أعلام

علي بن تاشفين .. الحاكم المرابطي العالم والحازم

في عهده؛ بنيت العديد من المدارس وازدهرت الحركة العلمية والأدبية

يعتبر علي بن يوسف بن تاشفين من أهم زعماء الدولة المرابطية التي حكمت المغرب والأندلس في آن معاً، ففي عهده بلغت الدولة أوج قوتها وازدهارها، وبعد وفاته دخلت الدولة مرحلة الضعف و التراجع.

ميلاده ونشأته:

ولد علي بن يوسف بن تاشفين سنة 1083 م / 476 هـ  في مدينة مراكش لأبيه يوسف بن تاشفين  ( 1009– 1106م ) وأمه زينب النفزاوية ( 1039 – 1072 م) التي عرفت بذكائها الكبير.

ومنذ نعومة أظفاره ؛ أشرف والده على تربيته وتكوينه، وأحاطه باهتمام كبير وعناية فائقة، وعقد له البيعة في حياته؛ حيث تمت مبايعته في قرطبة ثم بعدها في مراكش.

و بعد وفاة  أبيه يوسف سنة 1106 م / 500 هـ ؛ اعتلى  علي بن  يوسف بن تاشفين سدة حكم الدولة المرابطية، بعد أن عقدت له البيعة  في نفس اليوم الذي قضى فيه والده.

 وكان أخوه تميم أول من بايعه، ليتبعه باقي كبار رجالات الدولة وشيوخ المرابطين، وقد كان عمره آنذاك ثلاثا وعشرون سنة.

صورة لإحدى مدن المغرب – عام 1904 م – مكتبة الكونغرس

وقد واجه هذا السلطان في بداية حكمه ثورة من طرف ابن أخيه يحيي ابن أبي بكر، الذي ثار في مدينة فاس وامتنع عن مبايعة عمّه، إلا أن هذا الأخير طارَدَهُ وألقى القبض عليه، ثم عفا عنه بعد ذلك وبعثه إلى الأندلس.

علي بن يوسف  .. دفاع متواصل عن الأندلس:

سار علي بن يوسف بعد توليه الحكم على نهج أبيه، فقام بمواصلة الجهاد الكفيل بالتصدي للقوى المسيحية في الأندلس، كما قام بتقريب العلماء والعناية بهم وبالاهتمام بتقوية الدولة ومؤسساتها.

وقد تميز عهده بالاستقرار والعدل، و لم يكن هذا  الخليفة يميل إلى الراحة بعد توليه الحكم، فمجرد وصوله إلى الحكم؛ قام باتخاذ إجراءات مهمة تمثلت في نقل الولاة وعزلهم ممن ثبت فيهم تقصيراً أو فساداً.

ونظرا للظروف والتوترات التي كانت سائدة بالأندلس آنذاك؛ فقد قام علي بن يوسف  بالعبور نحو الأندلس وذلك من أجل تنظيم أمورها.

حصل ذلك سنة 500 هـ / 1107 م، حيث قام آنذاك بتعيين أخيه تميم قائداً عاماً للجيش المرابطي في الأندلس.

وبعد ذلك؛ أرسل علي بن يوسف أمرا لأخيه تميم ( توفي 1126 م ) باستئناف القتال في المناطق الواقعة شرق الأندلس وذلك سنة 501 هـ، والعمل على تدمير الثغور المتبقية لدى النصارى، خاصة وأن هذه الفترة قد عرفت عدة هجمات  من طرف  القوى المسيحية بتحريض من  ألفونسو السادس ملك قشتالة، الذي كان يحاول استرجاع المدن التي كانت تحت سيطرة المرابطين والانتقام من هزيمة العقاب.

تغيرات متلاحقة ومتسارعة شهدها المغرب العربي

معركة أقليش نصرٌ آخر :

تعتبر هذه المعركة من أهم المعارك في تاريخ المرابطين، ولا تقل أهمية عن معركة الزلاقة بالرغم من أنها لم تنل ذات شهرتها .

وتبدأ فصول هذه المعركة بعد انتشار خبر مرض الخليفة يوسف بن تاشفين واقتراب وفاته، الأمر الذي شجع الإسبان المسيحيين على استئناف حروب الاسترداد بزعامة ألفونسو السادس ( 1043 –  1109 م )  ، والذي كانت  تعتريه رغبة في  الانتقام ، خاصة بعد الهزيمة الثقيلة التي تلقاها في معركة الزلاقة قبل عشرين سنة أمام الخليفة يوسف بن تاشفين بالذات.

وفي سنة 499هـ ؛ قام الاسبان بقيادة ألفونسو بمهاجمة أحواز إشبيلية، وأسروا العديد من المسلمين وأخذوا الكثير من الغنائم، في وقت كان فيه المسلمون منشغلون بالتعامل مع وفاة أميرهم .

وبعد وفاة الأمير يوسف بن تاشفين سنة  500هـ / 1106 م ، وتولي ابنه علي بن يوسف؛ أصدر هذا الأخير أوامره لأخيه الأمير تميم قائد الجيوش المرابطية في الأندلس من أجل الاستعداد لغزو أراضي قشتالة والقضاء  على الخطر والتهديدات المسيحية .

نجاح الأمير يوسف في مواجهة الحملات والحروب على المغرب

ومباشرة بعد تلقيه الأمر؛ قام الأمير تميم بإعداد جيش كبير، ضم إليه إثنين من أمهر قادة المرابطين، وهما محمد بن عائشة ومحمد بن فاطمة، وقاموا سنة 1108 م بقيادة الجيش للهجوم على مدينة أقليش التي كانت عبارة عن حامية عسكرية تضم  10 آلاف فارس مسيحي، سرعان ما فروا تحت ضربات جيش المرابطين، وقاموا بالاحتماء بحصن قرب المدينة.

ولما سمع ألفونسو السادس ملك قشتالة بذلك؛ أرسل مددا بقيادة ابنه الوحيد شانجه مع سبعة من أمراء دولته، التقوا في معركة أخرى مع الجيش المرابطي ونالوا هزيمة شنعاء، وقتلوا فيها جميعا.

وفي سنة 503 هـ ؛ عبر السلطان علي بن يوسف نحو الأندلس للمرة الثانية، وأقام بقرطبة شهرا  قضاها في  تعبئة الجيش المرابطي، من أجل  الزحف نحو  قشتالة  التي فتح بها 27 حصنا كانت تحت سيطرة المسيحيين، وبعدها بسنة أرسل جيشا استطاع فتح البرتغال والاستيلاء على لشبونة.

ورغم انتصارات المرابطين المتوالية في الأندلس؛ غير أن المسيحيين لم يتوقفوا عن شن هجماتهم رغبة في استرجاع المناطق التي فتحها المسلمون،  وقد تم لهم ذلك سنة 513 هـ حيث استطاعوا الاستيلاء على قلعة أيوب، الأمر الذي اضطر الخليفة علي بن يوسف إلى العبور نحو الأندلس مرة أخرى، حيث قام بصد الهجمات المسيحية وفتح شنتمرية، وعين أخاه تميم بعد ذلك واليا على الأندلس.

وبعد سنتين من هذا الحدث؛ بدأت الأوضاع الداخلية للدولة المرابطية تتأزم، خاصة بعد ظهور الدعوة الموحدية على يد المهدي بن تومرت ( 1077 – 1130 م).

تغير في موازين القوى الحاكمة في المغرب – الصورة تعبيرية تعود إلى العام 1904 م – مكتبة الكونغرس

الانجازات الحضارية لعلي بن يوسف:

لم تقتصر انجازات ومجهودات علي ابن يوسف على الميدانين السياسي والعسكري فقط، بل شملت أيضاَ المضمارين العلمي والمعماري، فقد عُرِف عن هذا السلطان اهتمامه الكبير بالعلم والعلماء الذين كانوا يحظون برعاية فائقة من طرفه.

وفي عهد هذا الخليفة؛ بنيت العديد من المدارس وازدهرت الحركة العلمية والأدبية بعد أن أخذ المرابطون نصيبا من الحضارة .

وشمل اهتمام الخليفة المرابطي الميدان المعماري أيضا، حيث تم بناء العديد من المدارس والمساجد، ويعتبر مسجد تلمسان الذي بني سنة 536 هـ أحد الآثار الشاهدة على عظمة المعمار المرابطي، خاصة وأن هذا المسجد الذي بني على حوالي 3400 متر مربع لا يزال يحتفظ بشكله الأصلي  إلى الآن.

رسم لمدينة تلسمان يعود إلى العام 1860 م – مكتبة الكونغرس

الخلاصة:

 ينبغي القول: إن عهد  كل من علي بن يوسف وقبله عهد والده يوسف بن تاشفين شكل أزهى فترات الدولة المرابطية والمغرب الأقصى عموما، غير أن ظهور المهدي بن تومرت زعيم الموحدين وبدء انتشار دعوته خلال فترة حكم علي بن يوسف؛ زاد من تأزم الأوضاع الداخلية للدولة المرابطية، لتنضاف إليها المحاولات المتوالية للمسيحيين بالأندلس، الأمر الذي أدخل الدولة مرحلة الضعف التدريجي .

المصادر:

  • ابراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، الجزء 01
  • د . أحمد عزاوي، مختصر في تاريخ الغرب الاسلامي، الجزء 02

https://www.islamstory.com/ar/artical/22159/%D8%B9%D9%84%D9%8A_%D8%A8%D9%86_%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81_%D8%A8%D9%86_%D8%AA%D8%A7%D8%B4%D9%81%D9%8A%D9%86

http://www.lovely0smile.com/Msg-8652.html

https://defense-arab.com/vb/threads/54508/

Image by David Mark from Pixabay 
الوسوم

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق