علماء وفلاسفة

علي بن رضوان المصري.. عميد أطباء القاهرة

قال: إن على الطبيب أن يكون مأموناً، ثقة على الأرواح والأموال

اسمه ونشأته:-

ابن رضوان بن علي بن جعفر، أبو الحسن المصري، عميد أطباء القاهرة، وُلِدَ علي بن رضوان في الجيزة بمصر سنة 389هـ-998م، وكان أبوه فرَّاناً.

علي بن رضوان المصري .. عميد أطباء القاهرة
علي بن رضوان المصري

مكانة الطبيب علي بن رضوان العلمية:-

تعلم ابن رضوان الطب والفلسفة في مصر وهو ابن 15 سنة، وواجه صعوبة ومشقة؛ لأنه كان فقيراً لا يملك المال، فكان مرة يتكسب بصناعة القضايا بالنجوم ومرة بصناعة الطب ومرة بالتعليم.

وهنا يقول جمال الدين القفطي: “.. وكانَ في أوَّلِ أمره مُنجِّماً يقعد على الطريق، ويرتزق لا بطريقِ التحقيق كعادة المُنجِّمين، ثم قرأ شيئاً منَ الطِّب، وشيئاً من المَنطِق وكان من المُغلَّفين لا المُحقَّقين”.

واشتُهِر أمره وأصبح طبيباً بارعاً، وكان عمره حينئذٍ 32 سنة، وأصبح يتكسب من مهنة الطب التي درَّت عليه الكثير من المال، وهذا المال عاد بالنفع فيع على نفسه وأهله وجيران، فكان كريماً جواداً محباً للخير.

وكان ابن رضوان كثير الرد على من كان يعاصره من الأطباء، وكذلك على كثير ممن تقدمه، وكان يُشنِّع على من يريد مناقشته، ومن هؤلاء حنين بن إسحق، وأبو الفرج بن الطيب، ومحمد بن زكريا الرازي.

إسهاماته العلمية:-

  1. اهتمامه بمعاينة المريض والتعرف على مرضه، وذلك من خلال النظر إلى هيئة أعضاء المريض وسحنته وبشرته، وتفقد أعضائه الباطنية والخارجية، وطريقة نظره، وكلامه، ومشيته، والتعرف على نبض قلبه، وعلى مزاجه عن طريق توجيه الأسئلة إليه.
  2. حدد ابن رضوان واجبات الطبيب في معالجة أعدائه بنفس الروح والإخلاص والاستعداد التي يبذلها عند معالجة أحبائه.
  3. كانت بينه وبين ابن بُطلان طبيب بغداد، مراسلات دارت حول صغار الطير، وعدد من المواضيع الأخرى المتعلقة بالطب اليوناني.

خصال الطبيب عند علي بن رضوان المصري:-

كان ابن رضوان يرى أن الطبيب يجب أن يجمع سبع صفات؛ هي:

  1. أن يكون تام الخلق، صحيح الأعضاء، حسن الذكاء، جيد الروية، عاقلاً، ذكوراً، خيِّر الطبع.
  2. أن يكون حسن الملبس، طيب الرائحة، نظيف البدن والثوب.
  3. أن يكون كتوماً لأسرار المرضى، لا يبوح بشيء من أمراضهم.
  4. أن تكون رغبته في إبراء المرضى أكثر من رغبته فيما يلتمسه من الأجرة، ورغبته في علاج الفقراء أكثر من رغبته في علاج الأغنياء.
  5. أن يكون حريصاً على التعليم، والمبالغة في منافع الناس.
  6. أن يكون سليم القلب، عفيف النظر، صادق اللهجة، لا يخطر بباله شيء من أمور النساء والأموال التي شاهدها في منازل الأعلاء، فضلاً عن أن يتعرَّض إلى شيء منها.
  7. أن يكون مأموناً، ثقة على الأرواح والأموال، لا يصف دواء قتَّالاً ولا يُعلِّمه، ولا دواء يسقط الأجنة، يعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه.

نوادر الطبيب علي بن رضوان:-

قال: “كان عرض لي منذ سنين صداع مبرح عن امتلاء في عروق الرأس ففصدت فلم يسكن وأعدت الفصد مرارا وهو باق على حاله فرأيت جالينوس في النوم وقد أمرني أن أقرأ عليه حيلة البرء فقرأت عليه منها سبع مقالات فلما بلغت إلى آخر السابعة قال نسيت ما بك من الصداع وأمرني أن أحجم القمحدوة من الرأس، ثم استيقظت فحجمتها فبرأت من الصداع على المكان”.

من حكمه وأقواله البديعة:-

قال ابن رضوان: “أجعل ثيابي مزينةً بشعار الأخيار والنظافة وطيب الرائحة، وألزم الصمت وكف اللسان عن معايب الناس، وأجتهد أنْ لا أتكلم إلا بما ينبغي، وأتوقى الأيمان ومثالب الآراء، فأحذر العجب وحب الغلبة، وأطرح الهم الحرصي والاغتمام، وإن دهمني أمر فادح أسلمت فيه إلى الله تعالى وقابلته بما يوجبه التعقل من غير جبن ولا تهور، ومن عاملته عاملته يداً بيدٍ لا أسلف ولا أتسلف إلا أن أضطر لذلك، وإن طلب مني أحدٌ سلفاً وهبت منه ولم أرد منه عوضاً، وما بقي من يومي بعد فراغي من رياضتي صرفته في عبادة الله سبحانه”.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال الذهبي: “كان رأساً في الطب وفي التنجيم، من أذكياء زمانه بديار مصر”.
  • قال ابن أبي أُصَيبعة: “لم يزل ملازماً للاشتغال والنظر في العلم إلى أن تميَّز وصار له الذكر الحسن والسمعة العظيمة، وخدم الحاكم وجعله رئيساً على سائر المتطببين”.
  • قال ابن تَغْري بَرْدي: “هو من كبار الفلاسفة في الإسلام، له تصانيف كثيرة فيها المترجم والموضوع”.
  • قال ابن خلِّكان في “وفيات الأعيان” عن علي بن رضوان: ” رئيس الأطباء للحاكم صاحب مصر، لم يكُن له معلِّم في صناعة الطب، وله مصنَّف في أنَّ التعلُّم من الكُتُب أوفق من  المعلمين، وردَّ عليه ابن بطلان هذا الرأي وغيره في كتاب مفرد”.
  • قال علي عبد الله الدفاع في كتاب “روَّاد علم الطب في الحضارة العربية والإسلامية”: “كان أبو الحسن علي بن رضوان يبذل جُهداً في محاولته لتشخيص العَّلة عند المريض.. ونَهَجَ منهجاً رائعاً في فحص المريض، يدُّل على طول باعه في ميدان العلوم الطبية، لقد اندهشَ أطباء العصر الحديث من الطريقة التي سلكها ابن رضوان في فحصه لجِسم العليل؛ حيث أن طريقته التي كان يطبِّقُها لا تختلف كثيراً عن الفحص الإكلينيكي المُتَّبع في هذه الأيَّام”.
  • قال جمال الدين القفطي: ” وكان ابن رضوان يكتُب خطَّاً متوسِّطاً من خُطوط الحُكماء جالساً مُبين الحروف رأيتُ بخَّطهِ مقالةً الحَسَن بن الحَسَن بن الهيثم في ضوء القمر قد شكَّله تشكيلاً حَسَناً يدُل على تبحُّرِهِ في هذا الشأن، وكَتَبَ في آخره وكتبه: (علي بن رضوان بن علي بن جعفر الطَّبيب لنفسِهِ)..”.

أَسْتُرْغَار : (نبات ينبُت في خراسان): يُسخِّن المعدة ويجلو الرُّطوبات منها، فيجُوز بذلك الاستمراء للأطعمة، ويدفعُ مضارَّ السُّموم، وإذا جُعِلَ في الخَلّ صَيَّرهُ قريباً من خَلِّ العُنصُل.

ابن رضوان.

كتب علي بن رضوان المصري:-

  1. حل شكوك الرازي على كتب جالينوس.
  2. شرح الصناعة الصغيرة لجالينوس.
  3. المستعمل من المنطق في العلوم والصنائع.
  4. التوسط بين أرسطو وخصومه.
  5. كفاية الطبيب فيما صح لدي من التجارب.
  6. دفع مضار الأبدان.
  7. الكتاب النافع في تعلم صناعة الطب: تحدث فيه عن أفكاره وأفكار كثير من زملائه الآخرين عن الطب اليوناني القديم، وتطوره، وقيمته، وطريقة تعلمه.
  8. أصول الطب.
  9. شرح المقالات الأربع في القضايا بالنجوم لبطليموس.

وفاته:-

وكانت دار ابن رضوان بمدينة مصر في قصر الشمع، و قد شَهِدَ حدث الغلاء العظيم في مصر، والجلاء الفادح الذي حصد أرواح أكثر أهلها،.

ففي عام 445 هجري/1053 ميلادي؛ شهدت البلاد هذه المجاعة، وتبعها بسنة نقصاً في منسوب نهر النيل، ثم تزايد الغلاء وحصول الوباء المخيف وذلك في سنة 447 هجرية، وقيل: إن السلطان كفَّن بماله نحو ألف ثمانين ألف نفس، وأنَّه فقد ثمانمائة قائد، على أن ابن رضوان نجا من هذه الجائحة، حيث توفي سنة 453 هجرية (1061 ميلادية).

الإصطخري يصف ما شاهده في الديار المصرية
الإصطخري يصف ما شاهده في الديار المصرية قبل ولادة ابن رضوان

المصادر:

  • الأعلام (4/289).
  • بُناة الفكر العلمي في الحضارة الإسلامية (23/1).
  • العبر في خبر من غبر (2/300).
  • قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية.
  • عيون الأنباء في طبقات الأطباء (21 و561).
  • تاريخ الحُكماء، جمال الدين القفطي.
  • تاريخ النبات عند العرب، أحمد عيسى.
  • مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، العمري.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى