نوادر العرب

عمرو بن كلثوم .. الشاعِر الفحل والفارس الشجاع

إذا بلغ الصبي لنا فطاما *** تخر له الجبابر ساجدينا

عمرو بن كلثوم أحد شجعان تغلب، كان جده لأمه المهلهل بن ربيعة، وكان خطيبًا شاعرًا فحلًا، وفارسًا شجاعًا، مما جعله يسود قومه وهو في سن الخامسة عشر كما يزعم الرواة، كل هذه العوامل جعلته شديد الفخر بنفسه، لديه أنفة شديدة وكبرياء.

إنشاد عمرو بن كلثوم قصيدته أمام عمرو بن هند:-

دامت الحرب طويلًا بين قبيلتي بكر بن وائل وتغلب، وراح ضحيتها العديد من القتلى، وترملت النساء، وتيتم الأطفال، وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى استسقى رجالٌ من تغلب بكر بن وائل فرضوا أن يسقوهم؛ لأنه وإن كانت الحرب قد وضعت أوزراها؛ فالحقد باقٍ في النفوس، فمات سبعين منهم عطشًا، فغضبت لذلك تغلب، وتأهبت لحرب بكر بن وائل، واستعدت هي الأخرى؛ ولكنهما كرهتا أن تعود الحرب بينهما كما كانت، فمالتا للمصالحة والمهادنة، وأن يحكم بينهما الملك عمرو بن هند (554-569 م).

وقد شرط عمرو بن هند على بكر بن وائل ليحكم بينهم أن يدفعوا إليه سبعين من أشرافهم، ليجعلهم في وثاق، فإن كان الحق لبني تغلب دفع لهم السبعين، وإن كان الحق مع بكر بن وائل ردهم سالمين، فوافقوا على ذلك.

عنوان الشجاعة والأنفة

وبينما كان عمرو بن هند جالسًا مع ندمائه سألهم من تعتقدون أنه سيُمثل قبيلة تغلب، فرأوا جميعًا أنه عمرو بن كلثوم التغلبي شاعرهم وفارسهم وأجودهم وأشجعهم، وبينما احتاروا في من سيُمثل قبيلة بكر بن وائل، فقال عمرو بن هند إنهم سيرسلون ذلك الشيخ الأصم.

وجاء اليوم الموعود، وقام الحارث بن حلزة خطيبًا، فقال إنه حاول أن يقف غيره في هذا المقام، لكن لم يجد من هو مناسب، وإنه يكره أن ينشد من خلف سبعة ستور، وأن ينضح أثره بالماء، لبرص فيه، ولكنه سيتحمل ذلك كله من أجلهم.

وعندما بدأ كلامه بدا مليء بالحكمة، فأعجبت أم عمرو بن هند به، وأمرت برفع الستور، فما زالت الستور ترفع حتى أجلسه عمرو على سريره، وأمر بألا ينضح أثره، أما الشاعر عمرو بن كلثوم التغلبي فلم يكن بحكمة الحارث بن حِلَزة، فأنشد قصيدته المشهورة التي منها:

أبا هند فلا تعجل علينا ..

وأنظرنا نخبرك اليقينا..

وقد زاد فيها من الفخر بنفسه وبقومه، بما لم يراع مكانة الملك، لدرجة أنه افتخر بعصيان الملك، حيث قال:

إذا ما الملك سام الناس خسفًا ..

أبينا أن نقر الذل فينا

فدفع عمرو بن هند لبكر بن وائل أشرافهم، وحكم لهم.

قتل عَمرو بن كُلثوم عمرو بن هند:-

بينما كان عمرو بن هند جالسًا مع بعض أصحابه، قال لهم :”هل يوجد واحد من العرب تأنف أمه من خدمة أمي” ، فقالوا :”نعم، أم عمرو بن كلثوم”، فقال :”لمَ”، فقالوا :”لأن أباها المهلهل، وعمها كليب بن وائل أعز العرب، وزوجها كلثوم الفارس الشجاع، وابنها عمرو سيد من السادات وشاعر وفارس”.

فبعث إلى عمرو بن كلثوم يطلب منه أن يزوره، وأن يحضر أمه لتزور أمه، فقدم عَمرو بن كلثوم في جماعة من تغلب، ودخل على عمرُو بن هند، وكان قد أمر أن يُنحى الخدم، لتستعمل أمه ليلى في خدمتها، وكانت بين أمه وأم عَمرو بن كلثوم نسب، فهند أمه عمة امرئ القيس، وليلى بنت أخو فاطمة أم امرئ القيس.

الشاعر عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب، من بني تغلب، أبو الأسود، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، وُلِدَ في شمالي جزيرة العرب في بلاد ربيعة
عمرو بن كلثوم .. عنوان الفروسية والشجاعة

فلما وضع الطرف، وتنحى الخدم، قالت هند :”يا ليلى ناوليني هذا الطبق”، فقالت ليلى :”لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها”، فكررت طلبها وليلى ترد نفس الرد، فصاحت :”واذلاه، يا لتغلب”.

فسمعها عمرو بن كلثوم فغلى الدم في عروقه، وانتزع السيف الوحيد الموجود بالمكان، وقطع رأس عَمْرُو بن هند، وأمر من معه بنهب الرواق، وانصرفوا، ويقال إن أخ عَمرو بن كلثوم قتل النعمان بن المنذر، وفي ذلك يقول الأخطل مفتخرًا:

أبني كليب إن عمي اللذا ..

قتل الملوك وفككا الأغلالا

شجاعة أم تهور؟

وبالرغم من قلة الأخبار عن عمرو بن كلثوم، غير أن شجاعته شاخصة فيها، سواء كانت بالقول فقد افتخر بعصيان الملك أمامه، أو بالفعل كقتل عمرُو بن هند في داره وبلده، إلا أن الشجاعة التي لا تقترن بحكمة، تكون ضربًا من التهور أو الحمق، فقد أضاعت شجاعة عَمْرُو بن كلثوم حق تغلب في المرة الأولى، وجعلتهم في مأزق مع كثير من القبائل التي تدين بالولاء لعمرو بن هند، إلى جانب العداوة المتأصلة بينهم وبين بكر بن وائل.

عمرو بن كلثوم .. شعره ملتهب حماسةً
عمرو بن كلثوم .. شعره ملتهب حماسةً

المصادر:

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى