أعلام

عبد الرحمن بن خلدون .. صاحب السيرة الذاتية الغنية بالمغامرات

لم يتوقف طيلة مسيرته عن تغيير موافقة خاصَّة في ظلِّ مناخٍ سياسيٍ مُتوترِّ وغيرِ مُتْزن

تمهيد:-

لطالما شغل عبد الرحمن بن خلدون العالم بنتاجه الفكري في علوم الاجتماع والفلسفة التاريخية، فهذا المؤرخ والفيلسوف الأشهر على مستوى العالم في العصور الوسطى نشأ وكَبُر في بلاد المغرب العربي ليتشرب من علوم وفكر الحضارة الإسلامية وتغيرات السياسة فيها، لينتج نظريات وكُتُب أبهرت العالم بآراء رائدة وأصيلة تناقش شؤوناً باتت أعمدة النظريات الاجتماعية والسياسية الحديثة.

وضمن مقالتنا هذه سوف نناقش بشكل تفصيلي حياة ابن خلدون، ونستشف الأصل الذي استلهم منه نظرياته في جولة تاريخية تتجول بين الفلسفة والسياسة في حياة ابن خلدون.

نشأتهُ وطفولتهُ:

من باب التعريف باسمه ونَسَبه الكامل؛ عَثَرنا في كُتُب الأنساب بأنه هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن جابر بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون ، الذي أتى أجداده من منطقة حضرموت اليمنية جنوب شبه الجزيرة العربية وينسبون إلى وائل بن شجار المنتسب بدوهر إلى إحدى أقدم قبائل اليمن وأعرقها.

وهنا قمنا بالبحث عن جذوره كونها موضِع جدل، ولكن هذا لا ينفي أن ابن خلدون فيلسوفٌ ومبدعٌ متوطِّن في شمال إفريقيا، عربي ومسلم أبهر العالم بنظرياته التي سبقت عصرهُ بمراحل.

تونس عام 1860 م – مكتبة الكونغرس

ولِدَ عبد الرحمن بن خلدون في مدينة تونس سنة 1332 للميلاد وتحديداً في شهر رمضان من سنة 732 للهجرة، وخلال نشأته؛ حَصَل على تعليم يليق بأبناء عائلته، خاصةً  وأنه كان ينحدِر من عائلة يشتغل معظم رجالها في حقل السياسة.

التعلُّم:-

ففي بادئ الأمر ؛ كان والده – والذي كان نفسه عالِماً ذو قيمةٍ مبتعداً عن السياسة – هو من يلقنه العلم ليتعرف بعدها وبشكلٍ أوسع على العلوم على يَدِ أشهر عُلماء عصره، فقام بحفظ القرآن وفهمه مع التمعُن في فقهه، تعلَّم الأحاديث والسيرة النبوية، ثم أصول البلاغة، الفلسفة والشِّعر، و هذه هي العلوم التي منحتهُ كفاءة كبيرة ومكانةً معترف بها في أكبر دُور التعلُّم حينذاك، حتى أن سيرته واسمه أصبحا يُذكران حتى يومنا هذا، وذلك عندما ورود أسماء معلميه وشيوخه.

وفي عُمر التاسعة عشرة؛ انتهت حياته كدارسٍ وطالبٍ بشكلٍ رسمي، وذلك عندما أُنيطت به  أول مهمةٍ في حياته السياسية والتي غيَّرت مَسار حياته إلى الأبد، هذه المهمة أُوكِلت لهُ عندما اجتاح الطَّاعونُ الكبير كل الأراضي الممتدة من سَمرقَند شرقاً وحتى موريتانية غرباً.

ابن خلدون ما بين تونس والمغرب:-

قام حاكم تونس بن تافراكين باختيار ابن خلدون ليكون هو الشخص الموكَّل بمنصب الكاتب للسلطان أبي إسحاق، هذه الفرصة فتحت عينيه على عالم السياسيات الداخلية التي تعمل تبعاً لها مؤسسات الدولة الرسمية ، الأمر الذي ساعده على اكتشاف مكامن ضعف هذه المؤسسات، وهذا الأمر تبيَّن له قبل فترة طويلة من مغادرته لتونس.

في سنة 1352 للميلاد؛ قام أمير قسنطينة المدعو بأبي زياد بالسير نحو تونس في حَرب ضِد ابن تافراكين، وكان ابن خلدون من بين تلك القوات التي دافعت عن تونس إلى أن هُزمت قوات ابن تافراكين، وتمكَّن ابن خلدون من الفرار إلى مدينة أبا ليعيش مع الموحِّدين فيها ثم تنقَّل في العديد من المُدن ليستقر في النهاية في مدينة بسكرة.

اليعقوبي واصفاً مدينة بسكرة

وفي ذلك الوقت نفسهُ؛ كان سُلطان المغرب –أبو عِنان فارس –  الذي تسلَّم العرش خلفاً لوالده في طريقه لغزو الجزائر، الأمر الذي دَفَعَ ابن خلدون للسفر نحو مدينة تلسمان مقر إقامة السُّلطان حيث قدَّره الأخير واحترمه وإرسله إلى ديوان الملك في فاس ليعلن ولاءه لابن عِنان فارس.

ومنه انضم ابن خلدون إلى مجلِس العلماء عبر دعوةٍ وُجِّهت إليه لينتقل إلى مدينة فاس، ليتسلَّق ويتدرج في المناصب بالغاً في النهاية إلى موقع كاتب السلطان.

ولكن ابن خلدون لم يشغل نفسه بالعمل الرسمي فحسب، بل إنَّما أيضاً عمِل جاداً على متابعة دراستهِ وخاصَّة أن المغرب في تلك الحقبة كانت ثريَّة بالعلماء القادمين إليها من شتى أنحاء الشَّمال الإفريقي ومن الأندلس.

حينها كان ابن خلدون شاباً مليء بالطُّموح، وبدأ في بالإنخراط في سياسات الديوان الملكي ومحاكماته وقضائه، حيث تمت ترقيته ليتنقل بين المنصب والآخر.

سِجن ابن خلدون في المغرب:-

خلال عمله في البلاط؛ تواصل ابن خلدون مع أبي عبد الله محمد والذي كان أسيراً لدى سلطان المغرب في فاس، وقام بالتآمُر معه لإنقاذه، في الواقع كان ابن عبد الله محمد أحد الراعين لعائلة ابن خلدون؛ ولكن السلطان المغربي لم يكن راضٍ أبداً عن هذا الاتفاق الثنائي السِّري، حتى أنه اعتبره خيانةً له وعِند اكتشافه لهذه المؤامرة؛ أمر ابن عِنان بسجن ابن خلدون بتهمةِ الخِيانة.

بعد فترةٍ من الزمن؛ تم إطلاق سراح أبي عبد الله محمد من سِجن فاس ولكنّ عُقوبة ابن خلدون استمرت لعامين آخرين، وذلك بعد إطلاق سراح ابن عبد الله، وعندما تُوفيِّ السُّلطان أبو عنان وأمرَ الوزير الحسن بن عَمرْ بالإفراج عن ابن خلدون، فقد تم إعادة الأخير ليشغل منصبه السابق.

الإدريسي واصفاً مدينة فاس

هروب ابن خلدون من المغرب نحو الأندلس:-

خلال حياة ابن خلدون لم يتوقف عن تغيير موافقة السياسية خاصَّة في ظلِّ مناخٍ سياسيٍ مُتوترِّ وغيرِ مُتْزن، فنجده في البداية متآمراً مع المُنير ضد الوزير؛ وهذا التحالف لم يستمر طويلاً حيث غيَّرَ ابن خلدون ولاءه وتآمر مع السُّلطان أبي سليم الذي قام بالإطاحة بالمنير.

بعد هذه الجولة السياسية المتوترة؛ تولَّى ابن خلدون منصب أمين سِرِّ السُّلطان، وبالفعل كانَ كَذلك حافِظاً وكاتِماً لأسراره. وهو منصب أراحهُ قليلاً خلال عامين من الزَّمن، ليتجه آنذاك إلى تأليف بعض قصائد الشعر، وبعد ذلك؛ تمَّت ترقيته ليَشغل منصِب رئيس القضاة، وهنا كَشَفَ ابن خلدون عن قدرته الكبيرة والعالية في المهمام المسندة إليه، ما جَعَلَ كِبار المسؤولين في الدولة يتنافسون معه ويكيدون له، مما ساهم في خسارته محبة السلطان وتفضيلهِ.

وكما هو الحال دوماً؛ فقد أثبت لنا ابن خلدون من جديد؛ أن هذه المودة غير مهمة، فسُرعانَ ما كَان جزءاً من ثورة أطاحَت بالسُّلطان، ليقف مرَّةً أخرة مع المنتصرين ويعاد إلى منصبه وبأجرٍ أعلى بكثير من سابقه.

في الواقع كان طُموح ابن خلدون كبيراً ولا حدود أو سقف له ، فدائماً ما كان يسعى للوصول إلى المنصب الأعلى، وهذه المَرَّة كان يرغب في منصب المسؤول عن الديوان السلطاني، ولكن هذا الطموح قوبل بالرَّفض الذي يُرجَّح أنه كان بسبب قلَّة الثقة بابن خلدون.

هذا الرَّفض جعله يستقيل من منصبه ويقدِّم طلباً بالعودة إلى تونس وهو الأمر الذي قوبِل برفض الوزير، ليقوم صِهر الوزير  بالتماس موافقة الوزير على ذهاب ابن خلدون إلى الأندلس.

رحلة ابن خلدون من الأندلس إلى تونس:-

كان الوضع السياسي أيضاً متوتراُ في الأندلس، ففي تلك الفترة تم عزل السُّلطان محمد الأحمر بتمردٍ حصل نتيجة لتآمر شقيقه إسماعيل مع زوج اخته.

 هذه التوترات ألقت بظلالها على ابن خلدون، فالسُّلطان محمد الأحمر كان صديقاً مقرباً للسُّلطان أبي سليم الذي قدَّم يد العون لابن خلدون خلال رحيله إلى الأندلس.

وما أن أعلن الإنقلاب عليه وقام أخيه إسماعيل الأحمر بتنصيب نفسه ملِكاً على غرناطة ؛ حتَّى توجَّه السُّلطان المعزول إلى المغرِب ليجلس في ضيافةِ السلطان أبو سليم حيث حَظِيَ بالترحيب والاحتفالات. وضمن هذه الاحتفالات؛ تعرَّف ابن خلدون على وزير السُّلطان محمد الحكيم المسمَّى بابن الخطيب وكوّنا معاً صداقة متينة.

قام السلطان المخلوع محمد الأحمر بالتواصل مع ملك قشتالة في رغبة منه باستعادة عرشه، فقام هنا ابن خلدون باستغلالِ شبكة معارفه لتحقيق ذلك  الهدف، ولكِنّ وفاة السلطان أبو سليم قد أخَّرَتْ تحقيق ذلك، هذا الأمر لم يطُل كثيراً إذ أثمرت جهود السلطان محمد الأحمر ليتمكَّن من استعادة عَرشِهِ واستدعاء وزيره ابن الخطيب إلى قصره في الأندلس، ورَفَعَ ابن خلدون لدرجة محبَّبة في بلاطه.

ابن خلدون سياسي ومفكر ومنظر وفيلسوف وقاضي

بعد ذلك بفترة؛ توترت العلاقات بين ملك قشتالة والسلطان محمد، حيث راودت الأخير الشُّكوك حيال نوايا الأول؛ ولذلك طُلِب من ابن خلدون بعد عامٍ من تسمُّم العلاقة؛ بأداء دور من شأنه تلطيف الأجواء ما بين الملكين ، وهو الأمر الذي نجح به وذلك من خلال إيصالهما لاتفاقات سلمية.

هذا الأمر؛  جعل الملك بيدرو يُعجب بفطنة ابن خلدون ويطلب منه أن يخدم لديه وقدم له هدية له تتمثل بقرية قشتالية تعود للعائلة المالكة، غير  أنّ ابن خلدون رفض العرض المقدَّم له.

ما إن عاد ابن خلدون إلى غرناطة؛ حتى قدَّم هدية الملك بيدرو للسُّلطان محمد ليعوضه الأخير عنها بقرية إلفيرا، ولكنه لم يستقر طويلا فيها إذ تلقى طلباً من قِبَل صديقه عبد الله يستدعيه ليساعده في استعادة عرشه في بجاية، ليعود إلى بلاده ملبياً الدعوة  وذلك بعد طلب الإذن من سلطان غرناطة محمد.

مغامراتهُ في شمال إفريقيا:-

عندما وصل ابن خلدون إلى منطقة بجاية؛ كان في الثانية والثلاثين من العُمر، وحينها تبلورت أمامه خطته
التالية، وخاصة عندما دخل المدينة كبطلٍ وضيف ٍمُرحَّب به خاصة بعد سِجنه في مدينة فاس بسبب
مساعدته لعبد الله حينها، وسُرعان ما تولَّى منصِب الحاجب وأمين الخزنة للأمير محمد.

ولكن حياته في أعلى مناصب السلطة لم تستمر طويلاً، فبعد مضيِّ عامٍ واحدٍ فقط، قُتِل الأمير محمد بسيف
ابن عمه العبَّاس، ليقوم هنا ابن خلدون بتسليمهِ المدينة والاعتزال في مدينة بسكرة.

ومع ذلك بقي في العمل السياسي ضمن أقل مستوى ممكن؛ حيث كان صلة الوصل بين القبائل والأمير هذا
أو السلطان ذاك، وبقي محافظاً على طبيعته في تغيير الولاءات إلى أن تمكَّن مِن أخيراً من التقاعد في مكان
في جنوب منطقة قسنطينة، وتحديداً في حِصِن أو قلعة بني سلامة.

المقدمة:-

 وهنا كان لهُ من العمر خمس وأربعون سنة ليبدأ مستغلاً السكينة التي أحاط نفسه بها بكتابة أطروحته الأشهر على الإطلاق، المعروفة باسم “المقدمة” بنسختها الأولى عالمياً.

ومع اعتزاله؛ إلا أنه كان قد قدَّم الولاء للأمير الحالي لقسنطينة الأمير العباس، ليعيش في هدوء وسكينة عاكفاً على كتاباته، إلى أن شعر بنقصٍ في المراجع ليستغل قيام العباس بغزو تونس ويتجه معه إليها.

الإدريسي واصفاً قسنطينة

 في الواقع كانت هذه هي المرة الأولى التي يعود فيها إلى بلاده منذ لحظة خروجه منها، وهي غربة امتدت
لسبعٍ وعشرين سنة كاملة.

ومع أنه عاد بعد عقود من الزمن إلى بلاده؛ إلا أنه واجه العداوة مَرَّة أُخرى، لذلك قام بخطوةٍ كبيرةٍ تتمثل
بترك مِنطقة شمال إفريقيا خلفه وعدم العودة إليها مرَّة أخرى في كامل حياته المتبقية.

رحلة باتجاه مصر:-

بعدما عَقَدَ ابن خلدون العزم على تَرْكِ منطقة شمال غرب إفريقيا؛ توجَّه إلى السلطان العباس ليحصُل على
موافقته في الذَّهاب برحلةِ الحَج وهو في الخمسين من عُمُرِه وهو ما تمَّ له ، لتبدأ هنا جُملة الاستعدادات
للرِّحلة المقدسة هذه والتي احتاجت منه شهراً كاملاً في التجهيز، حيثُ وَصَلَ إلى الإسكندرية سنة 1382
للميلاد ولكنه لم يستطع اللَّحاق بقافلة الحج في الوقت المُحدد.

لذلك فقد استدار متجهاً إلى القاهرة، ليُرحَّب به بحفاوة كبيرة من كل علماء مصر وطلاب العلم فيها، وعاش فيها
أيامه الأخيرة خاصَّة أنه كان مقدراً محترماً فيها، لأن أخبار أعماله ونتاجه الفكري قد وصل إليها
قبل قدومه بسنوات عديدة. فعمِل كمحاضر ٍفي جامعة الأزهر ودرَّس فيها الفنون الأُخرى إلى أن التقى
السلطان ظاهر برقوق سنة 1399 للميلاد حيث عيَّنهُ كمعلمٍ وفقيهٍ في المدرسة الكَمالية.

كان ابن خلدون صاحب مكانةٍ عاليةٍ لدى السُّلطان المملوكي هذا حتى أنهُ أصبح من بين قُضاته المُفضَّلين
حيث حَارَبَ الفساد وحَكَمَ بالعَدْل باسم السُّلطان، الأمرُ الذي حَشَدَ الغيورين حوله ليحيكوا له المكائد
– مرةً أخرى –  ليتم إعفاؤه من منصبهِ الأخير.

وكما هي سُنَن الحياة فالمصائب لا تأتي فرادى؛ فمع اعفائه من مهامه وَصَلَ إليهِ خبرُ غَرَقِ السَّفينة التي
تحمِل أفرادَ عائلته وكامِل ممتلكاتهِ المنقولةِ عليها وذلك بفعل عاصفةً هبَّت في عُرْضِ البحر.

شهاب الدين النويري واصفاً مصر

بعد هذه الحوادث المتوالية؛ قَصَدَ ابن خلدون السُّلطان طالباً منه الإذن بزيارة البلاد المقدسة والقيام
بمناسِك الحج، ليُستقبَل عِندَ العودةِ من هذه الرِّحلة الرُّوحيةِ برحابة صدر، ويُعيَّن كمدرِّس في مدرسة ابن
قرين التي بُنيت حديثاً بالتزامن مع عودته.

فقام فيها بتعليم الحديث وأعطى فيه المحاضرات وخاصَّة كتاب الإمام مالك المسمى بالموطأ، ليتمَّ بعد
ذلك تعيينه في المدرسة الصوفية وأُكرم حينها أيضاً بأجر عالٍ.

ولكنّ من جديد؛ انعكست الحالة السياسية المضطربة على عمله، حيث جرى انقلاب بقيادة الأمير يلبغا
الناصري على السُّلطان برقوق واستطاع تنحية الأخير عن السُّلطة.

ليقوم بعد ذلك السلطان برقوق بثورة مُضادة، فيستعيد عرشه ُ المسلوب، وليعود ابن خلدون إلى منصبهِ
مع عودة السُّلطان المنتصِر إلى عرشه.

نظرية:-

وخلال فترة إقامته في مصر، خاصة بعد ثورة السلطان المضادة؛ عمل عبد الرحمن بن خلدون في كتاب
تناول موضوع العصائبية ودورها في صعودِ الدول وسقوطها، وقام بطرح هذه النظرية على مَسْرَح مِصر في
زمن صلاح الدين الأيوبي.

من الناحية العملية لم يبقَ ابن خلدون ممارساً لعمله في التعليم، بل تم تعيينه رئيساً للمحكمة المالكية
بعد وفاة القاضي الشاغل لهذا المنصب، وذلك بعد انقضاء 14عاماً من تركه لهذا المنصب.

ابن خلدون صاحب الخبرة السياسية والحنكة في التعامل مع التقلُّبات
ابن خلدون صاحب الخبرة السياسية والحنكة في التعامل مع التقلُّبات

 ولكن مرة أخرى ؛ تأثَّر عمل ابن خلدون بالحالة السياسية المتغيرة وخاصة مع حالة الفوضى التي عصفت
مرَّة ثانية في مِصر بعد وفاة السلطان برقوق وصعود ابنه فرج.

هذه المرَّة؛ لم يكُن عبد الرحمن بن خلدون طرفاً في هذا الصراع السياسي، إنَّما وجده حُجَّة جيدة ليطلب
الإذن بزيارة القدس، ليتعرف عليها.

 وعندما أراد العودة من هذه الزيارة؛ انضم إلى قافلة السلطان فرج العائدة من دمشق ليصل مصر وهو
معفى من مهامه ككبير للقضاة وذلك بسبب مؤامرة أخرى نُسجت ضده، وهذه المرَّة لم يكترث ابن خلدون
بالأمر وخاصة أنه قد طُلب منه السَّفر إلى دمشق مرافقا للسلطان في رحلة أحاطت بها الكثير من المخاطر.

رحلة خطيرة ولقاء مع القائد تيمورلنك:-

طُلب من ابن خلدون أن يتجهَّز لرحلةٍ محفوفةٍ بالمخاطر  صوب دمشق كمُرافِق للسلطان فرج، وخاصَّة مع
وصول أنباء حول تحرُكات خطرة تنبئ عن حَرب مع القائد المغولي تيمورلنك في محيط  دمشق.

فجهَّز السُّلطان فرج الجيش وصحِب مرافقته وأبرزهم ابن خلدون إليها و يُتوقع هنا أن الأخير لم يأتِ
طواعية في هذه الرِّحلة بل بعد أمرٍ صارمٍ من السُّلطان.

بقي السُّلطان وجيشه في دمشق لمدة أسبوعين فقط إذ وصلت أخبارٌ من مصر تفيد بحدوث أعمالِ شغب
وثورة تندلع في القاهرة، لذلك توجَّه السلطان بمفرده تاركاً العديد من أعيانه ومرافقيه في دمشق أبرزهم
ابن خلدون، مخلِّفاً بيدهم قرار التعامل ومواجهة تيمورلنك.

اقترح ابن خلدون إيجاد حل سلمي مع القائد المغولي، فراجع مع الحُكُماء شروط تيمورلنك وكانت مهمته
أن يتفحَّصَ الشُّروط التي أرسلها القائد المغولي، بينما أنيطَ بقاضٍ آخر  (ابن مفلح)مهمة مناقشة هذه
الشروط، وبعد مناقشتها؛ عاد ابن مفلح ليطرح الشُّروط على أعيان دمشق الذين رفضوها جُملةً وتفصيلاً.

وبما أن ابن خلدون هو من اقترحَ فِكرة المساومة مع تيمورلنك؛ فقد وَجَدَ نفسه مضطراً للقاء القائد
المغولي بشكلٍ شخصِي، لهذا السبب قام بمغادر دمشق والتوجُّه مباشرة نحو المُعسكر المغولي.

 إلى اليوم لم يصلنا ما يحدد إن كان قد توجَّه للمُعَسكر بمفردهِ بصفةٍ رسمية أم ذَهَبَ مع مجموعةٍ من الأعيان.

توجه عبد الرحمن بن خلدون مُحمَّلاً بالهدايا إلى مُعَسكر تيمورلنك فاُستقبل بشكل جيد وبقي في المُعسكَر ق
ُرابة 35 يوم؛ حَدَثَ خِلالها عدة لقاءاتٍ ومناقشاتٍ مع تيمورلنك اُستعين خلالها بالمُتَرجِم عبد الجبَّار
الخوارزمي.

 وخلال النقاشات التي دوَّنتها كُتُبْ سيرة ابن خلدون أو التي تحدَّثت عن حياته؛ ذَكَرَ أن القائد المغولي
اعُجب به وبفطانتهِ وطلب منه أن ينضم إلى بلاطهِ وديوانه.

ابن جبير واصفاً دمشق
ابن جبير واصفاً دمشق

في الواقع تذكر بعض الكتب أن ابن خلدون قام بإرسال خطابٍ إلى مصر يطلبُ من السلطان تسوية أموره
الموافقة على إرسال كتاباته وعائلته ليقوم بعدها بالانضمام إلى تيمورلنك. ولكن سواءً أكانت هذه  مَحْضَ
قصة خيالية أم حقيقية؛ فلا أحد ينكر أن ابن خلدون تَرَكَ بصمته الطيبة لدى القائد المغولي العظيم
تيمورلنك وتمكَّن عبر براعته من انتزاع شروط يوافق عليها سُكَّان دمشق.

وإن كُنْتَ تفكِّر في إمكانية عَمَل عبد الرحمن بن خلدون ضِمْن بلاط تيمورلنك؛ فإليك هذه الكَلِمات التي
نُقِلَت عن كتاب لابن خلدون ويقول فيها:

“هل يوجد أي كَرَمٍ يتجاوز هذا الذي أظهرته لي بالفعل؟ فلقد احطتني بعنايتك، أعطيتني مكاناً أجلس فيه
بين مجموع اتباعك المخلصين، وأريتني كَرماً ولطفاً، أدعو الله أن يجزيك الله عنه الخير في موضع آخر…”

وفاة ابن خلدون:-

ما إن عاد عبد الرحمن بن خلدون إلى مِصر؛ حتى استعاد منصبه السابق كقاضٍ للسُّلطان “كبير القُضاة”،
وبسبب الحالة السياسية غير المستقرة؛ فقد تمت إقالته بعد مرور خمس سنوات فقط وإعادته لموقعه
نفسه لثلاث مرات.

وافت المنية ابن خلدون وهو على رأس عمله ولهُ من العُمْر حوالي أربع وسبعين عاماً ، ليدفن في المقبرة
الصوفية خارج منطقة باب النصر في مدينة القاهرة، ليسدل الستار على حَياة سياسي بارِع عَاصَرَ العديد
من السلاطين، وتنقَّل بين البلاد ليكتشف أسرار السياسية وما يُحاك في سراديب محاكمها.

ابن بطوطة واصفاً القاهرة التي توفي فيها ابن خلدون
ابن بطوطة واصفاً القاهرة التي توفي فيها ان خلدون

المصادر:-

جُمهرة أنساب العرب، لابن حزم.

https://muslimheritage.com/ibn-khaldun-life-works/

الوسوم

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق