أعلام

عبد الرحمن الثعالبي .. رمز مدينة الجزائر

طاف البلاد لتحصيل العلم قبل عودته للاستقرار في موطنه

عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف أبو زيد الثعالبي الجعفري المالكي من صلحاء مدينة الجزائر ورمز من رموزها، اُشتُهِر بالزهد والتقوى فضلاً عن شهرته بالعلم والصلاح، تربّى على يده جيل من العلماء الأفذاذ.

مولد عبد الرحمن الثعالبي ونشأته:

ولد عبد الرحمن الثعالبي سنة 786هـ / 1385م بمنطقة وادي يسر بضواحي مدينة الجزائر العاصمة (تتبع حالياً ولاية بومرداس)، وينحدر الثعالبي من قبيلة الثعالبة من أبناء ثعلب بن علي من عرب المعقل التي تنسب إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عمّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- استوطنت هذه القبيلة مدينة الجزائر وضواحيها منذ زمن وأصبحت في حلول القرن 9هـ/ 15م تتوارث حكمها في إمارة صغيرة شبه مستقلة تتبع اسمياً سلاطين الحفصيين بتونس أو الزيانيين بتلمسان.

وقد نتج عن هذا الوضع نوعاً من الاستقرار السياسي والاقتصادي في المدينة وتمتع سكانها بالأمن والرفاه، الأمر الذي ساعد على نمو حركة فكرية وثقافية بها، كان عبد الرحمن الثعالبي أحد روادها. وقد نشأ هناك نشأة امتازت بالعلم والصلاح؛ فهو سليل أسرة ذات علم ودين، تلقى تعليمه الأول على شيوخ المدينة وضواحيها، وقد أظهر اهتمامه بالعلم والتحصيل منذ وقت مبكر، ولهذا ما إن اشتد عوده حتى استعد لخوض رحلة علمية لطلب العلم والاستزادة فيه.

رحلته في طلب العلم:

شدّ عبد الرحمن الثعالبي الرحال نحو مدينة بجاية سنة 802هـ/ 1399م التي كانت على أيامه منارة للعلم والعلماء يقصدها الطلبة من كل أنحاء المغرب والأندلس، وقد مكث فيها فترة يتردد على مجالس علمائها، ومنهم بالإمام الفقيه «أبو الحسن علي بن عثمان المنجلاتي» (ت. 815ه)ـ الذي قال عنه الثعالبي: «وعليه كانت عمدة قراءتي»، والإمام «أبو الربيع سليمان ابن الحسن» (ت. 845هـ)، والإمام «أبو العباس أحمد النقاوسي» (ت. 810هـ)، والإمام «أبو القاسم المشدالي» (ت. 865هـ)، وغيرهم.

وبعد أن حصّل العلوم على يد علماء بحاية انتقل إلى تونس استكمالا لمسيرته العلمية سنة 809هـ/ 1460م ، فانتفع بعلماءها مثل: الإمام «أبو عبد الله بن محمد بن خِلفة الأبّي» (ت. 827هـ)، و«أبو القاسم بن أحمد البرزلي» (ت. 844هـ)، والقاضي «أبو مهدي الغبريني» (ت. 813/815هـ). وغيرهم.

انتقل الثعالبي إلى بجاية ثم إلى تونس.

وقد واصل عبد الرحمن الثعالبي رحلته في طلب العلم فقصد بلاد المشرق، فدخل مصر سنة 817هـ/ 1460م، وهناك التقى مع عدد من العلماء منهم: «أبو عبد الله محمد البلالي» (ت. 820هـ) الذي سمع عنه البخاري وقرأ عليه الكثير من اختصاره لإحياء علوم الدين.

ومن مصر؛ ارتحل إلى بلاد الترك فحل بمدينة بورصة (شمال غرب تركيا) فاستقبله أهلها استقبالاً حافلاً وأنزلوه منزلة العلماء الكبار، وقيل: إنه أقيمت له زاوية بها وما تزال موقوفة عليه إلى يومنا هذا.

لم تكن رحلة الشيخ عبد الرحمن الثعالبي لتكتمل دون زيارة بيت الله الحرام، وأداء فريضة الحج والمكوث لمدة في مجالس علماء الحجاز، فقرأ الموطأ هناك وغيره، وبهذا يكون قد بلغ مبلغا كبيرا في التحصيل في شتى العلوم الدينية، وبعدها قفل عائدا إلى بلاده.

وفي طريق عودته نزل عبد الرحمن الثعالبي بمصر مرة أخرى ولقي الفقيه «أبو عبد الله البساطي المالكي» (ت. 842هـ)، وشيخ المحدثين «ولي الدين العراقي» (ت. 826هـ) فأخذ عنهم، كما نزل مجدداً في تونس سنة 819هـ/ 1416م ومكث بها مدة، ولقي هناك هذه المرة العلامة «ابن مرزوق الحفيد التلمساني» ت 842هـ فلازمه حتى أجازه ثلاث إجازات، وأثنى عليه في كل منها، بالإضافة إلى حصوله على العديد من الإجازات من جهابذة تونس وعلماءها وحظي بإذنهم في التأليف والتدريس.

مصر كانت مقصد كثير من العلماء.

وهكذا يكون قد أخذ نصيباً وافياً وتشرب من شتى العلوم بعد أن اجتهد في التحصيل فقد درس: الفقه، وأصول الفقه، وتفسير القران، وعلوم القرآن والفرائض، والتصوف، وعلوم اللغة العربية، والمواعظ، والسيرة، والتراجم كما أظهر اهتماما يسيرا بالطب. ليعود إلى وطنه فذا عظيما في علمه وصلاحه ويعمل على نشر العلم وهداية الخلق والانقطاع للعبادة والتعليم والتأليف.

إلا أن أكثر ما برع فيه هو علم الحديث إذ يقول عن نفسه:«ولم يكن بتونس يومئذ من يفوتني في الحديث، إذا تكلمت أنصتوا وقبلوا ما أرويه تواضعا منهم وإنصافا واعترافا بالحق» ويضيف: «كان بعض فضلاء المغاربة يقول لي لما قدمت من الشرق أنت آية في علم الحديث» ويدل هذا على مدى تفوقه وتمرسه في هذا العلم.

عودته إلى مدينة الجزائر :

بعد أن قضى عبد الرحمن الثعالبي أزيد من 20 سنة في مرتحلاً بين مختلف العواصم والحواضر الإسلامية؛ عاد إلى مدينة الجزائر، ليستقر بها وأصبح واحداً من أعلامها وأقطابها في الزهد والعلم، فتولى الإمامة والخطابة في الجامع الأعظم بالمدينة، كما تولى أيضا القضاء؛ لكنه تركه بعد مدة غير طويلة لرغبته في الانقطاع للعلم والتعليم، فقصده طلاب العلم قادمين من كل جهة.

واُعتبر عبد الرحمن الثعالبي بمثابة زعيم روحي لأهل مدينة الجزائر ولقبيلة الثعالبة، فقد كان المعلم والمؤدب والعالم الذي لا ينافسه في علمه ومكانته أحد، حيث قال عنه أحمد بابا التنبكتي: «كان من أولياء الله المُعرضين عن الدنيا وأهلها»، ووصفه أيضا بقوله: «وهو ممن اتفق الناس على صلاحهم»، حتى ذاع صيته في الأقطار، حتى أصبحت مدينة الجزائر تنسب إليه وتعرف به فيقال: «مدينة سيدي عبد الرحمن».

عبد الرحمن الثعالبي وُلِدَ في أنحاء الجزائر، وعاد ليستقر فيها.

تلاميذ الثعالبي :

اشتغل عبد الرحمن الثعالبي بالتدريس والتلقين واهتم به بل وكرس له حيزاً كبيراً من حياته، فدرس عليه عدد كبير من الطلبة، وتخرج على يده جيل من العلماء الكبار نذكر منهم: العلامة «محمد بن عبد الكريم المغيلي التلمساني» ت 909هـ أكبر فقهاء صحراء توات، والفقيه «أحمد بن عبد الله الزواوي الجزائري» (ت. 884هـ) من أشهر علماء زواوة وأصبح يضاهي الثعالبي مكانة في مدينة الجزائر، والعلامة «ابن مرزوق الكفيف» (ت. 901هـ)، والإمام «محمد بن يوسف السنوني» (ت. 895هـ) وغيرهم كثير.

أقوال العلماء فيه:-

حظي الإمام عبد الرحمن الثعالبي بالذكر والثناء الحسن من قبل عدد من العلماء المعاصرين واللاحقين له من بينهم:

  • قال عنه الإمام السَّخاوي: ” وكان إماماً مصنِّفَاً .. وعمِلَ في الوعْظ والرقائق وغير ذلك”.
  • وقال عنه الشيخ زروق: ” شيخنا الفقيه الصَّالح والديا عليه أغلب من العلم، يتحرَّى في النقل أتمَّ التحري”.
  • قال كذلك ابن سلامة البكري: ” كان شيخنا الثعالبي رجلاً صالحاً زاهداً عالماً عارفاً ولياً من أكابر العلماء، له تآليف جمَّة..”.
  • وقال الغزي عنه في “ديوان الإسلام”: ” الإمام، الحِبر، العلَّامة”.
  • كذلك قال عنه شمس الدين الذهبي في “التفسير والمفسرون” : “الإمام الحُجَّة، العالم العامل، الزَّاهِد، الوَرِع، وليِّ الله الصَّالِح، العارِف بالله، كان من أولياء الله المُعْرِضين عن الدُّنيا وأهلها، ومن خيار عِبَادِ الله الصَّالحين”.

مؤلفات عبد الرحمن الثعالبي :-

ترك لنا الشيخ عبد الرحمن الثعالبي إرثاً علمياً كبيراً في شتى العلوم فقد بلغت مصنفاته حوالي تسعين مؤلفاً بين متون وشروح وحواشي وكتب منفصلة في الوعظ، والتفسير، والفقه، والحديث، وحتى التاريخ وقد حُققت العديد من مؤلفاته في حين مازال البعض ينتظر الدراسة والتحقيق.

ولعل من أبرز وأشهر مؤلفاته:

في التفسير:

الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ«تفسير الثعالبي» طبع بالجزائر في 4 أجزاء مذيلا بمعجم لغوي.
الذهب الإبريز في غريب القرآن العزيز.

في الفقه:

الأنوار المضيئة في الجمع بين الشريعة والحقيقة وهو مخطوط يقع في جزء ضخم، موجود في الخزانة الملكية بالرباط المغرب.
العلوم الفاخرة في النظر في أمور الآخرة وهو مطبوع في جزئين.
المختار من الجوامع في محاذاة الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع.
شرح مختصر ابن الحاجب.
• جامع الأمهات في أحكام العبادات.
• جامع الخيرات المصنف في قرب الممات.

في الحديث:

الأنوار في آيات النبي المختار وهو في السيرة النبوية وما يميز هذا الكتاب بالإضافة إلى قيمته العلمية أنه يحتوي على نصوص من كتب تعتبر مفقودة الآن.

في التصوف:

الإرشاد في مصالح العباد وهو في التربية وتزكية النفس والتصوف، ويعتبر أيضا من الكتب القيمة في الحديث.
• قطب العارفين.
• إرشاد السالك.
• الرؤى والمنامات.

في التاريخ والرحلة:

  • جامع الهمم في أخبار الأمم
  • الجامع الكبير ويحتوي على رحلته لطلب العلم.
  • الأنوار المضيئة.

في التراجم:

  • روضة الأنوار ونزهة الأخيار وهو في التراجم مخصص لعلماء الفقه المالكي ترجم فيه لحوالي مائة عالم بداية من مالك بن أنس.
  • غنيمة الوافد وبغية الطالب الماجد حققه الأستاذ محمد شايب الشريف.

وغيرها من المؤلفات التي لا يتسع المجال لسردها.

اقرأ هنا كيف ترسخت المدرسة الفقهية المالكية في المغرب والأندلس؟

وفاته:-

توفي الشيخ عبد الرحمن الثعالبي يوم الجمعة 23 رمضان سنة 875هـ/ مارس 1471م عن عمر يناهز 90 سنة ودفن في مقبرة الطلبة بأعالي قصبة الجزائر، وفي القرن 12هـ/ 17م قام الباشا الحاج أحمد بن الحاج المصلي –وهو الحاكم العثماني بالجزائر- ببناء زاوية على ضريحه وحبس لها الأوقاف، وهي الآن تُعدّ معلماً من معالم مدينة الجزائر.

مخطط مدينة الجزائر إبَّان العهد العثماني.

المصادر:-

• أحمد بابا التنبكتي، نيل الابتهاج في تطريز الديباج، منشورات كلية الدعوة الإسلامية.
• أبو القاسم محمد الحفناوي، تعريف الخلف برجال السلف، بيير فونتانة الشرقية.
• عبد الرحمن بن محمد الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج2، دار مكتبة الحياة.
• عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، مؤسسة نويهض الثقافية.

  • تفسير الثعالبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى