اختراعاتعلماء وفلاسفة

علي بن أبي الرجال .. الفلكي والشاعر

شارك أبا سهل القوهيّ في أرصاده التي كان يقوم بها في بغداد

من هو علي بن أبي الرجال المغربي ؟

هو أبو الحسن علي بن أبي الرجال الشيباني الكاتب المغربيِّ القيروانيِّ، من أهل فاس، لا نعلم عن مولده ونشأته سوى أنّه قضى شطراً من حياته في بلاط الأمير التونسي “المعزّ بن باديس”  (المتوفى 454 ه‍) في القيروان (تونس حاليا) و كان رئيس ديوان الإنشاء في الدولة الصنهاجية، و عالِم الفلك الخاص بالبلاط، و هو الذي درَّس المعزّ ولقّنه العلوم.

كانت لابن أبي الرجال مكانته في علم الفلك، وله فيه مؤلفات قيمة تجاوزت شهرتها بلاد المغرب، فعُرف في أوروبا بأسماء عديدة؛ كـ  Albohazen أو  Albohacen وأسماء أخرى.

مكانته العلمية:

كان علي بن أبي الرجال من ذوي الميل إلى العلوم الرياضية والفلك بالخصوص، إذ شارك أبا سهل القوهيّ في أرصاده التي كان يقوم بها في بغداد في الثلث الثالث من القرن الرابع أو أواخر القرن العاشر للميلاد، وله في هذا العلم مصنفات غنية.

 ثمّ إنّ علي بن أبي الرجال كان أيضاً أديباً ناثراً و شاعراً متين السبك رقيق الكلام؛ من فنونه الفخر و الحكمة و الغزل و العتاب و الخمريات.

الإدريسي يتحدث عن القيروان

وقد جاء ذكر ابن ابي الرجال في كتاب لأبي علي بن رشيق القيرواني، وقد كان قد صنفه له، وهو “العُمدة في محاسن الشّعر وآدابه”، فوصف المؤلف الكبير أبنَ ابي الرجال في مقدّمة الكتاب بقوله: “رجل الخطب، وفارس الكتب، أبو الحسن علي بن أبي الرّجال الكاتب، زعيم الكرم، وواحد الفهم، الذي نال الرئاسة، وحاز السيّاسة، وانفرد بالبسط والقبض، واتّحد في الإبرام والنّقض، عن سعي مشكور، وفضل مشهور، وعلم بالموارد والمصادر، ونظر في الأوائل والأواخر، وتتّبع لآثار من سلف، من أهل القدر والشرف، وتقلّب في مجالس الحكم، وبين ذوي الأقدار والهمم إلى أن صار نسيج وحده، وقريع دهره، غير مدافع ذلك، ولا منازع فيه…” ثم أضاف: “سلامة طبع واندفاعه، وقرب لفظ واتّساعه، ورقّة معان وإرهافها، وظهورها مع ذلك وانكشافها، مع لطف مواقعها من القلوب، وسرعة تأثيرها في النّفوس”.

مختارات من آثاره:-

  • في الحنين الى الأهل و الديار؛ قال علي بن أبي الرجال :

و لــي كــبــدٌ مـكـلـومـةٌ مــن فـراقـكـم..

أطـامـنـهـا صــبـرا عــلـى مــا أجــنّـتِ

تمـنّـتـكـم شـوقـــا إلــيـكــم و صـبــوةً..

عـسى الـلّه أن يـدني لـها مـا تـمنّت

و عـينٌ جـفـاها الـنوم واعتادها الـبُكا..

إذا عـــنَّ ذِكْـــرُ الـقـيـروان اسـتـهـلّتِ

  • في الخمر، قال علي بن أبي الرجال :

ألا ليـت أيــامــا مـضــى لــي نـعـيـمها ..

تـــكـــرّ عــلــيـنـا بــالـوصـال و تـنــعـمُ

وصفراء تحكي الشَّمسَ من عهد قيصرٍ..

يـتــوق إلــيــهـا كــــلّ مــــن يــتـكـرَّم

إذا مـزجـت فـي الـكـأس خِـلْـتَ لآلـئـاً..

تــنــثّــر فــــــي حــافــاتـهـا و تــنــظّـم

جـمعـنا بِهـا الأشـتَاتَ مِـن كُــلِّ لــذّةٍ..

عـلى أنّـه لـم يـغش فـي ذاك محرم

  • في الشكوى من الناس قال ابن أبي الرجال :

أيـــا ربّ، إن النــاس لا يـنـصـفـونـنـي..

و لم يحسنوا قرضي على حسناتي

إذا مــا رأونــــي فــي رخــاءٍ تــردّدوا..

إلَـــيَّ، و أعــدَائــي لــــدى الأزمـــات

ثـِـقـاتـيَ مـا دَامــــت صـلاتــي إلـيـهـمُ ..

و إن عـــنــهــم أخّــرتــهــا فــعــداتــي

ســأمْـنَــعُ قَــلـبـي أن يَـحِــنَّ إليـهـمُ ..

و أصـــرِفُ عـنـهـم -قـالـيـا- لـحـظـاتي

علي بن أبي الرجال وكتابه الشهير “البارع”:

 اعتبر هذا المصنف من أعظم كتب الفلك وأشهرها في عصره، وقد جعله الكاتب في ثمانية كتب تغطي عدة أنواع من علم الفلك، تتضمن هذه الكتب تحقيقات فلكية وتواريخ ميلاد ومناقشات حول الأبراج وطبيعتها وسمات الكواكب وصفاتها، حيث يقول علي بن ابي الرجال في مطلع الكتاب: ” الحمد لله الواحد القهار العزيز الجبار… وبعد فهذا كتاب جمعت فيه من معاني علوم النجوم وغرائب أسرارها واخترته من كثير من كتب علمائها وأضفت إليه ما نتجته فكرتي وأتت عليه تجربتي”.

 وقد تُرجِم هذا الكتاب أولاً للغة القشتالية القديمة بواسطة “يهودا بن موشي” ببلاط “ألفونسو العاشر” سنة 1254 م، ثم تُرجِمت النسخة القشتالية القديمة لهذا العمل مرتين إلى اللغتين اللاتينية والعبرية بالإضافة إلى البرتغالية القديمة.

كتاب البارع في أحكام النجوم لابن أبي الرجال ، أحد الأعمال التي ترجمها الفريق المكون من المفكرين المسلمين والمسيحيين واليهود الذين جمعهم ألفونسو العاشر ملك قشتالة (حكم من 1252–1284) في مدينة طليطلة لترجمة أعمال العلوم العربية إلى اللغتين اللاتينية والأسبانية القشتالية. وقد بقيت نسخةُ مخطوطةٍ تضم خمسة من أصل ثمانية كتب كان يهودا بن موشي كوهين قد ترجمها إلى القشتالية القديمة، وهي موجودة في المكتبة الوطنية الإسبانية. وقد تم نشر ترجمة لاتينية للمخطوطة القشتالية القديمة بعنوان Judiciis Astrorum (كتاب البارع في أحكام النجوم) في البندقية في عام 1485 وقد أصبحت تلك المخطوطة في فترة عصر النهضة في أوروبا مصدراً هاماً لفهم علم التنجيم الخاص بالعصور الوسطى.

أما الترجمة اللاتينية الأولى لكتاب علي بن أبي الرجال ؛ فقد قام بها “إيجيديوس دي تبالدي” سنة 1256 م وساعده فيها “بيتروس دي ريجيو”، وقد أهدَى المترجم أنطونيوس ستوبانوس العمل لأسقف ريتيا ألتا وعبر عن استيائه من رداءة الترجمات السابقة.

وقد كان لكتاب البارع تأثيراً كبيراً على علم الفلك في أوروبا من خلال ترجماته من العربية إلى لغات أوروبية متعددة تتضمن اللغة الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية.

وقد تم تناول الكتاب المذكور من قبل المستشرق التشيكي “نيكل” وذلك عبر دراسة مفصلة موضحا أهمية الكتاب وتعبيره عن أحكام علم الفلك في ذلك العصر سواء في الشرق أو في الغرب.

وقد أخذ علي بن أبي الرجال عن كتاب “البزيذج” المشهور في صناعة أحكام النُجوم، وهو يتألف من عشر مقالات، وهو منسوب إلى واليس الرومي المعروف كأحد أشهر الإحكاميين في أيام هدريانوس وأنطونيوس من ملوك الرومان في منتصف القرن الثاني الميلادي، ثم تُرجِم إلى البهلوية وسمي بالفارسية بـ”المختار”

يظهر هنا إصدار عام 1523 لنفس العمل، وهو إصدار نادر جداً، وقد طُبع أيضاً في البندقية – المكتبة الرقمية العالمية.

تصانيف أخرى:

ولعلي بن أبي الرجال مؤلفات ومخطوطات أخرى، كرسالة الأبراج ، كما أن له عدة أراجيز في علم الفلك، الأولى منها في أحكام النجوم ومواقعها، والثانية وهي الأهم والأكثر شيوعا، وقد اهتم بها العلماء التالون له واعتبروها من الأراجيز التعليمية الهامة التي يعتمد عليها الطالب لعلم الفلك، وهي أرجوزة في أحكام الفلك وقوانينه وأسسه وقواعده وأرصاده ، وقد شرحها الكثير من العلماء ولعل أهم تلك الشروح كان شرح “القنفذي”، وله أرجوزة أخرى عن الرعد وظواهره وأحداثه.

وفاة ابن أبي الرجال:

 كانت وفاة علي بن أبي الرجال في حوالي سنة 432هـ / 1040م بالقيروان-  تونس. 

ابن حوقل يصف مدينة القيروان

المصادر:

  • عمر فرّوخ: تأريخ الأدب العربي، ج4، دار العلم للملايين.
  • مجموعة من الباحثين، تاريخ الأدب التونسي الحديث والمعاصر، المجمع التونسي.
  • علم الفلك، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى، السنيور كرلونلينو.
  • أيمن السيد عبد اللطيف: الحياة الثقافية فى المغرب الأدنى.
  • مكتبة قطر الوطنية، والمكتبة الرقمية العالمية.

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى