أخبار العرب

عمرو بن هند … ملكٌ أهلكه غروره

لُقِّبَ بالمُحرِّقِ الثاني؛ لِقيامه بحرقِ بعضٌ من بني تميمَ، انتقامًا لمقتلِ ابنه

تمهيد:-

إنه دَيْدَنُ الطغاةِ في كلِّ زمان، استكبارٌ وجحودٌ ونُكران، غيرَ أنَّ النهايةَ هي ذاتُها؛ فلا يُهلكُ النفوسَ إلّا طُغيانُها، حَفرَ بيديه حفرةً ليُذلَّ الأَكرَمِين، فهَوى هو فيها إلى أسفلِ سافلين، إنه عمرو بن هند مَلِكُ الحِيرة، الذي لم يُغنِه مُلْكٌ ولا حِيلة، من لقاء المصيرِ الأسودِ للطغاةِ والمُستكبرين.

من هو عمرو بن هند؟

هو عمرو الثالث بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان بن الأسود اللخميّ من كَهلان، مَلَكَ الحيرة بعد أبيه المنذز بن ماء السماء في الجاهلية، اشتهر باسم عمرو بن هند،  وقد نُسب إلى أمّه تمييزًا عن أخيه عمرو الأصغر بن أمامة، وأمُّه هي هند ابنة الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار، وهي عمة الشاعر امرئ القيس، وقد حكم ستةَ عشرَ عامًا، وبلغ مولد النبي – صلى الله عليه وسلم.

من إخوته قابوس بن المنذر و وعمرو بن أمامة، غير أنه كان يفضل قابوسًا على عمرو، فجعله على البادية، ولم يعطِ عمرًا شيئًا.

سطوتُه وصرامةُ حُكمه:-

لُقِّب عمرو بن هند بمُضْرِط الحِجَارة، لشدةِ وَطأته وفتكِه، وقوة سَطوته، وعُنف سياسته، فأطاعته العرب، وهابته القبائل،

كما لُقِّبَ بالمُحرِّقِ الثاني؛ لِقيامه بحرقِ بعضٌ من بني تميمَ، انتقامًا لمقتلِ ابنه – وقِيل أخيه – على يدِّ سُويد بن ربيعة الدّارمي التميمي، فأقسم عمرو لَيحرقَنَّ به مائةً من بني تميم، وقد لُقّب الحارث بن عمرو ملك الشام من آل جَفْنة بالمحرِّق هو الآخر، لأنه أول من حَرَّق العرب في ديارهم.

صارتِ الفتيانُ حُمَماً:-

بعدما قرر عمرو بن هند أن ينتقمَ من بني تميم، وبلغ الخبرُ آفاق مملكته، فبلغهم ذلك فتفرقوا في بلادهم، فحينما أتى الملكُ ديارهم، لم يجدْ فيها إلا عجوزًا يُقال لها الحمراء بنت ضمرة، فظنَّ أنها أعجميةٌ لِحُمرتها، فسألها : هل أنتِ أعجمية؟.

فقالت: لا، خَفضَ اللهُ جَناحك، وهدّ عِمادَك، وسَلبكَ بلادَك،أنا بنتُ ضمرة بن جابر، ساد مَعَدًّا كابرًا عن كابر، وأخي هو ضمرة بن ضمرة، وزوجي هو هوذة بن جرول، فقال : وأيُّ رجلٍ هو هوذة؟.

قالت: لا يَسألُ عن هوذة إلا أحمقٌ، فلو كان هاهنا لحال بيني وبينك، إنه طيبُ العِرق، سمينُ العَرق، لا ينام ليلةَ يخاف، ولا يَشبع ليلة يُضاف،يأكل ما وجد، ولا يَسأل عما فقد، فقال: لولا أني أخاف أن تلِدي مثل أخيكِ وأبيكِ وبعلكِ لتركتك – لعلّه أراد أن يُبرِّرَ لنفسه تبريرًا ساذجًا لفعلته فأنّى لعجوزٍ مثلها أن تلد؟ -فأمر بقذفها في النار، فقالت: تالله إنك ما أدركتَ بفعلتك ثأرًا، ولا محوتَ بها عارًا، غير العار الذي سيلحق بك أبدًا، واعلم أن مع اليوم غدًا، فلما أُحضِرَت أمام النيران، التَمَسَتْ مَن يفتديها فلم تجد، فقالت: هيهَات! صارتِ الفيتانُ حُمَمًا، فضُرِبَت مثلًا، فأُلقِيَت في النار حتى ذابت عظامها.

 الشّقيُ وافدُ البَراجم :-

كان عمرو بن هند قد أرسل مَن يجمع له القوم، وقِيل أنه مَكث يومه لم يقدرْ إلا على النساءِ والصبيان، يقذفُ بهم في أخدودِ النيران الملتهبة، فلما كان آخر اليوم، أقبل رجلٌ من البَراجم – أحد بُطون بني حَنظلة – على راحلته، فسأله عمرو: من أنت وما جاء بك هنا؟ فقال: أنا وافدٌ من البراجم، وكنت قد تضورتُ جوعًا، فشممتُ رائحةَ الشِّواء، فأقبلتُ ألتَمِسُ الطعام، فقال عمرو بن هند: إنّ الشّقيَّ وافدُ البَرَاجم، فأمر به أن يُقذَفُ في النار.

عمرو بن هند و عمرو بن كلثوم :-

سطَّر عمرو بن هند تفاصيل نهايته بيدِه، تلك النهاية التي ساقَه إليها غروره وتجبُّره وتكبُّره؛ ففي يومٍ بلغَ به الغرورُ مبلغه، وكان في مجلسه بين نُدمائه، فخطرَ له أن يسألهم قائلًا : “أهناكَ أحد من العرب تترفَّعُ أمُّه عن خدمةِ أمي؟”، فخيّمَ الصمتُ على المجلس برهةً من الزمان، إلى أن تعالتِ الهَمَساتُ بذِكرِ اسم عمرو بن كلثوم، واجمعت عليه الآراء، فتطايرَ الشررُ من عينَي الملك ابن هند متسائلًا عن السبب، فبادره الحضور قائلين: “ليس ثمَّ عجبٌ في ذلك، فهي ابنة الشاعر والفارس المغوار المهلهل بن ربيعة، وعمها هو كليب وائل سيد قومه، وزوجها هو كلثوم بن مالك أفرس العرب، وانجبت سيدَ قومه وفخر قبيلته عمرو بن كلثوم، فأنَّى لمثلِها أن ترضى بالخضوعِ؟!”

الشاعر عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب، من بني تغلب، أبو الأسود، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، وُلِدَ في شمالي جزيرة العرب في بلاد ربيعة
أخطأ عمرو بن هند في استدراجه عمرو بن كلثوم .

فازداد حنقُ عمرو بن هند، وعزمَ على أن يُرغِم أنفَ ليلى أمّ عمرو بن كلثوم التراب، ويُذلّها على مرأى ومَسمعِ الناس، فأرسلَ إلى عمرو بن كلثوم يستزيره هو وأمه، فقبِلَ بن كلثوم الدعوة، وأقبل في جماعةٍ من بني تغلب إلى الحيرة، فأعدّ عمرو بن هند رُوَاقه، ممتدًا فيما بين الحيرة والفرات، وأمر أعيانَ القبائلِ، ورؤساء العشائر من كل قبيلةٍ، ووُجهاء مملكته أن يحضروا، فحضرتِ الجُموعُ على دعوته، فدخل عمرو بن كلثوم على هذا الحشد، بينما دخلت ليلى مع هند في قُبةٍ أُعِدَّت في جانب الرواق.

 وكان عمرو بن هند قد دبَّر الأمر مع أمه قبل الوليمة، فأمرها أن تُنحِّي خدمها حين يُدعَى بطُرَفِ الطعام من الفاكهة وغيره، وأن تستعملَ ليلي، وتطلبَ منها أن تناولها حاجتها مرةً بعد مرة، ففعلت هند ذلك قائلة: ” ناوليني يا ليلى ذاك الطبق”، فأَنِفَتْ ليلى وقالت: “أَولَى بصاحبةِ الحاجة أن تقمْ إلى حاجتها”، إلا أنّ هندًا ألحّت في طلبها غير مرة، ففطِنَتْ ليلى لسوء نيّتها فاستغاثت صائحةً: “واذُلَّاه، يالَتغلب!”،  فبلغَ صوتها عمرو بن كلثوم، فألقى طَرْفَه إلى عمرو بن هند، ففطن إلى الشرِّ في ناظرَيه، فثارت الدماء في عروقه، فلَمَحَ سيفًا  لابن هند مُعلّقًا بالرواق، فاستَلَّه في لمحِ البصرِ، وضربَ به رأسه، فخرّ ميِّتًا، ونادى في جماعته من بني تغلب، فأقبلوا عليه ونهبوا الغنائم وسبوا النساء، ثم عادوا أدراجهم، وقُدِّرَت وفاته إثرَ هذه الواقعة نحو 45 ق. هـ/578 م.

وقد تحدث عمرو بن كلثوم عن هذه الحادثة بين أبياتِ قصيدته الشهيرة من المُعلّقات، أنشدها في سوق عكاظ ومكة، وقِيل أنه أنشد بعضًا منها في حضرةِ عمرو بن هند، حينما كانت قبيلتا تغلب وبكر يحتكمون إليه في منازعاتهم، غيرَ أنه كان ينصرَ بكرًا على تغلب ويتحيّز لها، وكان ذلك يُوجِدُ في نفسه، ثم أضاف إلى مُعلقته أحداث الواقعة التي تمت بعد قتله ابن هند، وقد أصبح ذِكرها على كل لسانٍ، يقول في بعض أبياتها:

أَلاَ لاَ يَجْهَلَـنَّ أَحَـــدٌ عَلَيْنَــــا .. فَنَجْهَــــلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَـا

بِاَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْــــــرُو بْنَ هِنْـدٍ .. نَكُــــــوْنُ لِقَيْلِكُـمْ فِيْهَا قَطِيْنَـا

بِأَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْـــــرَو بْنَ هِنْــــدٍ .. تُطِيْـــعُ بِنَا الوُشَـاةَ وَتَزْدَرِيْنَـا

تَهَـــدَّدُنَـا وَتُوْعِــــــدُنَا رُوَيْـــــداً .. مَتَــــــى كُـنَّا لأُمِّـكَ مَقْتَوِيْنَـا

فَـــــإِنَّ قَنَاتَنَـا يَا عَمْــــــرُو أَعْيَـتْ .. عَلـــى الأَعْـدَاءِ قَبَلَكَ أَنْ تَلِيْنَـا

إِذَا عَضَّ الثَّقَـــافُ بِهَا اشْمَـــــأَزَّتْ .. وَوَلَّتْـهُ عَشَـوْزَنَةً زَبُـوْنَـا

عَشَــــــوْزَنَــةً إِذَا انْقَلَبَتْ أَرَنَّـتْ .. تَشُـــــــجُّ قَفَا المُثَقِّـفِ وَالجَبِيْنَـا

فَهَلْ حُدِّثْتَ فِي جُشَـــمٍ بِنْ بَكْـــــرٍ .. بِنَقْــصٍ فِي خُطُـوْبِ الأَوَّلِيْنَـا

وَرِثْنَـا مَجْــدَ عَلْقَمَــــةَ بِنْ سَيْـفٍ .. أَبَـــــاحَ لَنَا حُصُوْنَ المَجْدِ دِيْنَـا

وَرَثْـتُ مُهَلْهِــــلاً وَالخَيْـــــرَ مِنْـهُ .. زُهَيْـــــــرًا نِعْمَ ذُخْـرُ الذَّاخِرِيْنَـا

وَعَتَّــــاباً وَكُلْثُـوْمــــــاً جَمِيْعـــــــاً .. بِهِـــمْ نِلْنَـا تُرَاثَ الأَكْرَمِيْنَـا

وَذَا البُــــــرَةِ الذِي حُدِّثْتَ عَنْـــــهُ .. بِـــــهِ نُحْمَى وَنَحْمِي المُلتَجِينَــا

وَمِنَّـا قَبْلَـــهُ السَّـــــاعِي كُلَيْـــبٌ .. فَـــــأَيُّ المَجْـدِ إِلاَّ قَـدْ وَلِيْنَـا

كثيرون يعتبرون الشاعر عمرو بن كلثوم الشخصية الأكثر جمعاً للقدرات والمواهب بين نظرائه من شعراء المعلقات
عمرو بن كلثوم الشاعر الفارس استطاع قتل عمرو بن هند .

وفخرت تغلب بفعلةِ عمرو بن كلثوم، وأنشد شاعرها أفنون صريم التغلبي شامتًا في عمرو بن هند وأمه يقول:

لَعَمرُكَ ما عَمرُو بنُ هِندٍ وَقَد دَعا .. لِتَخدِمَ أُمّي أَمَّهُ بِمُوَفَّقِ

فَقامَ اِبنُ كُلثومِ إِلى السَيفِ مُصلَتًا .. فَأَمسَكَ مِن نَدمائِهِ بِالمُخَنَّقِ

وَجَلَّلَهُ عَمــــرٌو عَلى الرَأسِ ضَــربَةً .. بِذي شُطَبٍ صافي الحَديدَةِ رَونَقِ

تعرف أكثر على عمرو بن كلثوم .. الشاعِر الفحل والفارس الشجاع

المصادر:-

● خير الدين الزركلي، الأعلام، ج5، ص86.
● ابن الأثير الجزري، الكامل في التاريخ، ج1، ص493.
● تاريخ الطبري، ج2،ص 104.
● جمهرة أشعار العرب، ج1، ص41.
● أبو الفضل الميداني، مجمع الأمثال، ج1، ص394.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى