أعلاممعلومات تاريخية

” طبقات فحول الشعراء “.. باكورة النقد الأدبي لابن سلّام الجمحي

ناقش عدة قضايا أبرزها قضية انتحال الشعر وتصنيف الشعراء

تمهيد:-

بين صفحات كتابه ” طبقات فحول الشعراء ” ؛ أسَّس بن سلّام الجمحيّ لفن النقد المُبكر، فكان بين طيّاته ناقدًا ومُتذوقًا وراويًا ومُؤرِّخًا للشعر العربيّ؛ لذا اعتبره البعض أول من منهجَ للنقد الأدبيّ في الثقافة العربية.

نبذة تعريفيّة بابن سلّام:-

هو محمد بن سلام بن عبد الله سالم الجمحي، أحد أعلام وأعمدة الأدب العربي في القرن الثالث الهجري، وُلد بمدينة البصرة، واختلف العلماء في تحديد سنة مولده، لكنه وَفَد إلى بغداد سنة 222ھ، ومكث بها إلى أن تُوفى سنة 232ھ، وتتلمذ على يد يونس بن حبيب، وخلف الأحمر، والمفضل الضبي، وأبو عُبيدة مُعمر بن المثني، وقد كان مصدر ثقة ومرجعًا في فنون العلم والأدب، وكان فصيحًا بليغًا صادق التعبير، وترك العديد من المؤلفات ذكر بعضها ابن النديم في كتابه الفهرست مثل : “غريب القرآن”، و”الفاصل في ملح الأخبار والأشعار”، و” طبقات فحول الشعراء “.

الرحالة الإصطخري يصف مدينة البصرة التي ولد فيها قطرب
الرحالة الإصطخري يصف مدينة البصرة

حول كتاب طبقات فحول الشعراء:-

يُعدُّ هذا الكتاب من أقدم ما وصلنا من كتب مُصنّفات طبقات الشعراء، والذي صنّف فيه ابن سلّام الجمحي الشعراء إلى طبقات، وقد ناقش فيه عدة قضايا أبرزها قضية انتحال الشعر وتصنيف الشعراء، وقد قيل أن كلمة “فحول” دخيلة على اسم الكتاب وأن اسمه ” طبقات الشعراء ” فقط.

ويغلب على الكتاب الطابع النقديّ، ويظهر هذا جليًّا بدءًا من أُولى صفحاته، وقد ناقش ابن سلّام في طبقات فحول الشعراء مسألة الشعر الموضوع من منظور عقلي، ولم يتردد في انتقاد مشاهير الرُّواة، كما حدد القواعد التي اتبعها لتصنيف الشعراء ولتفضيلاته الشعرية.

يقول ابن سلام في مطلع كتابه : “وللشِّعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات منها ما تثقفه العين ومنها ما تثقفه الأذن ومنها ما تثقفه اليد ومنها ما يثقفه اللسان”.

ويقول أيضًا : “وفي الشعر مصنوع مُفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حُجة في عربية، ولا أدب يُستفاد، ولا معنى يُستخرج، ولا مثل يُضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا نسيب مُستطرف، وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية”.

صنَّف شعراء الجاهلية على طبقات فحول الشعراء
صنَّف شعراء الجاهلية على طبقات

أولًا : قضية الشعر المنحول:-

ناقش ابن سلام الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء قضية انتحال الشعر، ودعا إلى ضرورة تنقية
التراث الشعريّ من الزّيف ومن الشعر المنحول الذي نسبه بعض الشعراء والرَّواة – كذبًا – إلى شعراء
الجاهلية، وهو ليس من الجاهلية في شيء.

وقد اتهم بعض الرواة بعينهم ومنهم الراوية حمّاد الكوفي- من أوائل من جمعوا أشعار العرب – إذ وصفه بأنه غير موثوق به، إذ ينحل الأشعار ويزيد فيها من عنده، مستندًا لقول يونس بن حبيب:”العجب لمن يأخذ عن “حماد”، كان يكذب ويلحن ويكسِر”، وهذا داوود بن مُتمم بن نويرة حينما قدم البصرة، أتاه أبو عبيدة وابن نوح ليسألاه عن شعر أبيه فقالا عنه :”فلما نَفِد شعْرُ أبيه، جعل يزيد في الأشعار ويَصْنعُها لنا، وإذا كلامٌ دون كلام “متمِّم”، وإذا هو يحتذي على كلامه فيذكُر المواضعَ التي ذكرها “مُتمِّم”، والوقائعَ التي شَهِدها، فلمَّا توالى ذلك، عَلِمنا أنه يفتعِلُه”.

محمد بن إسحاق بين يدي طبقات فحول الشعراء:-

عاب ابن سلام الجمحي على محمد بن إسحاق – صاحب السيرة النبوية- تهجينه أشعار لرجال ونساء لم
يقولوا أشعارًا قطّ – على حد قوله – إذ قال: “ولم يكن ذلك له عذرًا – يقصد ابن إسحاق – فكتَبَ في السِّيَر
أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قطُّ، وأشعار النِّسَاء فضلًا عن أشعار الرجال، ثم جاوَزَ ذلك إلى عادٍ
وثمودَ”، وقد فنَّد ابن سلام إبطاله لأشعار عاد وثمود على وجه التحديد بأدلة أربعة وهي:

  1. الدليل النقلي : لقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ﴾ [النجم: 50، 51]، وقال في عاد: ﴿ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 8]، وتساءل مستنكرًا عمّن حمل هذا الشعر عنهم بعد ألوف السنين من هلاكهم.
  2. دلل الجمحي أيضًا بأن اللغة العربية لم تكن موجودة على عهد عاد؛ لأن أول من تكلم بها هو إسماعيل بن إبراهيم – عليهما السلام – وقد جاء إسماعيل بعد عاد، فكيف وُجد شعر لعاد بالعربية وهي لم تكن موجودة من الأساس؟
  3. واستدل بقول أبو عمرو بن العلاء“: ما لسان حِمْير وأقاصي اليمن اليومَ بلساننا، ولا عربيَّتُهم بعربيَّتِنا”، وقد ذكر أن عادًا من اليمن وأن لهم لسان آخر.
  4. يؤكد ابن سلام أن وجود القصيدة بمفهومها لم يزدهر إلا بعهد الشعراء الذين عاشوا قريبًا من الإسلام، فيقول: “ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلَّا الأبيات يقولها الرجل في حاجته، وإنما قُصِّدت القصائدُ وطُوِّل الشعرُ على عهد عبد المطلب، وهاشم بن عبد مناف، وذلك يدلُّ على إسقاط شعر عادٍ وثمودَ وحِمْير وتُبَّع”.

ثانيًا : طبقات الشعراء وتصنيفهم:-

كانت هذه هي القضية التي استحوذت على الجزء الأكبر من كتاب طبقات فحول الشعراء، وقد ترجم
الجمحي في كتابه لمائة وأربعة عشر شاعرًا، جعلهم على طبقات، وهم:

  1. طبقات شعراء الجاهلية:
    عشر طبقات تضم أربعين شاعرًا، كل طبقة تحوي أربعة شعراء، وضع في طليعتهم في الطبقة الأولى: “امرأ القيس” و” النابغة الذبياني ” و” زهير بن أبي سلمى ” و”الأعشى”.
  2. طبقات شعراء الإسلام:
    عشر طبقات أيضًا تضم أربعين شاعرًا، في مقدمتهم بالطبقة الأولى: “جرير بن عطية”، و”الفرزدق”، و”الأخطل”، و”عبيد بن حصين”.
  3. طبقة أصحاب المراثي:
    تضم أربعة شعراء، وهم :”مُتمِّم بن نويرة” و”الخنساء” – الشاعرة الوحيدة المذكورة في طبقات
    فحول الشعراء – و”أعشى باهلة” و”كعب بن سعد الغنوي”.
  4. طبقة شعراء القرى:
    تضم اثنين وعشرين شاعرًا، أشهرهم: ” حسان بن ثابت ” و”قيس بن الخطيم” من المدينة، و”عبدالله بن الزَّبعرى” و”ضرار بن الخطاب” من مكَّة، و”أُمية بن أبي الصلت “و”أبو محجن الثقفي” من الطائف، و”المثقَّب العبدي” و”الممزَّق العبدي” من البحرين.
  5. طبقة شعراء اليهود:
    تضم ثمانية شعراء، أشهرهم: “السموأل بن عادياء” و”كعب بن الأشرف” و”سعية بن العريض”.
امرؤ القيس أحد أكبر شعراء العربية

معيار المفاضلة بين الشعراء عند ابن سلام الجمحي:-

اعتمد الجمحي في تصنيفه لطبقات الشعراء على ثلاثة مقاييس كانت هي مرجعه للمفاضلة بين بينهم وهي:

  1. الكَمّ أي كثرة شعر الشاعر.
  2. تعدد أغراضه.
  3. جودة شعره.

الخلاصة:-

ختامًا، قياسًا على معاصريه، فإن ابن سلام الجمحي كان صاحب السبق لتقديم أقدم الوثائق  المدونة في
النقد عامة وفي الطبقات خاصة، فلا يكاد يخلو ذكره وذكر كتابه طبقات فحول الشعراء من أي عمل نقدي
أو أدبي، فقد فرض نفسه كعلامة فارقة في التراث العربي.

طبقات فحول الشعراء
الجمحي حفظ ورتَّب التراث الشعري الجاهلي

المصادر:-

  • محمد بن سلام الجمحي البصري؛ طبقات فحول الشعراء، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
  • طبقات فحول الشعراء عرض وتحليل ونقد، نبيل خالد، سلوى عزازي، الجامعة الإسلامية.

الوسوم

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق