أعلام

القاضي عياض .. الإمام العلَّامة الحافظ

حسن الإلقاء للمسائل، كثير التحرير للنقول، وقد انتفع به العلماء من لايحصى

اسمه:-

هو الإمام، العلامة، الحافظ، الأوحد، شيخ الإسلام، القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي، الأندلسي، ثم السبتي، المالكي.

مولده:-

ولد بسبته، وهو أندلسي الأصل، كان أجداده بالأندلس ثم انتقلوا إلى مدينة فاس، واستقروا بعد ذلك بالقيروان، وكان مولده في شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة.

نشأته:-

رُبِّي القاضي عياض في أحضان أسرة عربية أصيلة، صالحة دينة، خيرة موسرة، فنشأ على العفة والصيانة، والصلاح والتقوى، تاركاً للعب، معرضاً عن اللهو، مقبلاً على العبادة، شغوفاً بالعلم، محباً للجهاد، عاملاً مجتهداً، هيناً من غير ضعف، صليباً في الحق، ورعاً متواضعاً، صواماً قواماً، حافظاً لكتاب الله تعالى، مكثراً من تلاوته، يقوم ثلث الليل الآخر لجزء منه، لم يترك ذلك قط على أية حالة حتى يغلب عليه، وكان كثير الصدقة، والمواساة، من أكرم أهل زمانه، وحاز من الرئاسة في بلده، والرفعة ما لم يصل إليه أحد قط من أهل بلده، وما زاده ذلك إلا تواضعاً وخشية لله تعالى. جلس للمناظرة، وله نحو من (28) سنة، وولي القضاء وله (35) سنة.

الرحالة والجغرافي الإدريسي يصف مدينة سبتة

رحلات القاضي عياض:-

رحل إلى الأندلس سنة تسع وخمسمائة طلباً للعلم فأخذ عن علمائها ومنهم:

القاضي أبي عبد الله محمد بن حمدين، وأبي علي حسين بن محمد الصدفي، كما أجاز له الطرطوشي، كما تتلمذ على القاضي أبي الوليد بن رشد، وبالجملة فقد اجتمع له من الشيوخ سماعاً وإجازة مائة شيخ، عاد من الأندلس إلى سبتة بالمغرب وعمره ثلاثون عاماً فأجله أهلها وولي القضاء بها مدة، ثم انتقل إلى غرناطة فولى القضاء بها.

قال المقري في أزهار الرياض: ولما ورد القاضي عياض غرناطة خرج الناس للقائه، وبرزوا تبريزا ما رأيت لأمير مؤمر مثله.

وكان قاضياً عدلاً، لا تأخذه في الحق لومة لائم، وكان خطيباً مصقعاً، وشاعراً مجيداً، وكاتباً بليغاً، وأصولياً متكلماً، وإماماً بارعاً، متفنناً في علم الفقه، والحديث، وعلومه، والنحو، واللغة، وكلام العرب، وأنسابهم، وأيامهم.

وله في الفقه المالكي اليد الطولى، وعليه المعول في حل ألفاظ المدونة، وضبط مشكلاتها، وتحرير رواياتها، وتسمية رواتها.

وكان القاضي عياض حسن الإلقاء للمسائل، كثير التحرير للنقول، وقد انتفع به العلماء من لايحصى.

القاضي عياض
ابن حوقل يصف مآثر الأندلس

ثناء العلماء عليه:-

  • قال الفقيه محمد بن حماة السبتي: لم يكن بسبتة في عصره أكثر تواليف من تواليفه.
  • قال ابن خلكان في “وفيات الأعيان”: وكل تواليفه بديعة.
  • وفي أزهار الرياض؛ يتمثل بقول ابن عاصم في وصف عياض: “قد كان رحمه الله علم الكمال، ورجل الحقيقة، وقاراً لا يخف راسيه، ولا يعرى كاسيه، وسكونا لا يطرق جانبه، ولا يرهب غالبه، وحلماً لا تزل حاصته، وتهمل وصاته، وانقباضا لا يتعدى رسمه، ولا يتجاوز حكمه، ونزاهة لا ترخص قيمتها، ولا تلين عزيمتها….، وذهناً لا يخبو نوره، ولا ينبو مطروره، وفهما لا يخفى قلقه، وحفظاً لا يسبر غوره، ولا يذبل نوره، وطلباً لا تتحد فنونه، ولا تتعين عيونه، بل لا تحصر معارفه، ولا تقصر مصارفه”.
  • قال الملاحي: “كان القاضي عياض رحمه الله بحر علم، وهضبة دين وحلم، أحكم قراءة كتاب الله بالسبع، وبلغ من معرفته الطول والعرض، وبرز في علم الحديث، وحمل راية الرأي، ورأس في الأصول، وحفظ أسماء الرجال، وثقب في علم النحو، وقيد اللغة، وأشرف على مذاهب الفقهاء وأنحاء العلماء، وأعراض الأدباء”.
  • قال المقري في أزهار الرياض: “وكان القاضي أبو الفضل كثير الاعتناء بالتقييد والتحصيل، قال ابن خاتمة: كان لا يبلغ شأوه، ولا يبلغ مداه في العناية بصناعة الحديث، وتقييد الآثار، وخدمة العلم مع حسن التفنن فيه، والتصرف الكامل في فهم معانيه، إلى اضطلاعه بالأداء، وتحققه بالنظم والنثر، ومهارته في الفقه، ومشاركته في اللغة والعربية، وبالجملة فقد كان جمال العصر، ومفخر الأفق، وينبوع المعرفة، ومعدن الإفادة، وإذا عدت رجالات المغرب فضلاً عن الأندلس حسبناه منهم”.
  • وقال: المقري أيضاً: “وكان _رحمه الله_ معظماً للسنة، عالماً عاملاً، خاشعاً قانتاً، قوالاً للحق، لا يخاف في الله لومة لائم وكان معتنياً بضبط الألفاظ النبوية على اختلاف طرقها، وكتابه “المشارق” أزكى شاهد على ذلك. وكان حاضر الجواب، حاد الذهن، متوقد الذكاء، جامعاً للفنون، أخذ منها بالحظ الأوفر، وكان بارع الخط المغربي، حسن العبارة، لطيف الإشارة، وتآليفه شاهدة بذلك..”.
  • قال الذهبي: واستبحر من العلوم، وجمع، وألف، وسارت بتصانيفه الركبان واشتهر في الآفاق، وتواليفه نفيسة.
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع يصف القاضي عياض
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

تصانيف القاضي:-

كان للإمام اهتمام بشتى العلوم وإن برز اهتمامه وعنايته بالحديث وعلومه جمعاً تصنيفاً وشرحاً، ومن أهم تصانيفه:

  • إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم.
  • كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى.
  • تفسير غريب حديث الموطأ والبخاري ومسلم.
  • كتاب التنبيهات المستنبطة في شرح مشكلات المدونة.
  • كتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك.
  • كتاب بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد.
  • كتاب سر السراة في أدب القضاة.
  • كتاب السيف المسلول على من سب أصحاب الرسول.
  • القنية في أسماء شيوخه
  • الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع.
  • الإعلام بقواعد الإسلام.
  • المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان.

وغير المؤلفات المذكورة أعلاه كثير، وبعضها تركها في المبيضة، أو لم يكملها، ومنها:

نظم البرهان على صحة جزم الأذان، الفنون الستة في أخبار سبتة، غنية الكاتب وبغية الطالب في الصدور والترسيل، تاريخ المرابطين، الجامع للتاريخ، أجوبة القرطبيين.

كتاب الشفا:-

حاز كتاب “الشفا” للقاضي عياض على شهرة واسعة، وهو الذي تناول فيه سيرة النبي محمد عليه الصلاة
السلام، وشمائله الخلقية، ومعجزاته، ودلائل نبوته.

وفي هذا الصدد؛ قال القاضي عياض في سياق حديثه عن كتابة ” الشفا” ولمن يوجهه: “حسب المتأمل أن يحقق أن كتابنا هذا، لم نجمعه لمُنكِر نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا لطاعن في معجزاته، فنحتاج إلى
تنصيب البراهين عليها، وتحصين حوزتها، حتى لا يتوصل المُطاعن إليها، ونذكر شروط المعجز، والتحدي
وحده، وفساد قول من أبطل نسخ الشرائع، وردَّه، بل ألَّفناه لأهل ملته، الملبِّين لدعوته، والمُصدِّقين
لنبوته، ليكون تأكيداً في محبتهم له، ومنماة لأعمالهم، وليزدادوا إيماناً مع إيمانهم”.

وأضاف في معرض حديثه عن أسباب كتابة “الشفا” بالقول”: فإنَّك كررتَ علي َّ السؤال في مجموع يتضمن
التعريف بقدر المصطفى عليه الصلاة والسلام، وما يجب له من توقير وإكرام، وما حكم مَن لم يوفِّ واجبَ
عظيم ذلك القدر، أو قصَّر في حق منصبه الجليل قُلامة ظفر، وأن أجمع لك ما لأسلافنا، وأئمتنا في ذلك
مقالٍ، وأبينه بتنزيل صور وأمثالٍ”.

وتعليقاً على الكتاب ومؤلفات القاضي عياض الأخرى؛ قال العلامة المؤرِّخ أحمد بن محمد المقري (المتوفى سنة 1401 هجرية) في كتابه أزهار الرياض، “.. فمنها كتاب الشِّفا الذي بلغ فيه الغاية القصوى، وكان فيه
لضروب الإحسان مرتشف، وحاز فيه قصب السبق، وطار صيته شرقاً وغرباً، وقد لهجت به العامة والخاصَّة،
عُجماً وعُرباً، ونال به مؤلِّفُهُ وغيرِهِ من الرحمن قُرباً، وفضائل هذا الكتاب لا تستوفى..”.

وفاة القاضي:-

توفي القاضي عياض بمراكش في جمادي الآخرة، وقيل: في رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة.

مراكش - القاض عياض
مراكش التي توفي فيها القاضي عياض

المراجع:-

وفيات الأعيان 2/117.

 الصلة 1/453.

 أزهار الرياض 1/28.

الشفا بتعريف حقوق المصطفى، تحقيق عبده علي كوشك.

الوسوم

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق