أخبار العربانفوجرافيكس

طرفة بن العبد .. الشاعر الجاهلي المفارق مبكرا

كان هجَّاءً، غير فاحش القول، تفيض الحكمة على لسانه

الشاعر طرفة بن العبد:-

طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد، أبو عمرو البكري الوائلي، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، وُلِدَ في بادية البحرين سنة 543 م، وتنقل في بقاع نجد.

ينتمي إلى بيت عريق الأصل، غير أنه خَسَر والده في سنٍ مبكرة، فنشأ يتيم الوالد، ينفق بلا حساب، فحاصره أعمامه وضيقوا عليه، ومنعوه حقه، وجاروا على أمِّه، قظلموها حقها.

نشأ شاعرنا حاد الذكاء وافره، فخوراً تيَّاهاً بشعره، لم يُراعِ حرمة لقريب أو كبير.

مكانته الشعرية:-

كان طَرَفة بن العبد أحدث الشعراء سنا وأقلهم عمراً، أشهر شعره معلقته التي شرحها الكثير من العلماء، ومطلعها:

لِخَولَــةَ أَطـــلالٌ بِبُــرقَــةِ ثَهمَــــدِ.. تَلـــوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ

وُقوفاً بِها صَحبي عَلَيَّ مَطيَّهُم.. يَقولــونَ لا تَهـلِك أَسـىً وَتَجَلَّـــدِ

كَــــأَنَّ حُــدوجَ المـالِكيَّــةِ غُـدوَةً.. خَــــلايا سَفيــنٍ بِالنَواصِفِ مِن دَدِ

عَدَوليَّـــةٌ أَو مِن سَفيــنِ اِبنِ يامِــنٍ.. يَجــــورُ بِها الـمَلّاحُ طَوراً وَيَهتَدي

وجُمِعَ المحفوظ من شعره في «ديوان» صغير، تُرجِم إلى الفرنسية، وكان هجَّاءً، غير فاحش القول، تفيض الحكمة على لسانه في أكثر شعره.

ومن جيد شعر طرفة قوله:

أَرى المَوتَ يَعتـامُ الكِرامَ وَيَصطَفـي .. عَقيلَـةَ مالِ الفاحِشِ الـمُتَشَدِّدِ

أَرى العَيشَ كَنزاً ناقِصــاً كُـلَّ لَيلَــةٍ.. وَمَــا تَنقُصِ الأَيّامُ وَالدَهرُ يَنفَـدِ

لَعَمرُكَ إِنَّ المَوتَ ما أَخطَأَ الفَتى.. لَكَالطِوَلِ الـمُرخى وَثِنياهُ بِاليَـدِ

يقول الدكتور عمر الفروخ : .. لقد أساءت الحياةُ إلى طرفة وأساء إليه أهلُ الحياة وأهله أيضاً، إذ حَرَمَهُ أعمامه إرثه من أبيه، وهكذا انقلب ماديَّاً لا يُبصِرُ من الحياة إلَّا ناحية اللّذَّةِ العاجلة، ولا يرى الدُّنيا إلَّا كالشَّجرة المُثمرة، إن أنتَ لم تتمتع بظلها وتأكل من ثَمَرِهَا فاء الظِّلُ وفسُدَ الثَّمَرُ وسَقَط، وأضعتَ أنتَ في الحياة كلها كُل ما فيها من فرصة مؤاتية، فليس للبشر حظٌّ إلَّا في ما يأتونه في حياتهم الدُّنيا، أمَّا الخُلود في الدُّنيا؛ فليسَ إلَّا للحجارة أو لما هُوَ في معناها، وقد عبَّر طرفة عن ذلك تعبيراً بارعاً بقوله.

وظُلمُ ذوي القُربَى أشَدُّ مَضَــاضــةً .. علـى النَّفْسِ من وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ

أَرى قَبــــرَ نَحّــــامٍ بَخيـلٍ بِمالِــهِ.. كَـقَبــرِ غَويٍّ في البَطالَةِ مُفسِــدِ

ترى جُثْـوتيـن مِـن تُـرابٍ عليهمــا .. صفــائحُ صُــمٌ من صَفِيـحِ مُنضَّدِ

ألا أيَهـذا اللَّائـمـي احـضُرَ الوغَــى .. وإن أشهَد اللّذَّاتِ هل أنتَ مُخَلَّدي

فـــإن كُنتَ لا تسطيــعَ دفْعَ منيتي .. فدعني أبادِرُهَا بما مَلَكَتْ يدي

مقتطفات من معلقة "لخولة أطلال ببرقة ثهمد" نظمها الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد

أول شعره:-

ويقال: إن أول شعر قاله طرفة بن العبد أنه خرج مع عمه في سفر، فنصب فخاً، فلما أراد الرحيل قال:

يــا لـكِ مــن قبـــــرة بمـعـمــــــر … لَــكِ الجـو فبيضي وأصفـري

ونقــــري مــا شئــتِ أن تــنقــــري … قَـــدْ رفَع الفَـخ فمـاذا تحذري؟

الآراء في شعر طرفة:-

  • جعله ابن سلام الجمحي في الطبقة الرابعة من طبقات شعراء الجاهلية إلى جانب عبيد بين الأبرص وعدي ابن زبده، وقال عنه : “وهو أشعار الناس واحدة”.
  • أما أبو عبيدة؛ فقد جعله في الطبقة الثانية مع الأعشى ولبيد، ووافقه على ذلك أبي زيد.
  • قال كل من ابن مقبل والنضر بن شميل في طرفة:” هو أشعر الناس”.
  • يقول لبيد بن ربيعة الشاعر الشهير: “أشعرُ الناس الملك الضليل – في إشارة على امرئ القيس- ثم الشاب القتيل (أي طرفة).. ثم…”.
  • يوافق ابن قتيبة ما قاله ابن سلام في طرفة بالقول: ” فهو أجودهم طويلة..”.
  • أما ابن دريد؛ فيقول في “الجمهرة”: “هو أشعرهم إذا بلغ بحداثة سنِّه ما بلغ القوم في طوال أعمارهم، فخب وركض معهم”.

وَصَــادِقَتَـا سَـمْعِ التَّوَجُّــسِ لِلسُّــرَى .. لِجَــرْسٍ خَــفِيٍّ، أوْ لِصَوْتٍ مُـنَدَّدِ

مُــؤلَّلَتَــانِ، تَـعْـرفُ العِــتْقَ فِيــهِمَـا .. كَـسَـامِعَتَــيْ شَــاةٍ بَحَــوْمَــلَ، مُـفْـرِدِ

مقتل طرفة بن العبد:-

كانت أخته عند عمرو بن بشر بن مرثد، وكان عبد عمرو سيد أهل زمانه، فشكت أخت طرفة شيئاً من أمر زوجها إليه، فقال:

ولا عيبَ فيــــه غيـــرَ أنّ لـــهُ غنــى … وأنّ لهُ كَشحاً، إذا قـامَ، أهضما

يظلُّ نســاءُ الحيّ يعكُفنَ حولَــه … يَقُلــنَ: عَسيبٌ منْ سَرَارَة ِ مَلْهما

فبلغ عمرو بن هند الشعر، فخرج يتصيد ومعه عبد عمرو، فأصاب حماراً فعقره، وقال لعبد عمرو: انزل إليه، فنزل إليه فأعياه، فضحك عمرو بن هند وقال: لقد أبصرك طرفة حين قال: “ولا عيب …”، وكان عمرو بن هند شريراً، وكان طرفة بن العبد قال له قبل ذلك:

فَلَيتَ لَنا مَكــانَ المَلكِ عَمــروٍ.. رَغــوثـــاً حَــولَ قُبَّتِنا تَخــورُ

من الزّمِــرات أسيــل فـادماهـــا.. وضرَّتُـهــا مُركَّـــنة درورُ

يُشـاركنـــا لنـا دخــلان فيهــــا.. وتعلــوهـــا الكبــاش فمـا تنورُ

لعمــــرك إنَّ قــابـوس بن هنـــدٍ.. لَيَخـلـــط مُلـكـه نوك كثيــرُ

فقال عبد عمرو: أبيت اللعن، الذي قال فيك أشد مما قال فيَّ، قال: وقد بلغ من أمره هذه؟ قال: نعم، فأرسل عمرو بن هند بكتاب إلى المكعبر عامله على البحرين وعمان، يأمره فيه بقتله؛ لأبيات بلغ الملك أن طرفة بن العبد هجاه بها، فقتله المكعبر، شاباً، في هجر سنة 569 م، قيل: كان ابن عشرين عاماً، وقيل: ابن ست وعشرين.

وقيل إن طرفة قال قبل مقتله وصلبه:

فمَـَنْ مبلِّـــغ أحيـــاءَ بكر بن وائـــل .. بــأنَّ ابن عَبْدٍ راكبٌ غير راجِلِ

على ناقةٍ لم يركَب الفحْلُ ظهْرَهـا .. مشَذَّبـةً أطرافها بالمنـاجِلِ

الرواية الأقوى تقول: إنه توفي وهو في السادسة والعشرين من العمر، مستندة إلى إنشاد أخته الخرنق تبكيه وترثيه بعد قتله بقولها:

عددنا لك ستا وعشـرين حجة فلمَّا.. وتوفاها استوى سيداً ضخماً

فُجِـعنا به لـمَّـــــا رجـــونا إبابـــه.. علـــى خير حالٍ؛ لا وليداً ولا قحما

طرفة بن العبد .. الأسرة والبيئة:-

  • هو من ربيعة من بكر ابن وائل إحدى قبيلتيها المشهورتين، وهما بكر وتغلب، فهو بكري تغلبي، وربيعة أخت مضر في السيادة والضخامة والقوة والعدد والشرف، وبكر شقيقة تغلب في المجلد والجاه والعز، وهما جميعاً من ربيعة.
  • كان قومه في عِزَّة ومنعة من حيث عددهم وحسبهم وشرفهم ومكانتهم بين العرب، فقد كان جده سفيان موصوفاً بالشرف والرياسة، وكان أبوه شاباً ظاهر الفتوة والجرأة والإقدام.
  • عاش طرفه وقومه في البحرين التابعة لنفوذ الحيرة آنذاك، والواقعة شرقي الجزيرة العربية والممتدة من عُمان إلى حدود العراق، وأشهر مدنها هجر التي يُضرب بها المثل في وفرة التمور.
طرفة انتسب إلى بيئة غنية بالتمور
  • من أقاربه ؛ المرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، وخاله الشاعر المتلمس والذي يعتبر من الطبقة الثانية عن بعض النقَّاد، ولهُ قصيدة سينية نظمها بعد قتل ابن اخته طرفة يوقظ فيها بكراً ويحثها على الانتقام من عمرو بن هند ملك الحيرة ويقول فيها:

يــا آل بكر ألا للـــــــــه أمكـمــو.. طــــال الثواء وثوب العجز ملبوس

أعنيت شاتي فأغنوا اليوم تيسكمو.. واستحمقوا في مراس الحرب أو كيسوا


المصادر:

  • الأعلام (3/225).
  • اختيارت من الشعر الجاهلي، الأعلم الشنتمري.
  • الشعر والشعراء (1/182/رقم 7).
  • ديوان طرفة بن العبد، شرح وتقديم مهدي محمد ناصر الدين.
  • جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام.
  • عبقرية العرب في العلم والفلسفة، عمر فروخ.
  • المقطعات الشعرية في الجاهلية وصدر الإسلام، مسعد بن عيد العطوي.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى