقربه، فقيل له: أتؤثر الأكبر مع غناه عنك على الأصغر مع ضغفه؟ قال: أترون هذا الأصغر؟ لئن بقي مع ما أرى من شدة نفسه ليصبرن الأكبر عيالاً عليه.

مكانته الشعرية:-

كان يُلقَّب بعروة الصعاليك؛ لجمعه إياهم، وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم، وقد عرف الصعاليك في عروة النفس الإنسانية القوية، فكانوا إذا أصابتهم السنة أتوه فجلسوا أمام بيته حتى إذا بصروا به صرخوا وقالوا: يا أبا الصعاليك، أغثناـ فيخرج ليغزو بهم.

الإغارة على القوافل لتحسين ظروف الصعاليك

هكذا سلك عروة سبيله في الحياة، يسلب الأغنياء أموالهم ليوزعها على الفقراء، وفقا لفلسفة معينة عبر عنها في شعره أصدق تعبير، وأساس فلسفة عروة أن الغزو والإغارة للسلب والنهب السبيل الوحيد للغنى لمن هو في مثل حالته:

وَمَن يَكُ مِثلي ذا عِيالٍ وَمُقتِراً .. مِنَ المالِ يَطرَح نَفسَهُ كُلَّ مَطرَحِ

لَعَلَّكُمُ أَن تُصلِحوا بَعدَما أَرى .. نَباتَ العِضاهِ الثائِبِ المُتَرَوِّحِ

يُنوؤونَ بِالأَيدي وَأَفضَلُ زادِهِم .. بَقِيَّةُ لَحمٍ مِن جَزورٍ مُمَلَّحِ

وعبَّر عن ذلك أيضاً حين قال:

                  

وَما طالِبُ الحاجاتِ مِن كُلِّ وِجهَةٍ ..

مِنَ الناسِ إِلّا مَن أَجَدَّ وَشَمَّرا

فَسِر في بِلادِ اللَهِ وَاِلتَمِسِ الغِنى ..

تَعِش ذا يَسارٍ أَو تَموتَ فَتُعذَرا

خصال جميلة تمتع بها عروة بن الورد – تعبيرية تعود إلى العام 1920

وليس وراء ذلك سوى إحدى نتائج ثلاث: نجاح الغزوة، أو إخفاقها، أو الموت في سبيلها، أما إن كانت الأولى فقد حقق أهدافه وجاء الغنى معها، وأما إن كانت الثانية فقد أبلغ نفسه عذرها، وأما إن كانت الثالثة فالموت خير من حياة الفقر والجوع والذل والهوان:

أَقِلّي عَلَيَّ اللَومَ يا بِنتَ مُنذِرٍ .. وَنامي وَإِن لَم تَشتَهي النَومَ فَاِسهَري

ذَريني أُطَوِّف في البِلادِ لَعَلَّني .. أُخَلّيكِ أَو أُغنيكِ عَن سوءِ مَحضِري

فَإِن فازَ سَهمٌ لِلمَنِيَّةِ لَم أَكُن .. جَزوعاً وَهَل عَن ذاكَ مِن مُتَأَخِّرِ

وَإِن فازَ سَهمي كَفَّكُم عَن مَقاعِدٍ .. لَكُم خَلفَ أَدبارِ البُيوتِ وَمُنظَرِ

والفقير في رأيه شر الناس، وأحقرهم عندهم، وأهونهم عليهم مهما يكن له من فضل، يجافيه أهله، وتزدريه امرأته، حتى الصغير يستطيع أن يذله، أما الغني فمهما يفعل يقبل منه، ومهما يخطئ يغفر له، فللغني رب يغفر الذنوب جميعاً:

دَعيني لِلغِنى أَسعى فَإِنّي .. رَأَيتُ الناسَ شَرُّهُمُ الفَقيرُ

وَأَبعَدُهُم وَأَهوَنُهُم عَلَيهِم .. وَإِن أَمسى لَهُ حَسَبٌ وَخيرُ

وَيُقصيهِ النَديُّ وَتَزدَريهِ .. حَليلَتُهُ وَيَنهَرُهُ الصَغيرُ

وَيُلفى ذو الغِنى وَلَهُ جَلالٌ .. يَكادُ فُؤادُ صاحِبُهُ يَطيرُ

قَليلٌ ذَنبُهُ وَالذَنبُ جَمٌّ .. وَلَكِن لِلغِنى رَبٌّ غَفورُ

قال عبد الملك بن مروان: “من قال إن حاتماً أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد”.

له ديوان شعر، شرحه ابن السِّكِّيْتِ.

عروة بن الورد الإنسان:-

تتجسَّد إنسانية عروة وجوده في نمط حياته ومعاملته للصعاليك والضعفاء، وفيما يلي أبرز ما أظهرته شخصيته من لمسات ذات طبيعة إنسانية:

  • كان إذا أصاب الناس شدَّة، وخلَّفوا وراءهم في منزلهم المريض أو الكهل المُسِن أو العاجِز الواهن؛ فقد كان يبادر من فوره على جميع هؤلاء الناس ممن هم من دون أهله، فيبتني لهم خيمة كبيرة، فيتولى كسوتهم وإطعامهم وسقايتهم ورعايتهم.
  • حينما كان المريض النزيل لديه يشفى من سقمه، أو الضعيف الذي يسترد قوته؛ فإنه يرافق عُروة في غاراته، على أن يجعل الأخير لأصحابه من غير القادرين نصيباً من هذه الغارات.
  • وفي قسمة الغنائم؛ كان عروة يُنكِر ذاته، ولا يطمع في شيء مهما عَلَت قيمته، مُقدَّماً الفقراء والضُعفاء على نفسه، وكان كثير ممن حضر الغزو والقسمة يعود إلى ذويه محمَّلا بما لذَّ وطاب.
  • كان سخاؤه الدائم يحول دون احتفاظه بأي شيء مهما بلغت قيمته، ولم يأخذ بأي شيء لنفسه، فقد اقتصر دوره على العطاء لا الأخذ، وهذا أمر أصيلٌ في شخصيته.
  • كان يتجاهل لوم زوجاته على مغامراته وفي نذر نفسه من أجل الصعاليك، بل إنه كان في غاية اللطف والأدب والجود معهن.
  • كان من الفريق الذي يعطي كل الناس من دون حدود، وقد كان يلجأ إلى الذين أثروا من جوده وكرمه وذلك حينما كان يصيبه العسر، يطلُب منهم القليل والعَون الضئيل، فيردونه خائباً، ما دفعه للقول:

ألا إنَّ أصحاب الكنيف رأيتهم.. كما الناس لما أخضبوا وتمولوا

وفاته:-

توفي سنة 30ق.ه-594م.

المصادر:

ديوان عروة بن الورد، أمير الصعاليك، تحقيق أسماء أبو بكر محمد.

شعر عروة بن الورد، دراسة أسلوبية، رشيد بن قسمية.

الأعلام (4/227).

الشعر والشعراء (2/665/رقم 144).

الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي (322/رقم 2).

Photo by Sarah Olive on Unsplash

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى