نوادر العرب

حاجز بن عوف الأزدي .. الشاعر والصعلوك الجاهلي

وقع في مأزق لم يمكن لينجو منه لولا سرعته الفائقة

توطئة:-

كما كان لصعاليك العصر الجاهلي صولات وجولات في السطو والإغارة، فقد كان لهم أيضًا ألسنة شاعرة، كان لها أكبر الأثر في تجسيد وتصوير الحياة الجاهلية بأبياتٍ شعرية، وهذا ما كان عليه شعر حاجز بن عوف الأزدي أحد صعاليك العصر الجاهلي.

من هو حاجز بن عوف الأزدي ؟

حاجز بن عوف بن الحارث بن الأخثم بن عبد الله بن ذهـل بن مالك بن سلامان بن مفرج بن عمرو بن مالك بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، شاعر وصعلوك جاهلي من شعراء اللصوص المغيرين العدائين ، وكانت فرسه تسمى ذئبة.

حوار بين حاجز وأبيه عوف:-

أورد أبو الفرج الأصفهاني في ترجمته لحاجز الأزدي عن ابن دريد حواراً دار بينه وبين أبيه عوف بن الحارث إذ قال:

 ” أخبرني يا بني بأشد عدوك، قال : نعم، أفزعتني خثعم فنزوت نزواتٍ، ثم استفزتني الخيل واصطف لي ظبيان، فجعلت أنهتهما بيدي عن الطريق، ومنعاني أن أتجاوزها في العدو لضيق الطريق حتى اتسع واتسعت بنا، فسبقتهما، فقال له : فهل جاراك أحدٌ في العدو ؟ قال : ما رأيت أحداً جاراني إلا أطيلس أعسر من البقوم، فإذا عدونا معًا فلم أقدر على سبقه، قال : البقوم بطن من الأزد من ولد باقم، واسمه عامر بن حوالة بن الهنوء بن الأزد “.

تحديده للمواقع في شعره:-

كان حاجز بن عوف من أدق الشعراء في تبيين المواقع وتحديدها في أشعارهم، فقد ورد عنه ذكره لمواضع أودية بيشة خلال وقوفه بأحد المواقع إذ قال:

ولمَّا أنْ بدت أعلامُ ترجٍ .. وقَال الرابئانِ بدت رَنُومُ

وأعْرضتِ الجبالُ السودُ خلفي .. وجَنْدفُ عَن شِمَالي والبَهيمُ

من حكايا حاجز بن عوف:-

كان حاجز بن عوف صعلوكًا تدور حوله الكثير من الحكايا والأعاجيب، خاصةً فيما يتعلق بقدرته الأسطورية على العَدْو، فيُروى عنه أنه وقع في مأزق لم يمكن لينجو منه لولا سرعته الفائقة، فذات يوم أحدق به أعداؤه من بني عامر وجدُّوا في طلبه، فانطلق يشُقُّ الريح بعدوه الذي لا يُبارى وسيقانه الفرَّارة، تمامًا كظبي هارب من مُطاردة صقور أرادت أن تفتك به، وهكذا استطاع في النهاية أن ينجو بحياته، ولم يدركه فرسانهم، وكعادته دائمًا يحكي في أشعاره عن الوقائع والحوادث التي يمر بها فيقول متفاخرًا:

أَلا هَل أَتى ذات القَلائد فرتي .. عشية بين الجرف وَالبحر من بعر

عشية كادَت عامر يقتلونني .. لَدى طرف السَلماء راغية البكر

فَما الظبي أَخطت خلفة الصقر رجله .. وَقَد كادَ يَلقى الموت في خلفة الصقر

بمِثلي غداة القوم بين مقنع .. وآخر كالسكران مرتكز يفري

وها هي ساقاه الفرّارتان تنقذاه من المهالك مرة أخرى، عندما لحقت به خثعم وكادت أن تفتك به، وتبعه فرسانها لكن بلا جدوى، وقد نظم حاجز أبيات يحكي فيها هذه الواقعة، وهذه المرة يُشبه نفسه في عدوه بثلاث حيوانات كانت هي الأخرى مضرب المثل في السرعة، فيقول ساخرًا من فوارس خثعم الذين لم يدكوه ورجعوا يجرجرون أذيال الخيبة :

وَكَـأَنَّمـا تِبَعَ الفوارِسُ أرْنَبًا .. أو ظَـبْـيَ رابِيَةٍ خُفاَفًا أَشْعبا

وكـأَنَّمـا طَـردُوا بِـجنْبَيْ عاقِلٍ .. صَـدْعًـا من الأرْوىَ أُحِسَّ مكُلِّبا

أِعْـجَـزْتُ منهمْ والأكُفُّ تنالُني .. وَمـضَـتْ حِـيـاضُهُـمُ وآبـوا خُيَّبا

أَدْعـوشَـنـوءَةَ غَـثَّهـا وسَـمِينهَا .. ودَعا المُرَقِّعُ يومَ ذلِكَ أَكْلُبا

العرب تجمعهم سلسلة من السمات وذلك على الرغم من اختلافهم حول أنسابهم حاجز بن عوف
العرب تجمعهم سلسلة من السمات وذلك على الرغم من اختلافهم حول أنسابهم

مُساهمة حاجز بن عوف في إثراء الشعر الجاهلي:-

بالرغم من كونه شاعرًا مُقلًّا، ولم يُذكر له ديوان، إلّا أنه كان له العديد من الأشعار البارزة التي ذخر بها الشعر الجاهلي، والتي جسَّد عبر حياة الصعلكة فيها صورة الحياة الجاهلية على حقيقتها، وتدور أشعاره ما بين غاراته وغزواته وصعلكته وبين افتخاره بعَدْوه وقدرته على الفرار، وقد جُمعت كثير من هذه الأشعار في وذُكرت في العديد من الكتب منها:

● البيان والتبيين.
● الأغاني.
● منتهى الطلب من أشعار العرب.
● ديوان الشعر العربي.
● موسوعة الشعر العربي.
● موسوعة الشعراء الصعاليك.
● حماسة البحتري.

معركة حاجز مع بني هلال:-

دارت معركة بين حاجز وجماعته من بني عوف من جهة وبني هلال من جهة أخرى، وكاد حاجز وجماعته أن يُهزموا، لولا أنه هجم بهم على أصحابه من بني سلامان، فانكسرت شوكة بنو هلال، وكثرت الغنائم التي ظفرت بها بنو عوف، ولم ينس حاجز أن يسطر أبياته الشعرية حول هذه الواقعة فيقول مُتفاخرًا:

صَباحك واسلمي عنا أَماما .. تحية وامق وَعمي ظلاما

برهرهة يحار الطرف فيها .. كحقة تاجِر شدت ختاما

فَإِن تمس ابنة السهمي منا .. بَعيدًا لا تكلمنا كَلاما

فَإِنَّكَ لا محالة ان تريني .. وَلَو أَمسَت حبالكم رماما

بناجية القَوائِم عيسجور .. تدارك نيها عامًا فَعاما

حيلته للإيقاع بخثعم:-

احتال حاجز بن عوف ليغير على خثعم، فجمع أصحابه من فهم وعدوان فدلّهم عليها، فأغاروا عليهم على حين غِرَّة، فلم تستطع خثعم ردهم حينها، فاستاقوا من الغنائم ما شاؤوا، وبعدها بعث رجال وفرسان خثعم إلى حاجز يتوعدونه ويهددونه بالنيّل منه جرَّاء فعلته، فأجابهم عبر أشعاره غير آبهٍ لتهديدهم، ساخرًا منهم، إذ يقول:

وإنِّي لَمِنْ إرْعادِكُمْ وبُروقِكُمْ .. وإيعادِكُمْ بالقَتْلِ صُمٌّ مسامِعي

وإني دليلٌ غيْرُ مُخْفٍ دَلالتي .. على ألف بَيْتٍ جَدُّهُمْ غيرُ خاشِعِ

تَرى البِيضَ يَرْكُضْنَ المجاَسِدَ بالضُّحى .. كذا كلُّ مشْبوحِ الذراعيْن نازِعِ

علَى أيِّ شَيْءٍ لا أبا لأَبيكُمُ .. تُشِيرونَ نَحْوي كلكمْ بالأصابعِ

انتقامه لِحُجاج الأزد:-

وفد حُجاج من الأزد على بني هلال بن عامر بن صعصعة، فعرفهم ضمرة بن ماعز وكان سيد بني هلال، فغدر بهم وأمر بقتلهم عن بَكرة أبيهم، فلما بلغ ذلك حاجزًا، لم يلبث إلا أن أغار عليهم فقتل منهم وسبى، وردّ لهم صَاع الغدر صَاعَين وأكثر، ثم صوّب سهام أبياته الشعرية نحو ضمرة بن ماعز قائلًا:

يا ضمر هَل نِلناكم بدمائنا .. أَم هَل حذونا نعلكم بمثال

تَبكي لِقَتلي من فقيم قتلوا .. فاليَوم تَبكي صادِقًا لهلال

وَلَقَد شَفاني أن رأيت نساءكم .. يَبكين مردفة عَلى الأَكفال

يا ضمر إن الحرب أَضحَت بَينَنا .. لقحت عَلى الدكاء بعد حيال

المؤرخ جواد علي

رثاء أخته وعمته:-

خرج حاجز بن عوف يومًا في بعض أسفاره فلبث طويلًا ولم يعد ولم يُعرف له خبر، وتناقلت الأخبار والأقاويل حول موته عطشًا،أو أنه ضل السبيل، فارتابت أخته حِيال موته وهلاكه، فشرعت ترثيه من فرط حزنها وتوجُّسها لغيبته الطويلة فتقول :

أحيٌ حاجزٌ أم لـيس حـيًّا .. فيسلك بين جندف والبهـيم

ويشرب شربةً من ماء ترج .. فيصدر مشية السبع الكليم

وهذه عمته ترثيه بكلمات توجز فيها صفاته فتقول:

“كان حاجز لا يشبع ليلة يُضاف، ولا ينام ليلة يخاف”

وفاة حاجز:-

أما عن وفاة حاجز بن عوف ، فلم تذكر كتب الأدب العربي التاريخية تاريخًا محددًا لوفاته، لكن بعض الروايات تُرجح أنه تُوفي قُبيل الإسلام بفترة قصيرة.

المصادر:-

● دور الشعراء الصعاليك في تطور الشعر الجاهلي، عبد المتين.
● الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني.
● البيان والتبيين، الجاحظ.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى