أعلام

عبد الله بن المقفع .. صاحب الرسائل البديعة والبليغة

قال عنه الأصمعي: "صنَّف ابن المقفع «الدرة اليتيمة» التي لم يصنف مثلها في فنها"

ابن المقفع:-

عبد الله بن المقفع صاحب الرسائل البديعة والبليغة، وُلِدَ في العراق سنة 106هـ، وهو من أهل فارس، والده هو ذَادَوَيْه، قد ولي خراج فارس للحَجَّاج، فخانه، فعذبه الحَجَّاج، فَتَقَفَّعَتْ يده؛ ولهذا سُمِّي “ابن المقفع”، وقيل: بل كان والده يعمل قِفَاعَ الخُوصِ، وهي كَالقُفَّةِ.

اسلام عبد الله بن المقفع:-

كان من مجوس الفرس، وجاء ابن المقفع إلى عيسى بن علي -عم السفَّاح والمنصور- فقال له: “قد دخل الإسلام في قلبي، وأريد أن أسلم على يدك”، فقال له عيسى: “ليكن ذلك بمحضر من القوَّاد ووجوه الناس، فإذا كان الغد فاحضر”، ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم، فجلس ابن المقفع يأكل ويزمزم على عادة المجوس، فقال له عيسى: “أتزمزم وأنت على عزم الإسلام؟” فقال: “أكره أن أبيت على غير دين”، فلما أصبح أسلم على يده.

حكم عبد الله بن المقفع

مكانته العلمية:-

يعتبر ابن المقفَّع من أئمة الكُتَّاب، وأول من عُنِي في الإسلام بترجمة كتب المنطق، وهو صاحب الرسائل البديعة، وقد كان خطيباً فارسياً، وكان كاتب أبي جعفر المنصور، وقد تولى كتابة الديوان له، وترجم له كتب أرسطوطاليس الثلاثة في المنطق، وقد اتُّهِم بالزندقة، قال المهدي: “ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع”.

وكان يتصف بالفضل وشدة الذكاء، وله شعر ذكر أبو تمَّام بعضاً منه في «الحماسة»؛ من ذلك قوله:

رُزئْنا أبا عَمْرٍو ولاَ حَيَّ مِثْلهُ
فإنْ تَكُ قَدْ فارَقْتَنا وَتَرَكـتْنَا
فَقَدْ جرَّ نَفْعاً فَقْدُنا لكَ أنَّنا

فَــللّهِ رَيْبُ الحَـــادِثاتِ بِمَنْ وَقـعْ
ذَوِي خَلَّةٍ ما في انْسِدَاد لها طَمعْ
أمِــنَّا عَلى كُلِّ الرَّزَايَـا مِنَ الجَــزَعْ

من أقوال ابن المقفع:-

  • قال ابن المقفع في كتاب «الأدب»: “انظر الأخبار الرائعة فتحفظ منها، فإن الإنسان من شأنه الحرص على الأخبار، ولا سيما ما راع منها، فأكثر الناس من يحدث بما سمع، ولا يبالي ممن سمع، وذلك مفسدة للصدق، ومزراة بالمروءة، فإن استطعت ألا تخبر بشيء إلا وأنت به مصدق، ولا يكون تصديقك إلا ببرهان، فافعل”.
  • قال أيضاً: “شَرِبْتُ مِنَ الخُطَبِ رِيَّا، وَلَمْ أَضْبِطْ لَهَا رَوِيَّا، فَغَاضَتْ، ثُمَّ فَاضَتْ، فَلاَ هِيَ هِيَ نِظَاماً، وَلاَ هِيَ غَيْرُهَا كَلاَماً”.
  • لا يُعجِبَنَّك العالِم ما لم يكُن عالماً بمواضِع ما يَعلم، ولا العاملُ إذ جَهِلَ موضع ما يعمل.
  • واعلم أنَّ العِلم عِلمان: علمٌ للمنافع، وعلمٌ لتذكية العقول.
  • عوِّد نفسَك السخاء، واعلم أنه سخاءان: سَخاوةُ نفس الرجل بما في يديه، وسخاوته عمَّا في أيدي الناس.
  • لا تتخذنَّ اللعن والشتم على عدوِّكَ سلاحاً؛ فإنه لا يجرح في نفسٍ، ولا منزلةٍ، ولا مال، ولا دينٍ.
  • حبِّب إلى نفسِك العلم حتى تلزمه وتألفه، ويكون هو لهوَك ولذَّتك وسلوتك وتعلُّلَك وشهوتهك.
  • إن أردتَ أن تكونَ داهياً فلا تُحبَّنَّ أن تُسمَّى داهياً؛ فإنَّهُ من عُرِفَ بالدهاء خاتل علانيةً، وحذِرَهُ النَّاس، حتَّى يمتنعَ منه الضعيف ويتعرَّض له القوي.
  • اعلم  أنَّ من عدوِّك من يعمل في هلاكك، ومِنهم من يَعمل في مُصالحتك، ومِنهم من يَعمل في البُعد منك، فاعرفهم على منازلهم.
  • قيل لابن المقفَّع : ما البلاغة؟ قال : قلة الحَصًر، والجُرأة على البشر، قيل له: فما العِيّ؟ قال : الإطراق من غير فكرة، والتنحنح من غير عِلَّة.
  • سُئِلَ عبد الله بن المقفع: من أدَّبَك؟ قال: “نفسي. كنت إذا رأيت من غيري حسناً أتيته، وإذا رأيت قبيحاً أبيته”.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال الأصمعي: “صنَّف ابن المقفع «الدرة اليتيمة» التي لم يصنف مثلها في فنها”.
  • قيل للخليل بن أحمد الفراهيدي، وقد اجتمع مع عبد الله بن المقفَّع: كيف رأيته؟ فقال: علمه أكثر من عقله. وقيل لابن المقفَّع: كيف رأيت الخليل؟ قال: عقله أكثر من علمه.
الفراهيدي .. اللغوي البارع الزاهد
الفراهيدي.. اللغوي البارع الزاهد

كتب عبد الله بن المقفع:-

  1. كليلة ودمنة : ترجمه من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية، ويتناول نوعاً مميزاً من القصص، وهي تلك القصص التي تجري على ألسنة الحيوانات، والتي تتكون بنيتها من مجموعة من العناصر تتضمن: الحدث والزمان والمكان والشخصيات، هذه القصص تحوي الأمثال والعبر التي تُستقى منها الحكمة وحسن التصرف.
  2. الأدب الكبير: رسائل أدبية بديعة.
  3. الأدب الصغير: رسائل أدبية بديعة.
  4. الصحابة: وهي رسالة أدبية بديعة.
  5. الدرة اليتيمة.

وقد ترجم ابن المقفع مجموعة من الكتب، وتميزت ترجمته بالسهولة والبساطة؛ ومن هذه الكتب:-

  1. قاطيغورياس، لأرسطوطاليس.
  2. باريمينياس، لأرسطوطاليس.
  3. أنالوطيقا، لأرسطوطاليس.
  4. المدخل إلى كتب المنطق المعروف بأيساغوجي.
نسخة ذات جودة عالية من “كليلة ودمنة” تعود للقرن الثامن عشر – متحق الميتروبوليتان

وفاة ابن المقفع:-

توفي سنة 142هـ، وقد عاش 35 سنة فقط، وقيل: كان عبد الله بن المقفع ينال من متولي البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلَّب ويسميه ابن الـمُغْتَلِمَةِ، فغضب منه وقتله بإذن المنصور، وذلك بسبب كونه كتب في توثُّق عبد الله بن علي من المنصور يقول: “ومتى غدر بعمه فنساؤه طوالق، وعبيده أحرار، ودوابه حُبْسٌ، والمسلمون في حل من بيعته”، فلما قرأ المنصور هذه العبارات استعظم الأمر، وكتب إلى سفيان يأمره بقتله.









المصادر:

  • الأعلام (4/140).
  • الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع (14 و122).
  • البنى السردية في حكايات كليلة ودمنة (41)
  • سير أعلام النبلاء (6/208/رقم 104).
  • شرح ديوان الحماسة للتبريزي (1/357).
  • عيون الأنباء في طبقات الأطباء (413).
  • العقد الفريد لابن عبد ربه.
  • وفيات الأعيان (2/151/رقم 25).
  • https://cataloging.wdl.org/en/item/8933/#q=arabic+manuscripts&page=2
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق