أخبار العرب

علي بن أبي طالب و كميل

نُقِلَ عن كُمَيْل بن زياد النخعي (12-82 هـ) قوله: أخَذَ بيدي علي بن أبي طالب كرَّمَ الله وجْهَهُ، فخرَجَ بي إلى ناحية الجَبَّانة، فلمَّا أصْحَرَ؛ تنفَّسَ الصُّعَدَاء، ثمَّ قالَ: يا كُمَيْل، إنَّ هذه القلوب أوعية، فخيرِها أوعَاهَا فاحْفَظ عَنِّي ما أقولُ لكَ:

النَّاسُ ثلاثة: عالمٌ ربَّاني، ومُتَعَلِّمٌ على سبيلِ النَّجَاة، وهَمَجٌَ رَعاعٌ، أتْبَاعُ كُلَّ ناعِقٍ، مع كُلِّ ريحٍ يَمِيلونَ، لم يستضيئوا بنورِ العِلْم، ولم يَلْجَئوا إلى رُكْنٍ وثيقٍ.

يا كميل، العِلمُ خيرٌ منَ المال: العِلْمُ يَحرُسكَ وأنت تحرس المال، والمال تنقصُهُ النَّفَقَة، والعِلْمُ يَزْكو على الإنفاق، ومنفَعَةُ المالِ تزولُ بزَوَالِهِ.

الإمام علي بن أبي طالب، الصحابي -رضي الله عنه- هو ابن عم الرسول الكريم، صاحب العلم والحكمة والمروءة والشجاعة

يا كميل، محبَّةُ العِلْمِ دِيْنٌ يُدانُ بِهِ، بِهِ يَكسَبُ الإنسانِ الطَّاعَةَ في حياتِهِ، وجميلَ الأحْدُوثةِ بعْدَ وَفَاتِهِ، والعِلْمُ حاكمٌ والمالُ محكومٌ عليهِ.

يا كميل، ماتَ خُزَّانُ المالِ وهُمْ أحياءٌ، والعُلَمَاءُ باقُونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ، أعيانهُم مَفْقُودَة، وأمْثالَهُم في القُلوبِ موجودَة.. ها إن ها هُنَا لَعِلماً جَمَّاً- وأشار بيدهِ إلى صَدْرِه- لو وَجَدْتُ لهُ حَمَلَةً، بلى أجِدُ لقناً (مُحَمَّلاً مُلَقَّنَاً مِنَ العِلْمِ) غيرَ مأمونٍ عليه، يَسْتَعْمِلَهُ آلة الدِّيْنِ للدُّنيا، ويَستَظْهِر بِحِجج الله على أوليائهِ، وبِنِعَمِهِ على عبادِهِ؛ أو مُنقَاداً لحَمَلَةِ الحَقِّ ولا بصيرة لهُ في أحْنَائِهِ (المتشابه، أو الأطراف والنواحي من الأمور) ينقدِحُ الشَّك في قلبِهِ لأولِ عارِضٍ من شُبْهة، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

أو منهوماً باللَّذَّة، سَلِسَ القيادَةِ للشَّهْوَةِ، أو مُغْرَمَاً بالجَمْعِ والادخَارِ ليس من رُعَاةِ الدِّينِ في شيءٍ أقربُ شَبَهَاً بهِمَا الأنعامِ السَّائمَة.

أبيات من الحكمة للإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -

كذلكَ يموتُ العِلْمُ بِمَوْتِ حامليه. اللهُم بلى، لا تَخْلُو الأرضُ من قائمٍ بحُجَّةِ اللهِ إمَّا ظاهِرَاً مشهوراً، أو خائفَاً مغمورَاً، لئلاً تَبْطُلَ حُجَج الله وبيِّناتِه؛ وكَمْ ذا، وأين؟ أولئِكَ واللهِ الأَقَلُّونَ عَدَدَاً؛ والأعظمونَ عِنْدَ اللهِ قَدْرَاً؛ بِهِم يحفَظُ اللهُ حُجَجَهُ حَتَّى يودعوها نُظَراءهم؛ ويزرعوها في قُلُوبِ أشباهِهِم، هَجَمَ بِهِم العلمُ على حقيقةِ الإيمانِ حتَّى باشروا رُوح اليَقين؛ فاستَلانُوا ما استَخْشَنَ المُتْرَفُون، وأنِسُوا بما استوحَشَ منهُ الجَاهِلونَ، وَصَحِبُوا الدُّنيا بإبدانٍ أرواحُها مُعلَّقَةٌ بالرَّفيقِ الأعلى.

يا كميل، أولئكَ خُلَفَاءِ اللهِ في أرْضِهِ، والدُّعَاةِ إلى دِيْنِهِ، آه آه. شوقاً إليهم.. انصَرِف إذا شِئتَ.

المصدر: –

العقد الفريد، ابن عبد ربه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى