أخبار العرب

عنترة بن شداد .. الشاعر الشهم والفارس المغوار

اجتمع في شبابه بامرئ القيس الشاعر، وشهد حرب داحس والغبراء

عنترة بن شداد:-

عنترة بن عمرو بن شدَّاد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي، كان أشهر فرسان العرب في الجاهلية، ومن شعراء الطبقة الأولى، من أهل نجد، كان من أحسن العرب شيمةً، ومن أعزهم نفساً، يوصف بالحلم على شدة بطشه.

يُقدَّر محق ديوان عنترة الشعري، ولادة شاعرنا في العام 530 م، آخذا بعين الاعتبار لقاءه بعمرو بن معد يكرب الفارس المخضرم، ومعاصرته لعروة بن الورد وسواه من الشعراء.

قصة عنترة ذات أبعاد تخيلية، يعتبرها الغرب من بدائع آداب العرب، وقد ترجمت إلى الألمانية والفرنسية، ولم يُعْرَف واضعها.

كان عنترة بن شداد من الفرسان الذين يهابهم الجميع
كان عنترة بن شداد من الفرسان الذين يهابهم الجميع

أمه كانت أمة حبشية يقال لها زبيبة، سرى إليه السواد منها، وكان لعنترة أخوة من أمه عبيد، وكان هو عبداً أيضاً؛ لأن العرب كانت لا تعترف ببني الإماء إلا إذا امتازوا على أكفائهم ببطولة أو شاعرية أو سوى ذلك.
ولكن عنترة سرعان ما اعترف أبوه به؛ لبسالته وشجاعته، وكان السبب في ذلك أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس، فأصابوا منهم، فتبعهم العبسيون، فلحقوهم، فقاتلوهم وفيهم عنترة، فقال له أبوه: كر يا عنترة. فقال له: العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر. فقال: كر وأنت حر. فكر وقاتل يومئذ، فأبلى واستنقذ ما في أيدي القوم من الغنيمة، فادَّعاه أبوه بعد ذلك.

يعد عنترة بن شداد أحد أغربة العرب، وهم ثلاثة: عنترة وأمه سوداء، وخُفَاف بن نُدْبَة السُّلَمي وأبوه عمير وأمه سوداء وإليها نُسِبَ، والسُّلَيْك بن السُّلَكَة السعدي.

خلاف النقاد حول اسم والد عنترة بن شداد:-

  • الرأي الأول: يجعل اسم والده شداداً العبسي، وقد نقل أصحاب هذا القول كل من الأصمعي وابن سلام وابن دريد والسيوطي…إلخ.
  • الرأي الثاني: يجعل اسم والده عمرو بن شداد، وقد روي ذلك عن ابن الكلبي وابن قتيبة وصاحب جمهرة أشعار العرب (أبو زيد القرشي).
  • الرأي الثالث: يجعل اسم والده عمرو بن معاوية، وقد تفرد أبو عبيدة بهذا القول.
  • الرأي الرابع: يجعل شداداً العبسي عمَّاً لعنترة، نشأ في حنجره فنُسِب إليه، ورجح هذه القول أبو بكر عاصم بن أيوب.
  • الرأي الخامس: يجعل اسم والد عنترة؛ معاوية العبسي، وقد روي ذلك ابن السكيت وابن المعتز وابن حبيب.. إلخ. وقد يرتفع نسبه فلا يقف عند والده، وإنما يصل إلى عبس.

قبيلة عبس التي ينتمي إليها عنترة:-

يمت عنترة بنسبه إلى قبيلة عبس، التي سُميَت بذلك نسبةً إلى عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس.

وبحسب شارح ديوان عنترة الشعري؛ فقد اختلفت كلمة العلماء في كون قيس: ابن عيلان، أم عيلان نفسه، حيث رجَّح ابن عبد البر باعتباره ابن عيلان، قائلاً في هذا الصدد: إن ” أكثر الناس على أن قيساً هو ابن عيلان بن مضر، وأن الناس هو عيلان وهو ابن مضر لصلبه”.

وبالتالي؛ فإن نسب عنترة يرتبط بمضر بن نزار بن معد بن عدنان، فهو عدناني، وهذا الأمر يتفق بشأنه العلماء، ذلك لأن قبيلة عبس إحدى بطون غطفان، وهي القبيلة المشهورة بعِظم عدد أفرادها، والتي تفرعت منها بطون عدة، فمنها : بنو رواحة بن ربيعة بن قطيعة، وبنو جذيمة، وبنو عوذ بن غالب، وبنو جروة بن الحارث.

ابن عبد ربه.. رغم أنه أندلسي، إلا أنه كان عالماً بأحوال وتاريخ المشرق

وقد عدَّ بعض العلماء عبساً إحدى جمرات العرب، إذ قال ابن عبد ربه صاحب “العقد الفريد”: “وجمرات العرب أربعة، هم بنو نمير بن عامر بن صعصعة، وبنو الحارث بن كعب، وبنو ضبة، وبنو عبس بن بغيض، وإنما قيل: لها الجمرات لاجتماعهم، والجمرة الجماعة، والتجمير التجميع”.

قصة حب عنترة وعبلة:-

كان عنترة بن شداد مغرماً بابنة عمه عبلة، فقل أنْ تخلو له قصيدة من ذكرها، عشقها في شبابه، وكان ذلك قبل أن يحرره أبوه ويدعيه، فأبى عمه أن يزوجه ابنته وهو عبد، فحفَّزه ذلك للمعال وعظائم الأمور، وهاج ذلك من شاعريته، فاجتمع له الشعر السلس القوي، والشجاعة النادرة، والمروءة المأثورة.

عنترة سطّر ملحمة في حبه لعبلة

وقال حينما مرَّ بدار عبلة وقد غيَّر موسم الرَّبيع شكلها بالعشب الذي يتوسَّمه النَّاس ويطلبونه:

ولقد مَـــرَرْتُ بــدارِ عبلــةَ بعدمـــا ..

لعبَ الرَّبيعُ بربْعِهـا المُتَوَسِّمِ

وكأنَّه يخاطب عبلة بالقول: إن تستري نفسَكِ بالقناع (الخِمار) مني، فاعلمي أنني طبٌّ، حاذق، بأخذ الفارس المستلئم، اللابس الدرع، فلن يعجزني أمرِك:

إنْ تُغْـدِفـي دُونـي القِنـــاعَ فــإنَّنـي ..

طــبٌّ بِأخْـذِ الفارسِ المُسْتَلْئِـمِ

يصف لعبلة كيف أنه ذكرها والرِّماح تشرب من دمه في المعركة، والسيوف الهندية أيضاً:

ولقـد ذَكَرْتُكِ والرِّماحُ نواهِلٌ.. مِنِّي،

وبِيضُ الهِندِ تقطُرُ مِنْ دَمي

ويقول أيضاً في سياق تفكُّره في عبلة في خِضَم المعركة:

فَــوَدِدْتُ تَـقبيــلَ السـيـوفِ لأَنَّـهَــا .. لَـمَعَـتْ كبـارِقِ ثَـغْرِكِ المُتَبَسِّـمِ

نُـبِّئْتُ عَمْـراً غَيْرَ شَـاكِرِ نِعمَـتي.. والكُـفْرُ مَـخْبَثَةٌ لِـنَفْسِ المُنْعِمِ

ويقول كذلك:

سَلِي الصُّبْحَ عَنِّي كيفَ يا عبلَ أُصْبِحُ .. وأينَ يَرانِي نَجْمُهُ حِينَ يَلْمَحُ

أفي خيمَتِي كـالنَّــاسِ أمْ فـي بيُوتِكُـم .. أَبُـثُّ الخِيَامَ الشـوْقَ وَهْوَ مبرِّحُ

أُقبِّــــلُ أطنــــابَ البُيُــــوتِ ورُبَّمَـــا .. تلفَّــتّ عن مُنْهلَّة الدَّمْـعِ تَسْفَحُ

أرَى بِوُقُــــــوفِي في دِيارِكِ راحَـــــةً .. ولَـمْ يَدْرِ ما يأسُو القلوبَ وَيَجرَحُ

يَخِفُّ لواشٍ يَشْرَحُ الزورَ سمعُـــهُ .. وفي أُذْنِـــهِ وقرٌ إذا جِئتُ أَشْرَحُ

أَرَى الغِيدَ مِنْ حَوْلي وفيهِنَّ سَلْوةٌ .. فَمَــــالِي أردُّ القَلْبَ عَنْكِ فَيَجْمَحُ

فَمَـــا سَرَّني مِنْهُنَّ مَــا كَـــانَ يُشتَهَى .. ولا رَاقَ لي منهُنَّ مَـا كَانَ يَملُحُ

أَحِيدُ عَنْ السَّـارِي لِكَـي لا يَريبُكـم .. وأُقْصِي كِلَابَ الحَيِّ عَنِّي فَتَنْبَحُ

فَيَـا عَــبْـلَ قَــدْ طَــالَ التَّنائي وظَلُّهُ .. مَتَى بتدَانينا الحوادِثُ تَسمَحُ؟

شِعر عنترة بن شداد:-

في شعره رقة وعذوبة، اجتمع في شبابه بـامرئ القيس الشاعر، وشهد حرب داحس والغبراء، وكان عنترة ينوه عن نسبه في شعره، من ذلك قوله:

إِنّي اِمرُؤٌ مِن خَيرِ عَبسٍ مَنصِب.. شَطرِي وَأَحمي سائِري بِالمُنصُلِ

وَإِذا الكَتيبَــةُ أَحجَمَــت وَتَلاحَظَـت .. أُلفيـتُ خَيراً مِن مُعَمٍّ مُخوَلِ

وَالخَيــلُ تَعلَـمُ وَالفَــوارِسُ أَنَّنــي .. فَــرَّقتُ جَمعَهُمُ بِطَعنَةِ فَيصَلِ

ويمتاز شعر عنترة بن شداد بعذوبة الأسلوب، وسهولة اللفظ، ورقة المعنى، وله حلاوة الغزل ومتانة الفخر، وديوانه مطبوع ولكن أكثره منحول عليه. وكثيراً ما يتغنى في شعره بمكارم الأخلاق كقوله:

وَلَقَـد أَبيتُ عَلــى الطَــوى وَأَظَلُّــهُ .. حَتّــى أَنالَ بِهِ كَريمَ المَأكَلِ

ومن ذلك قوله:

وَأَغَضُّ طَرفي ما بَدَت لــي جارَتــي .. حَتّى يُواري جارَتي مَأواها

إِنّـي اِمــرُؤٌ سَمــحُ الخَـليقَــةِ مـــاجِــدٌ .. لا أُتبِعُ النَفسَ اللَجوجَ هَواها

وأما في تشبيه الشيء بالشيء حركةً وهيئةً؛ فيقول عنترة:

وتــــرى الذبــابَ يغنــــــي وحــــــده .. هزجــــاً كفعل الشـــارب المترنِّــــــم

غـــــــرداً يحــــك ذراعه بذراعـــــه .. قدح المكــب على الزِّنــــاد الأجذَمِ

معلقة عنترة بن شداد العبسي:-

هو أحد شعراء العرب وفرسانهم وأبطالهم ومن أصحاب المعلقات، ومعلقة عنترة بن شداد من أجمل المعلقات، وأكثرها انسجاماً، وأبدعها وصفاً، وأشدها حماسةً وفخراً.
وتمتاز بالسهولة واللين الباديين فيها، والذين قلما يوجدان في الشعر النجدي القديم، والذين لا يخلوان من فخامة وجزالة واضحة جلية، سهلة اللفظ، قريبة المعنى، ليس بينها وبين النفس حجاب من هذه الجزالة التي تكاد تبلغ الغرابة، وإنما تسير في سهولة ويسر، وترتفع عن الإسفاف والابتداء دون تورط في الغلظة والإغراب، وعنترة فيها رقيق في غزله والإشادة ببطولته، بل هو رقيق في حديثه عن أعدائه، يقول في مطلعها:

هَــل غــــادَرَ الشُـــعَـــراءُ مِن مُتَـــرَدَّمِ .. أَم هَل عَرَفتَ الدارَ بَعدَ تَوَهُّمِ

يـا دارَ عَبـلَـــةَ بِالجَــــواءِ تَكَلَّمـــي .. وَعَمــي صَباحاً دارَ عَبلَةَ وَاِسلَمي

فَوَقَفــتُ فيهــــا ناقَتــــي وَكَـــــأَنَّه .. فَــدَنٌ لِأَقضِيَ حاجَةَ الـمُتَلَوِّمِ

وَتَحُــلُّ عَبلَــةُ بِالجَـــواءِ وَأَهلُن .. بِالحَــزنِ فَالصَمّانِ فَالـمُتَثَلَّمِ

حُيِّيتَ مِـن طَلَــلٍ تَقـــادَمَ عَهــدُهُ .. أَقــوى وَأَقفَرَ بَعدَ أُمِّ الهَيثَمِ

قصَّة المعلقة:-

أما قصَّة نَظمهِ للمُعلَّقة؛ فيقال: إن عنترة بن شداد كان يكتفي بقول الشعر المؤلف من بيتين أوثلاثة، فخاصمه رجلٌ وعيَّرهُ بسواده وسواد أمه، قائلاً عنه: إنه لا يجيد الشعر ولا يقوله.

فقال عنترة : “والله إن الناس ليترافدون الطعام فما حضرتَ أنت ولا أبوك ولا جدّك مرفد الناس قط، وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم، فما رأيتكً في خيل مغيرة في أوائل الناس قط، وإنَّ اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك خطة فصل”.

واسترسل عنترة قائلاً: “وإني لأحضر البأس وأوفي المغنم، وأعفُّ عن المسألة، وأجود بما ملكت يدي، وأفصل الخطة الصماء، وأمَّا الشِّعر فستعلم”، فغاب حيناً وعاد إليه فأنشده معلَّقته.

عنترة متواجد منذ أول أيام داحس والغبراء:-

من المؤكد بأن عنترة بن شداد كان حاضراً منذ اليوم الأول من معركة داحس والغبراء التي اندلعت بين فرعين من قبيلة غطفان، وهما عبس وذيبان.

هذه المعركة استمرت قرابة أربعين عاماً وشاركت فيها العديد من القبائل الأخرى مثل طيء وهوازن.

عموماً، يؤكد ابن الأثير في “الكامل” أن عنترة بن شداد أنشد قيس بن زهير والربيع بن زياد مرثيته في مالك بن زهير الذي قُتِل لتكون حادثته إحدى أبرز العوامل المفضية إلى اندلاع المعركة.

وهنا أنشَدَ عنتر مَرثيته في مالك قائلاً:

فــلله عيناً من رأى مِــــثلَ مــالِكِ.. عقيرةَ قوم أن جَرَى فَرَسانِ

فليتهما لم يَطعما الدهر بَعدها.. وليتهما لم يُجمعا لِرِهان

وهناك تأكيدٌ آخر يفيد بتواجُد عنترة منذ أول أيَّام داحِس والغبراء، إذ قادَ قيس بني عبس وحلفاءهم بني عبد الله ابن غطفان، يوم المريقب إلى بني فزارة، ورئيس بني فزارة حذيفة بن بدر، فتواجهوا بذي المريقب، واقتتلوا، فقتل ارطأة – وهو أحد بني مخزوم- عوف بن بدر، وقتل عنترة ضمضماً، ونَفَراً مِمن لا يَعرف اسمه، وهنا يقول:

ولَقَد خشيتُ بأن أموتَ ولم تَكُن للحربِ دائِرةٌ على ابنَي ضمضَم

الشــــاتِمَي عِرضيِ ولم أشتِمهما والناذِريَنِ إذا لَمَ ألقهما دمي

إن يَفعَلا فلــقد تَرَكــتُ أباهمـا جَزَر السِّباعِ وكلِّ نَسرٍ قَشعَمِ

وفاته:-

عاش عنترة بن شداد طويلاً، وقتله الأسد الرَّهِيص أو جبَّار ابن عمرو الطائي نحو سنة 22 ق.هـ/600م.

وتفيد إحدى أكثر روايات مقتله انتشاراً، -والتي جاء بها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه ” الأغاني”- أن عنترة “غزا طيئاً مع قومه، فانهزمت عبس، فخَرَّ عن فرسه، ولم يقدر من الكِبر أن يعود فيركب، فدخل دغلاً، وأبصره ربيئة طيء، فنزل إليه وهاب أن يأخذه أسيراً، فرماه وقتله”.

جمع عنترة بين الشعر والفروسية والشجاعة فضلا عن الكرم

المصادر:

  • أشعار الشعراء الستة الجاهليين (76).
  • الأعلام (5/91).
  • الشعر والشعراء (1/343/رقم 19).
  • ديوان عنترة، محمد سعيد مولوي.
  • اختيارت من الشعر الجاهلي، الأعلم الشنتمري.
  • عيار الشعر، ابن طباطبا.
  • عارف حجاوي، أول الشعر، عُصارة الشعر الجاهلي والإسلامي والأموي.
  • https://cdn.loc.gov/service/pnp/matpc/06800/06823v.jpg

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى