أعلامانفوجرافيكس

عضد الدولة .. أول من حمل لقب ” شاهنشاه ” بالإسلام

قصده فحول الشعراء في عصره، ومدحوه بأحسن المدائح

اسمه ونشأته:

فَنَّاخُسْرو، الملقَّب عضد الدولة بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بُوَيْه، أبو شجاع الديلمي، صاحب العراق وفارس، وُلِدَ سنة 324هـ.

ملكه:

ولي سلطنة بلاد فارس، بعد عمه عماد الدولة علي، ثم حارب ابن عمه عز الدولة، واستولى على العراق أيضاً وعلى الجزيرة، ودانت له الأمم، ولم يبلغ أحد من أهل زمانه ما بلغه عضد الدولة من سعة المملكة والاستيلاء على الملوك وممالكهم، فقد جمع ملك أقاربه كلهم، وضم إلى ذلك الموصل وبلاد الجزيرة وغير ذلك، ودانت له البلاد والعباد، ودخل في طاعته كل صعب القياد، حتى أصبح يُلقَّب تاج الملة.

ابن بطوطة يروي تفاصيل رحلته إلى الموصل التي خضعت لحكم عضد الدولة
ابن بطوطة يروي تفاصيل رحلته إلى الموصل التي خضعت لحكم عضد الدولة

أوائله:

هو أول من خوطب بالملك في الإسلام، وأول من خُطِبَ له على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وأول من لقب في الإسلام ” “.

منزلته ومكانته:

كان عضد الدولة فاضلاً، محباً للفضلاء، وهو الذي أظهر قبر الإمام علي كرَّم الله وجهه، بالكوفة، وبنى عليه المشهد الذي هناك، وعمَّر النواحي، وحفر الأنهار، وأصلح طريق مكة، وهو الذي بنى على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم سوراً، وبنى المارستان العضدي ببغداد، وأنفق عليه أموالاً لا تحصى، وشارك في عدة فنون من فنون العلم، وصنَّف له الشيخ أبو علي الفارسي كتاب «الإيضاح» و«التكملة في النحو».

وقصده فحول الشعراء في عصره، ومدحوه بأحسن المدائح؛ فمنهم أبو الطيب المتنبي، الذي قال فيه في قصيدته المشهورة الهائية:

وَقَد رَأَيتُ المُلوكَ قاطِبَةً.. وَسِرتُ حَتّى رَأَيتُ مَولاها

وَمَن مَناياهُمُ بِراحَتِهِ.. يَأمُرُها فيهِمِ وَيَنهاها

أَبا شُجاعٍ بِفارِسٍ عَضُدَ الـ.. ـدَولَةِ فَنّاخُسرو شَهَنشاها

أَسامِياً لَم تَزِدهُ مَعرِفَةً.. وَإِنَّما لَذَّةً ذَكَرناها

تَقودُ مُستَحسَنَ الكَلامِ لَنا.. كَما تَقودُ السَحابَ عُظماها

هُوَ النَفيسُ الَّذي مَواهِبُهُ.. أَنفَسُ أَموالِهِ وَأَسناها

الشاعر الحكيم أبو الطيب المتنبي فارس الشعر العربي، له الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة، واعتبره بعض علماء الأدب أشعر الإسلاميين عضد الدولة
أبو الطيب المتنبي فارس الشعر العربي.

وكذلك امتدح المتنبي عضد الدولة في قصيدته النونية التي قال فيها:

يَقولُ بِشِعبِ بَوّانٍ حِصاني.. أَعَن هَذا يُسارُ إِلى الطِعانِ

أَبوكُم آدَمٌ سَنَّ المَعاصي.. وَعَلَّمَكُم مُفارَقَةَ الجِنانِ

فَقُلتُ إِذا رَأَيتُ أَبا شُجاعٍ.. سَلَوتُ عَنِ العِبادِ وَذا المَكانِ

فَإِنَّ الناسَ وَالدُنيا طَريقٌ.. إِلى مَن ما لَهُ في الناسِ ثانِ

لَقَد عَلَّمتُ نَفسي القَولَ فيهِم.. كَتَعليمِ الطَرادِ بِلا سِنانِ

بِعَضدِ الدَولَةِ اِمتَنَعَت وَعَزَّت.. وَلَيسَ لِغَيرِ ذي عَضُدٍ يَدانِ

ثم أنشده قصيدته الكافية يودعه فيها ويعده بالعود إلى حضرته، وهي آخر شعر المتنبي، ومما قاله فيه في هذه القصيدة هذه الأبيات:

أَروحُ وَقَد خَتَمتَ عَلى فُؤادي.. بِحُبِّكَ أَن يَحِلَّ بِهِ سِواكا

وَقَد حَمَّلتَني شُكراً طَويلاً.. ثَقيلاً لا أُطيقُ بِهِ حَراكا

أُحاذِرُ أَن يَشُقَّ عَلى المَطايا.. فَلا تَمشي بِنا إِلّا سِواكا

لَعَلَّ اللَهُ يَجعَلُهُ رَحيلاً.. يُعينُ عَلى الإِقامَةِ في ذَراكا

وَلَو أَنّي اِستَطَعتُ خَفَضتُ طَرفي.. فَلَم أُبصِر بِهِ حَتّى أَراكا

وَكَيفَ الصَبرُ عَنكَ وَقَد كَفاني.. نَداكَ المُستَفيضُ وَما كَفاكا

وَمَن أَعتاضُ عَنكَ إِذا اِفتَرَقنا.. وَكُلُّ الناسِ زورٌ ما خَلاكا

وَما أَنا غَيرُ سَهمٍ في هَواءٍ.. يَعودُ وَلَم يَجِد فيهِ اِمتِساكا

وامتدحه غيره من الشعراء كأبي الحسن محمد بن عبد الله السُّلامي، وكان عين شعراء العراق.

فصاحة عضد الدولة:

كتب إليه أبو منصور أفتكين التركي متولي دمشق كتاباً مضمونه أن الشام قد صفا وصار في يديه، وزال عنه حكم صاحب مصر، وإن قويتني بالأموال والعدد حاربت القوم في مستقرهم، فكتب عضد الدولة جوابه هذه الكلمات، وهي متشابهة في الخط لا تقرأ إلا بعد الشكل والنقط والضبط، وهي: “غرَّك عِزُّك، فصار قُصار ذَلِك ذُلَّك، فاخشَ فَاحِشَ فِعْلِك؛ فَعَلَّك بهذا تُهدا”.

شعر عضد الدولة:

كان لعضد الدولة شعر نفيس ونظم بديع، ومن ذلك هذه الأبيات:

ليسَ شربُ الرَّاحِ إِلاَّ فِي المَطَر.. وَغِنَاءٌ مِنْ جَوَارٍ فِي السَّحَر

مبرزَات الكَأسِ مِنْ مَطْلِعِهَا.. سَاقيَاتِ الرَّاحِ مَنْ فَاقَ البشَر

عَضُدُ الدَّوْلَةِ وَابنُ رُكْنِهَا.. ملكُ الأَمْلاَكِ غَلاَّبُ القَدَ

ما قيل فيه:

قال الذهبي: “كان شهماً مطاعاً شجاعاً حازماً ذكياً، متيقظاً مهيباً، سفاكاً للدماء، له عيون كثيرة تأتيه بأخبار البلاد القاصية، وليس في بني بُوَيْه مثله، وكان قد طلب حساب ما يدخله في العام، فإذا هو ثلاثمئة ألف ألف، وعشرون ألف ألف درهم، وجدَّد مكوساً ومظالم”.

درهم فضي يعود إلى القرن السابع لميلادي
درهم فضي يعود إلى القرن السابع لميلادي، مصدره إيران، متحف الميتروبوليتان

وقال عنه أيضاً: “كان بطلاً شجاعاً مهيباً، نحوياً، أديباً عالماً، جباراً، عسوفاً، شديد الوطأة”.

وقال ابن الجوزي: “كان يرتفع له في العام، اثنان وثلاثون ألف ألف دينار، كان له كِرْمان، وفارس، وخوزستان، والعراق، والجزيرة، وديار بكر، ومنبج، وعُمان، وكان ينافس حتى في قيراط، جدَّد مظالم ومكوساً، وكان صائب الفَراسَة”.

وقال الزمخشري: “وصف رجل عضد الدولة فقال: وجهٌ فيه ألف عين، وفم فيه ألف لسان، وصدر فيه ألف قلب!”.

وفاة عضد الدولة:

لما احتضر لم يكن لسانه ينطق إلا بتلاوة قوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)} [الحاقة: 28 – 29]، وقد توفي في بغداد بعلة الصرع، في يوم الإثنين، 8 شوال، سنة 372هـ، ودُفِنَ بدار الملك ببغداد، ثم نقل إلى الكوفة ودفن بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النجف، وعُمُرُه سبع وأربعون سنة وأحد عشر شهراً وثلاثة أيام.

نهر دجلة يخترق شطريّ بغداد في العام 1932 م عضد الدولة
نهر دجلة يخترق شطريّ بغداد في العام 1932 م – مكتبة الكونغرس

المصادر:

الأعلام للزركلي (5/156).

سير أعلام النبلاء (16/249/رقم 175).

شذرات الذهب في أخبار من ذهب (4/389).

العبر في خبر من غبر (2/139).

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/50/532).

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق