أعلامانفوجرافيكس

عبد الحميد الكاتب .. الناظم صاحب الرسائل البديعة

طه حسين: النثر الفني في الأدب العربي ظهر على يد الكاتب

شخصيةٌ تاريخيةٌ أحاطها الغموض من كل حدبٍ وصوب، فلم تذكر كتب التاريخ حول أخبارها وحياتها إلا النزر القليل، لأن الدولة العباسية أسدلت عليه سحبا كثيفة من الإهمال و النسيان باعتباره الكاتب السياسي الأول الدولة الأموية … هذا هو “عبد الحميد الكاتب” أو “عبد الحميد الأكبر” حسب كتاب البيان والتبيين لأبي عثمان عمرو بن الجاحظ.

من هو عبد الحميد الكاتب ؟

هو عبد الحميد بن يحيى بن سعد، أبو يحيى الكاتب مولی العلاء بن وهب العامري الأنباري، ولِد في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة 75هـ، بمدينة الأنبار الواقعة في أرض العراق.

ويقول القاضي ابن خلكان (1211 -1282 م) في كتابه الشهير “وفيات الأعيان”: “إن عبد الحميد كان من أهل الأنبار وسَكَن الرقة”، فإن صحَّت روايته كان عراقيا غير شامي، وأطلق عليه الشاعر ابن عبد ربه (860-940 م) اسم عبد الحميد الأكبر ، وعدّه ممن نبُل بالكتابة، وقال: “إنه كتَبَ لعبد الملك بن مروان ولِيزيد، ثم لم يزل كاتبا لخلفاء بني أمية حتى انقضت دولتهم”.

ابن خلكان أحد أفضل من كتب في تراجم الرجال

فقد كان عبد الحميد في أول أمره معلم صبية في الكوفة، متنقلاً بين البلدان، ثم هجر التعليم وطلب الدخول في حكومة الأمويين، وقد استعد لذلك بعد اتصاله بصهر زوج أخته، سالم بن عبد الله، مولى هشام بن عبد الملك، والذي كان كاتباً لهشام، فتعلَّم عبد الحميد على يديه فن الكتابة وبرع فيه، ليقوم بعد ذلك بذات دور أستاذه لكن في الكوفة.

وبلغت الفترة التي مكث فيها عبد الحميد كاتباً لهشام بن عبد الملك قرابة عشرين عاماً ( 105-125 هجري).

كما استثمر عبد الحميد قدراته ليتصل بمروان بن محمد الذي كان والياً على أرمينية، وكَتَبَ له وأحسن خدمته، فلما أصبح مروان خليفةً؛ رافقه عبد الحميد إلى دمشق ليصبح الكاتب الأول في عاصمة الخلافة الأموية.

وقد كان عبد الحميد من الكتاب الفضلاء البلغاء الذين يضرب بهم المَثَل في الكتابة، وقد تعدت رسائله الألف رسالة.

إنجازات عبد الحميد الكاتب :-

يرى الدكتور طه حسين و بعض النقاد أن النثر الفني في الأدب العربي ظهر أول مرة على يد عبد الحميد، وهو الذي أنشأ الكتابة الفنية إنشاء في اللغة العربية، هذه الكتابة التي يعتمد فيها الكاتب بالأساس على التحبير والتنميق، إذ لم تظهر في رأيهم في العصر الجاهلي و لا في عصر صدر الإسلام، و إن كان بعض مقدماتها وعناصرها قد أخذ في الظهور في عهد الخلفاء الراشدين، أما هي جملة فقد تأخرت إلى العصر الأموي لتظهر برأيهم على يدي عبد الحميد الكاتب بتأثير الثقافة اليونانية فيه؛ كما يقول الدكتور طه حسين.

طه حسين
طه حسين

فهو الذي ترك آثارا كبيرة في نهضة الكتابة وتحولها إلى صناعة فنية لها منهاجها وأصولها وتقاليدها الأدبية الخاصة بها، ولها نظامها في البدء والختام، وكان لذوق عبد الحميد الكاتب أثر كبير في اتسام الكتابة بالسهولة والوضوح وفي البعد عن الغريب والوحشي، والتعقيد والتنافر.

كان عبد الحميد حسب قول ابن عبد ربه صاحب -العقد الفريد- “أول من فتق أكمام البلاغة ، وسهَّل طرقها، وفك رقاب الشعر، فضربت الأمثال ببلاغته”، وقد أشار اليتري إلى ذلك في قصيدته إلى محمد بن عبد الملك قال :

وتفننـــــــــــت في البلاغــــــة حتـــــى .. عطـــــــل الناس فـــن عبدالحميـــد

وقال ابن الرومي لأبي الصقر :

لـو أن عبد الحمـيد اليـــوم شاهـده .. لكـــان بين يديــه مذعنا وسنــــا

وقال إبراهيم بن عباس الصّولي وقد ذكر عبد الحميد الكاتب: “كان والله الكلام معاناً له ، ماتمنيت كلام أحد من الكتاب قط أن يكون لي مثل كلامه”، ولقد جاء عبد الحمید بطريقة جديدة في الكتابة العربية، شرعها لكل من يحمل القلم بعده، فنقل الإنشاء من طَور الى طَور، فلم يكد يتغير حتى عهد ابن العميد ، ولذلك يقال: ” اُفتتحت الكتابة عبد الحميد وخُتِمت بابن العميد” .

ابن العميد .. الكاتب والشاعر المترسِّل

عبد الحميد الكاتب .. منزلته الأدبية:-

  • جَعَلَ من التَرسُّل فنَّاً له قواعده وأصوله.
  • أول من أطال الرسائل واستعمل التحميدات في فصول الكتب، وعنه أخذ المترسلون ولطريقته لزموا.
  • ساهَمَ في تسهيل سُبُل البلاغة في الترسُّل.
  • جَعَل الكِتابةَ صِناعة كباقي الصِّناعات.
  • زاوجَ بين الأسلوبين العربي والفارسي في الكتابة على شاكلة ما فعله ابن المقفَّع، لكنه زاد عن الأخير في أنه قَصَدَ إلى التصنيع، بينما لم يزِد ابن المقفَّع على أن تَرَكَ نفسه على سجيتها.

عبد الحميد الكاتب – خصائص أسلوبه:-

  • إطالة التحميدات، حمدُ الله تعالى وتعداد آثاره وذكر آلائه، وقد أطال في ذلك خصوصاً في مطالع رسائله، حيث يقول: ” الحمد لله العلي مكانه، المنير برهانه، العزيز سلطانه، الثَّابتةِ كلماته، الشافية آياتهِ…”
  • الإسهاب في التعبير، فكان من عاداته أن يعبِّر عن المعنى الواحد بتراكيب مختلفة، إمَّا لزيادة التبيان، وإمَّا لأمرٍ تقتضيه البلاغة من موازنة، من قبيل قوله: فإذا أفضيتَ نحوَ عدوَّك، واعتزمتَ على لقائهم، وأخذتَ أُهبَةَ قتالهم؛ فاجعل دعامتك التي تلجأ إليها، وثقتك التي تأمل النجاة بها، وركنك الذي ترتجي به..”
  • انتقاء الألفاظ والعبارات، وأسلوبه أبعد عن أن يكون جارياً على السَّجية، إنما كان صناعة حاذقة ونمطٌ متخيِّر، ويقول: “أمَّا بعد، فإنَّ أميرَ المؤمنينَ عندما اعتزم عليه من توجيهك إلى عدو الله الجلف الجافي، الأعرابي المتسكِّع في حيرة الجهالة، وطُلَم الفِتنة، ومهاوي الهلكة، ورِعاعهُ الذين عاثوا في الأرض فساداً، وانتهكوا حُرَمَهِ استخفافاً، وبدَّلوا نِعَمَ اللهِ كُفراً، واستحلوا دماء أهل سِلمهِ جهلاً..”.
  • الابتعاد عن البديع: إذ لم يتكلَّفه من جناس وطِباق ولا يتطلبه إلا بالحد الأدنى.
  • الموازنة والسَّجع: والموازنة بحيث يأتي بجُمَلٍ متتالية على نَسقٍ مخصوص تلتزم في كل جملة منها عدداً معيناً من الكلمات، كقوله: “واعلم أن الظفر ظَفران، أحدهما أعم منفعة، وأبلغ في حُسن الذكر مقالة، وأحوط سلامة، وأتمه عاقبة، وأحسَن في الأمور مورِداً، وأصحِه في الرواية حزماً، وأسهله عند العامَّة مصدراً…”.

أما في حالة السجع، والذي يعتبر من خصائص اللغة العربية منذ القِدم؛ فقد حَرِص عبد الحميد على عدم التكلُّف فيه، حيث أخذ منه بقدر، حيث تزيد في تحميداته مقارنة برسائله.

عبد الحميد الكاتب .. عناصر شخصيته:-

  • أجاد اللغة الفارسية، وكما يُعتقد بأنه عرف شيئاً من الأرمينية.
  • امتلَكَ ثقافةً عامة منذ وقت مبكر، وذلك بفعل عمله في مجال التعليم.
  • كان كثير الذَّكاء، حَسَنَ العقل، حتى أنه كان عظيم التأثير على قرارات مروان، آخر خلفاء بني أمية.
  • كان مثالاً للوفاء لمروان خاصة، فقد أحبَّ أن يموت معه وقد مات بالفعل.
  • حَسَن الصَّداقة، فقد رَفَضَ أن يفديه ابن المقفَّع بنفسه.
  • كان شديدَ العَطف على زملائه في الكتابة، يحثُّهم دوماً على التكاتف والتآزر فيها بينهم.

ترحَّـــل مـــا ليــسَ بالقـــافِـــل … وأعقِــب مـا لَيْـسَ بالزَّائـلِ

فَلَـهفـــي لــذي خلــفٍ قـــــادِمٍ … ولَهْـفـــي على سَــلفٍ راحـلِ!

سأبكـــي علــى ذَا وأبـكـــي لـذَا … بُـكـــــاَء مولَـهَـةٍ ثَـاكِـلِ

فتبكــي من ابنٍ لَهَـــا قــاطِـــعٍ .. وتبكــــي على ابنٍ وَاصِـلِ

عبد الحميد الكاتب.

وداع الأهل:-

وكتب عبد الحميد إلى أهلهِ وهو منهزمٌ مع مروان، مستشعرٌ قرب موته، ما نصُّه:

“أمَّا بعد: فإِنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ الدُّنيا محفوفة بالكُره والسُّرور، فمَن ساعدهُ الحظُّ فيها؛ سَكَنَ إليها، ومن عضَّته بنابها؛ ذمَّها ساخِطاً عليها، وشَكَاها مُستزيداً لها”.

“وكانت قَد أَذاقَتْنا أَفاويق استحليناها، ثمَّ جمَحَت بِنا نافِرة، ورَمحتنا مولية، فمِلح عَذبها، وخشن لِينها، فأبعدَتْنَا عن الأوطان، وفرَّقتنا عَن الإِخوان، فالدَّارُ نازِحة، والطَّيرُ بارِحة، وقد كتبتُ والأيَّام تزيدنا منكم بُعداً، وإليكم وجداً، فإِن تتمَّ البليَّة إلى أقصى مدتها؛ يكُن آخر العَهد بِكم وبِنا، وإن يلحقنا ظفرٌ جارح من أَظفار من يليكم؛ نرجِعُ إليكم بِذِل الإِسار، والذُّل شرُّ جار”.

“نسألُ الله الذي يُعزُّ من يشاءُ ويذلُّ من يشاءُ؛ أن يَهَب لنا ولَكم أُلفةً جامعةً في دَارٍ آمنة، تجمعُ سَلامةَ الأبدان، والأديان، فإِنَّه ربُّ العالمين، وأرحمُ الرَّاحِمين”.

مقتل عبد الحميد:-

قُتِلَ عبد الحميد الكاتب مع الخليفة مروان بن محمد على أيدي العباسيّين، وذلك إثر توليّهم الحكم في البلاد والأمصار الإسلامية، وتذكر إحدى الروايات أن مروان قال له حين أيقن بزوال مُلكهِ، كإيحاءٍ منه على دعوة عبد الحميد لتخليص نفسه من القتل: “قد احتجتَ أن تصير مع عدوي، وتظهر الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك، يحوجهم إلى حُسن الظن بك” فقال له عبد الحميد: “إن الذي أشرت به عليَّ أنفعُ الأمرين لك، وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله تعالى، أو أُقتل معك.” ولم تذكر كتب التاريخ شيئاً عن مكان أو تاريخ مقتله.

وصف اللحظات الأخيرة من حياته:-

ويصف الدكتور محمد رجب البيومي مشهد الفصل الأخير من حياة عبد الحميد الكاتب الذي بطش به أبو جعفر المنصور، فقال: ” ماذا كان أمر عبد الحميد الكاتب؟! لقد كان صديق مروان بن محمد آخر خلفاء الدولة الأموية، يكتب رسائله، ويُذيع آراءه، ويحارب معه في ميادين النِضال، فهو صديقٌ مخلصٌ لا يكذب، وحينما دارت الدائرة على مروان، رجاء أن يُظهِر له العداء، وأن يُسارع إلى الالتحاق بجيوش العباسية لينجو برأسه، ولكنه عدَّ ذلك جريمةً خُلُقية لا تغتفر، وبقيَ مع صاحبه حتى اُغتيل”.

ويضيف البيومي “فوقع (الكاتب) أسيراً يُساق إلى حضرة المنصور، والرئيس العاقل الأريب يجدُ من الحصافة أن يصطنع خصومه إذا ألقوا السلم وأقبلوا طائعين، وبخاصَّةٍ إذا كانوا من ذوي النَّباهة في الذِّكر، والأصالة في الرأي، والبلاغة في اللِّسان، ليكونوا أداة نصره، ووسائل مجده، وهو بذلك يضمُّ إلى مجده مجداً من ناحية عملية، ويزدادُ رِفعةً في عيون النَّاس من ناحية خلُقية، متى رأوْه يُسبل عطفه على خصوم الأمس، ولكن أبا جعفر مريضٌ بالغيظ، يُؤثِرُ التشفّي، ويلتذّ بدم الفريسة المُراق، فما وقعت عينهُ على عبد الحميد حتى أمر بقتله!، وكأنَّه رمى عن صدره عبئاً ثقيلاً”.

وقد كان لعبد الحميد ذرية بقوا في مصر لغاية عهد أحمد بن طولون (القرن التاسع الميلادي) حيث عمل أحفاده أيضاً كُتَّاباً في دولة ابن طولون، كما كان منهم واحد في بغداد.

المصادر:

  • صلاح الدين الصفدي، 2000: الوافي بالوفيات، تحقيق أحمد الأرنأوط، دار إحياء التراث العربي.
  • مجلة المجمع العلمي العربي، آب 1929: عبد الحميد الكاتب، الجزء 9، المجلد9.
  • عبد الحميد الكاتب، بديع الزمان، الحريري – عمر فروخ.
  • سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون.
  • هارون الرشيد، الخليفة العالم والفارس المجاهد، محمد رجب البيومي.
  • جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، تأليف السيد أحمد الهاشمي، القاهرة 1969م.
  • https://images.metmuseum.org/CRDImages/is/original/DP239701.jpg

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى