أخبار العرب

عروة بن الورد .. الصعلوك والسارق الخلوق

قيل : من زعم أن حاتمًا أكرم العرب فقد ظلم عروة

كان عروة بن الورد من شعراء الصعاليك، وكان فارسًا محبوبًا من قبيلته، وعندما يذهب إليها يُحتفى به، وكان أبوه من أشراف القوم، وله دور كبير في حرب داحس والغبراء، ولكن أمه كانت من نهد وهي قبيلة وضيعة لا شرف فيها، وهذا الذي جعل عروة يثور على الأغنياء، فهو يشعر بالعار من قِبل أمه وأخواله، فاحترف الصعلكة والإغارة.

أخلاق عروة بن الورد1:-

بالرغم من أن عروة بن الورد كان من الصعاليك الذين فرغوا أنفسهم للغارات وقطع الطرق، فلم يكن عروة كغيره سفاكًا فتاكًا، ينهب من أجل النهب ويسلب من أجل السلب، وإنما كان يغير من أجل إعطاء الفقراء والضعفاء والمرضى والنساء اللاتي لا يجدن من يعولهن، حتى إنه كان يؤثرهم على نفسه، وربما قسم لهم كل الغنائم ولم يبقِ لنفسه شيئًا، وقد سمي عروة الصعاليك لأنه جمعهم.

ومن قوله في المعروف:

ومكروب كشفتَ العارَ عنه .. بضربة صارمٍ لمَّا دعاني

وقُلْتُ لهُ: أتاك أتاك فانهَض .. شجاعٌ حين ينهض غيرَ واني

فما أنا عِند هيجا كُل يومٍ .. بمسلوبِ الفؤاد ولا جباني

يُصافينا الكريم إذا التقينا .. ويبغضني اللئيم إذا رآني

عروة بن الورد سعى لإعانة الفقراء والضعفاء
سعى لإعانة الفقراء والضعفاء – تعبيرية – المكتبة الرقمية العالمية

ومن الطريف أنه كان لا يغير على الأغنياء الكرماء الذين يوزعون أموالهم، وإنما كان يغير على البخلاء الذين يكنزون الأموال، ولا يراعون حقًا لجار ولا لقريب، فكأنه بذلك يحاول عمل نوع من التوازن الاجتماعي.

إغاثة الناس عند الجدب:-

وكانت إذا أصاب الناس سنة أو جدب، وقفوا بابه فقالوا له :”يا عروة أغثنا” فكان يخرج للغزو حتى يوفر لهم ما يحتاجون.

يُريح عليَّ الليلُ أضيافَ ماجِد .. كريم، ومالي سارحاً مالُ مُقتِرِ

أَيهلَك معتمُ وزيدٌ ولم أَقُم .. على نَدَبَ يوماً ولي نفس مُخْطِرِ

وهذه الأخلاق هي التي جعلت معاوية بن أبي سفيان يقول :”وددت لو كان لعروة ولد فأتزوج فيهم”2

وهي التي جعلت عبد الملك بن مروان يقول :”ما يسرني أن أحدًا من العرب ولدني سوى عروة” 3

وقيل: من زعم أن حاتمًا أكرم العرب فقد ظلم عروة.

عروة بن الورد والمرأة الكنانية4 :-

في إحدى غارات عروة بن الورد؛ أصاب امرأة من كنانة يقال لها سلمى، فاعتقها وتزوجها وأحسن معاملتها، وعاشرها بالمعروف، وولدت له، ومكثت عنده بضع عشرة سنة، وظلت تلح عليه أن يذهب بها للحج، فقدم بها إلى مكة المكرمة ثم ذهب إلى يثرب، وكان عروة يخالط بني النضير، وإذا احتاج أن يقترض أخذ منهم.

وكانوا قومها يخالطون بني النضير، فقالت سلمى لقومها أن يفتدوها، وإنه سيخرج بها قبل نهاية الشهر الحرام، وأخبرتهم أنه سيوافق على الفداء اعتقادًا منه أنها لن تختار غيره، وأنه من العار أن تكون امرأة صحيحة النسب سبية.

فأته قومها وسقوه الشراب فلما سكر، وطلبوا منهم أن يفتدوها، لأن أسرها يعتبر سبة لهم، وعار عليهم أن تكون من السبايا، فوافق على ذلك، على أن يفعل غدًا.

فلما أصبح رفض الفداء، فقالوا له إنه وافق بالأمس، وشهد من حضر المجلس على ذلك، فاضطر أن يوافق على شرط أن يخيروها بعد الفداء، وكان يظن أنها ستختاره.

ولكنها اختارت مفارقته، وقالت إنه أحسن الأزواج في الخلق، وحسن المعاشرة، وغض البصر، والحفاظ على حرمة البيت، ولكنها مع ذلك كانت تشعر في كل يوم يمر عليها أن الموت أحب إليها من الحياة، وتكره قول النسوة عنها أمة عروة كذى.

وقد حزن عليها عروة حزنًا شديدًا، وفي ذلك يقول:

ولو كاليوم كان علي أمري . ومن لك بالتدبر في الأمور

إذن لملكت عصمت أم عمرو . على ما كان من حسك الصدور

فيا للناس كيف أطعت نفسي . على شيء ويكرهه ضميري

لقد كان عروة خير مثالا للفارس الجواد، والصعلوك الذي يتحلى بمكارم الأخلاق، والشاعر الذي يسيل شعره عذوبة ورقة.

عروة بن الورد أشهر من ركب الخيل
عروة بن الورد أشهر من ركب الخيل

عروة بن الورد في سطور:-

هو عروة بن الورد العبسي، الغطفاني، القيسي، المضري.

أما والده؛ فهو الورد بن زيد بن عبد الله بن ناشب من بني عبس القيسية المضرية، ينتمي إلى نسب أصيل معروف ومشهود له، وله في تاريخ قبيلته أثر لا يمكن محوه، فبحسب ابن الأثير، فقد كان للورد دوراً بارزاً في حرب داحس والغبراء الشهيرة بين عبس وذبيان، كما تصدى لمهمة قتل هرم بن ضمضم المري الذي تناوله عنترة العبسي في معلقته المعروفة.

إِني امرؤٌ عافي إنائِيَ شرْكةٌ .. وَأَنتَ امرؤٌ عافى إِنائكِ واحدُ

أَتهزأُ مِني أَنْ سمنتَ وقد ترى .. بجسميَ مسَّ الحق، والحقُّ جاهدُ

أُقسِّمُ جسمي في جسومٍ كثيرةٍ .. وأَحسو قرَاحَ الماءُ، والماءَ باردُ

والدة عروة غريبة عن عبس، فانتماؤها لقبيلة يمنية صغيرة مغمورة تدعى “نهد”، وهو الشيء الذي خلَّف في نفس عروة أثراً بالغاً، باعتبار أمه نزيعة (نزائع القبائل غرباؤهم الذي يجارون قبائل ليسوا منهم بحسب ابن منظور)، وهذا ما مثَّل طعناً في كرم منبت عروة، وهو الأمر الذي قد يكون أحد أسباب جنوحه إلى الصعلكة.

المصادر:

1- تاريخ الأدب الجاهلي للدكتور شوقي ضيف، ص 382، 383، دار المعارف، الطبعة الحادية عشر.

2- ديوان عروة بن الورد والسموأل ص 7، دار صادر بيروت.

3- الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 675، دار المعارف.

4- السابق ص 676.

ديوان عروة والسموأل، ص 30:33.

الشعراء الصعاليك، يوسف خليفة.

Photo by Helena Lopes on Unsplash

https://www.wdl.org/en/item/18842/#q=Bedouin+

Photo by Fabien Bazanegue on Unsplash

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى