أعلام

عبد الرحمن الجبرتي .. مؤرخ مصر ومترجم أعلامها

قُتِلَ له ولد، فحزن عليه كثيراً، وأذهبت دموع الحزن ببصره الذي كُفَّ حزناً على ولده، فعاجلته المنية

اسمه ونشأته:-

عبد الرحمن الجبرتي ، من أشهر مؤرخي مصر المسلمين الذين قاموا بسرد أحداثها والترجمة لأعلامها، وُلِدَ في القاهرة سنة 1167هـ (1753 م).

كان والد حسن بن إبراهيم من أشهر العلماء والفقهاء والمدرسين في وقته، وقد ألفَّ كتاب «العقد الثمين فيما يتعلق بالموازين»، بالإضافة إلى سعة علمه كان تاجراً كبيراً، أكرمك الله بذرية كبيرة لم يبق منها إلا عالمنا الجَبَرْتي.

ألقابه:-

  • الجَبَرْتي: لُقِّب به نسبة إلى بلاد جَبَرْت من بلاد الحبشة.
  • العُقيلي: لُقِّب به نسبة إلى مسلم بن عقيل بن أبي طالب، الذي تعود أصول هذا المؤرِّخ له.
مسجد الناصر في القاهرة بمطلع القرن العشرين – مكتبة الكونغرس

عبد الرحمن الجبرتي – تحصيله العلمي:-

تتلمذ عبد الرحمن الجبرتي على يد والده حسن بن إبراهيم، وحصَّل منه العلوم الدينية، كما أنه أخذ الكثير عن علماء الأزهر الشريف، ولازمهم، واستفاد من مجموعة من العلماء والأصدقاء، كان لهم أثر إيجابي في حياته العلمية، وأشهر هؤلاء:

  1. إسماعيل الخشَّاب: كان يعمل معه في الديوان الذي أنشأه نابليون وجعله فيه أحد كتبته، وكان هذا اللقاء في العمل فرصة كبيرة كي يستفيد منه الجَبَرْتي في علم التاريخ.
  2. حسن العطَّار: لازمه الجَبَرْتي، وأخذ عنه الكثير من علوم التاريخ.
  3. محمد بن محمد الزبيدي: العالم اللغوي المشهور صاحب مهجم «تاج العروس»، التقى به الجَبَرْتي، وتعاون معه في الترجمة لأعلام مصر في القرن الهجري الثاني عشر، وتم هذا العمل، وأُضيفت التراجم إلى كتاب «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر».
عبد الرحمن الجبرتي أجاد في تأريخه لمصر

المناصب التي تولَّاها:-

  • جعله نابليون من كتبة الديوان في مصر حين قام الفرنسيون باحتلال مصر.
  • تولى مهمة الإفتاء في عصر محمد علي، وكان يفتي على المذهب الحنفي.

كتب عبد الرحمن الجبرتي :-

  1. عجائب الآثار في التراجم والأخبار: المعروف بتاريخ الجّبَرْتي، تضمن الحوادث التي حدثت في مصر ابتداء من سنة 1100هـ إلى 1236هـ، وهذا الكتاب من أشهر مؤلفات الجَبَرْتي ومن أهمها على الإطلاق، تكلم فيه عن المرحلة المضطربة من تاريخ مصر التي كانت خاضعةً للحكم العثماني، وحكم المماليك، وأوضح كيف تطور أطماع الدول الأوربية من أجل السيطرة على مصر، كما بيَّن النقلة النوعية التي أراد محمد علي باشا أن يحدثها في مصر.
  2. مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس: من أهم كتبه بعد كتابه في التاريخ، وقد تُرجِمَ هذا الكتاب إلى اللغة الفرنسية، والكتاب يقع في جزأين.
  3. دستور تقويم الكواكب السبعة.

أهمية كتاب عجائب الآثار:-

قدَّم عبد الرحمن الجبرتي كتاب “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” والذي يعد من بين أهم المصادر التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية، حيث غطَّى المؤرخ المصري فيه ثلاث فترات مهمة من تاريخ بلاده وهي:

  • أواخر عصر المماليك تحت الحكم العثماني (1688-1805 م).
  • الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت (1789-1801 م)، والتي لاحظ فيها تفوق أوروبا التقني والعلمي والعسكري، الذي أضعف قوة الجيوش العثمانية وقوة المماليك المصرية الذين كانوا يعتبرون من أبطال الفرسان المسلمين حيث كانت شوكة الإسلام قوية، غير أن التفوق العددي للجيوش لم يعد ذا أهمية في مواجهة التكنولوجيا العسكرية.
  • بداية حكم محمد علي باشا الألباني (1805-1849 م).
عبد الرحمن الجبرتي وصف كثيراً من الأمور التفصيلية عن مصر وأهلها

في كتابه تمكن الجبرتي من معالجة وتتبع ما يلي:-

  • الأسباب الحقيقية لانهيار النظام المملوكي العثماني الإقطاعي ونظمه العسكرية والإدارية والاجتماعية القديمة تحت وطأة مطامع الدول الأوروبية الكبرى، الأمر الذي أفضى إلى حلول النظام الجديد المبني على الأساليب العسكرية والإدارية والاقتصادية الأوروبية على حساب مكانة علماء الدين ومشايخ المؤسسات الدينية.
  • ظهور طبقة جديدة من العسكريين والإداريين الذين تلقوا ثقافتهم العلمانية في أوروبا الغربية وفرنسا خصوصاً، وفي المدارس العسكرية التي أنشأها محمد علي باشا.

أرسل الباشا جميع كشَّاف الوجه القِبلي، بحَجْزِ جميعِ الغِلالِ والحَجْرِ عليها لطرَفِه، فلا يَدَعونَ أحداً يبيعُ ولا يشتري شيئاً منها، ولا يُسافَرُ بشيءٍ منها في مركَبٍ مُطْلَقَاً، ثمَّ طَلَبُوا ما عِندَ أهلِ البِلادِ من الغِلالِ حتَّى ما هوَ مدَّخَرٌ في دُورِهِم للقُوت، فأخذهُ أيضاً، ثمَّ زادوا في الأمرِ، حتَّى صاروا يكبسونَ الدور ويأخذونَ ما يجدُونَ من الغِلالِ قَلَّ أو كَثُر، ولا يدفَعُونَ ثمَناً، بل يقولونَ لهم : “نحسِب لكُم ثمنهُ من مالِ السَّنَةَ المُقبِلة”، ويشحنونُ بذلكَ جميعَ مَرَاكِبَ الباشا التي استجدَّها وأعدَّها لِنَقْلِ الغِلالِ، ثمَّ يسيرونَ بها إلى بحري، فتنتقلُ إلى مراكِبَ الإفرنْجِ بحسابِ مائة قِرْشٍ عن كُلِّ أردَب.

— الجبرتي (3 يناير 1819م) يتحدَّث عن بدء محمد علي باشا بتطبيق خطوات نظام الاحتكار، وهو الأمر الذي اعتبره المؤرِّخ نوعاً من الظُّلم.

مصادر اعتمد عليها الجبرتي:-

  • مقدمة ابن خلدون (توفي 1406 م) وتحليله العقلاني والمنطقي للوقائع التاريخية والاجتماعية، لكنه لم يرتق لمستوى مؤسس علم الاجتماع في تنظيره الاجتماعي والسياسي، لكن الجبرتي المتصوف الخلوتي فضَّل الفكر الإسلامي السلفي المؤمن بالقضاء والقدر.
  • كتاب “أوضح الإشارات” للمؤرخ أحمد شلبي بن عبد الغني (1675-1737 م).
  • كتاب “الدرة المنصانة في أخبار الكنانة” لمؤرخ الأجناد أحمد الدمرداشي (توفي سنة 1756 م).
  • اعتمد على ذاكرته وما سمعه من أفواه المسنين والمناقشات التي دارت في المجالس العلمية والدينية والسياسية التي كان يشهدها أو سمع عنها من أبيه ومن شيوخه وفي الديوان الذي رتَّبه الفرنسيون ومن أصدقائه العلماء الذين خدموا دولة محمد علي.

شَرَعَ الباشا في تعمير القِلاعِ التي كانت أنشأتها الفرنساوية خارج بولاق، وعَمِلَ متاريس بناحية منية عقبة وغيرها، ووزَّعَ على الجيَّارة جيراً كثيراً، ووسق عدَّة مراكِب وأرسلَها إلى ناحية رشيد ليعمروا هناكَ سوراً على البَلَد، وأبراجاً، وجمَّعُوا البنائينَ والفَعَلَة والنَّجَّارينَ وأنزلوهم في المراكِب قهْراً.

— الجبرتي يؤرِّخ لأحداث شهر جمادى الأولى سنة 1222 هجرية.

عبد الرحمن الجبرتي – وفاته:-

قُتِلَ له ولد، فحزن عليه كثيراً، وأذهبت دموع الحزن ببصره الذي كُفَّ حزناً على ولده، فعاجلته المنية، فمات مخنوقاً بطريق شبرا عند عودته إلى مدينة القاهرة سنة 1237هـ (1825 م)، وقد ذكر بعض المؤرخين أن عملية الخنق تمت بمعرفة محمد علي باشا الذي لم يكن راضياً عن الجَبَرْتي؛ لأن عبد الرحمن الجبرتي كان قد انتقد حكم محمد علي باشا ونظام حكمه.

المصادر:

  • الأعلام (3/304).
  • الموسوعة العربية (7/468).
  • عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق شموئيل موريه.
  • عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى