أعلام

الشيخ طاهر الجزائري .. رائد النهضة الحديثة في بلاد الشام

نادى بإصلاح التعليم، وإحياء المرجعية الإسلامية في المجتمع

هو طاهر بن صالح بن أحمد بن موهوب السمعوني الوغليسي الجزائري، ثم الدمشقي: عالم لغوي أديب وباحث من عمد الإصلاح اللغوي والديني في الشام ومن رواده الأوائل، تربى على يده جيل من أعلام النهضة العربية الحديثة في الشام.

عصر الشيخ طاهر الجزائري :-

عاش الشيخ طاهر الجزائري في أواخر عهد الدولة العثمانية في الشام، عاصر السلطان عبد الحميد الثاني (1876- 1909 م) وحكومة الاتحاد والترقي، كما عايش أحداث الحرب العالمية الأولى وانعكاساتها الوخيمة على البلاد العربية التي اكتسحتها موجة الاستعمار الأوروبي ومزقت وحدتها.

وكان ممن عايشوا وشهدوا على ميلاد نهضة علمية وأدبية في البلاد العربية وبصفة خاصة مصر والشام، التي بدأت تظهر بوادرها خلال النصف الثاني من القرن 19م، ويعتبر الشيخ واحدًا من روادها الأوائل وأستاذًا لأبرز أعلامها الذين مثلوا أهم أدوارها.

مولد الشيخ طاهر الجزائري ونشأته:-

ولد الشيخ طاهر الجزائري في دمشق سنة 1852م ، وهو ابن محمد صالح الجزائري مفتي المالكية في الديار الشامية، ويعد والده أحد فقهاء الجزائر المهاجرين إلى الشام واستقروا بها إثر الاحتلال الفرنسي، تعود أصوله إلى قبيلة بني وغليس ببجاية لذا يعرف بالوغليسي، كما يعرف بالسمعوني نسبة إلى قرية سمعون التي كان يسكنها والده.

حرص والده على تعليمه منذ نعومة أظافره؛ فعلمه مبادئ الشريعة واللغة العربية، ثم الحقه بالمدارس الحكومية لفترة، ومن ثم انتقل للتدارس على شيوخ وعلماء المدينة؛ فلزم الشيخ «عبد الغني الغنيمي الميداني» فأخذ عنه علوم الشريعة، كما تأثر به في حبه للعلوم الأخرى، ولم يفارقه حتى توفي سنة 1882م، كما أخذ عن الشيخ: «عبد الرحمن البوسنوي» اللغة العربية، والفارسية، والتركية، ومبادئ العلوم.

الجزائر العاصمة بنهاية القرن التاسع عشر – مكتبة الكونغرس.

وقد أظهر الجزائري اهتمامه بمختلف العلوم الدينية، والرياضية، والطبيعة والآداب، وادخر جهدًا لتعلم اللّغات الشرقية وعكف على دراستها بجد فأجاد: التركية، والفارسية، والعبرانية، والسريانية، والحبشية، بالإضافة إلى الفرنسية، فضلا عن تضلّعه في اللغة العربية حتى وُصف بـ «لسان العرب وخزانة الأدب»، كما قادته ميوله المعرفية وفضوله العلمي إلى الاهتمام بالآثار والخطوط الشرقية وحل رموزها ومشكلاتها لوقوفه على أكثر لغاتها، ولعله كان يجد متعة كبيرة في ذلك.

شغف بجمع المخطوطات والسفر:-

وإلى جانب؛ كل هذا كان الشيخ طاهر الجزائري مولعًا باقتناء المخطوطات وجمعها، وله دراية كبيرة بنسخها وأماكن تواجدها في مختلف الخزائن والمكتبات الشرقية منها والغربية، وقد كانت هذه هواية قديمة له، فمنذ صغره كان يدّخر من مصروفه لشراء ما يقع على يده من كتب ومخطوطات حتى أصبحت له مع مرور الوقت مكتبة ثرية تضم العديد من المخطوطات والعناوين المهمة.

كما كان له شغف بالسفر والتنقل للبحث عن الكتب، والاتصال بالعلماء، فتنقل بين أنحاء سوريا وتردد عدة مرات على الأستانة، وسافر الى مختلف البلاد العثمانية إلى: الحجاز، القدس، وبيروت، ومصر، كما سافر إلى فرنسا لزيارة معرض الكتاب.

وقد تميز الجزائري في كل مراحل تعلمه بقوة الحافظة والتفوق والاجتهاد في التعلم، والتفرغ التام للطلب والتحصيل، حتى أنه لم يتزوج كي لا يشغل باله بالزوجة والأولاد، ولم ينقطع عن التأليف والكتابة حتى وافاه أجله.

وظائف شغلها الشيخ طاهر الجزائري :

 تقلّد الشيخ طاهر الجزائري عدة وظائف حكومية وكانت كلها مرتبطة من قريب أو بعيد بالتعليم والمدراس والمكتبات، عمل فيها بجد في سبيل تطوير التعليم في الشام ونشره فقد كان هذا أحد الأهداف التي كرس لها حياته.

عمل بداية كمعلم في المدرسة الظاهرية الابتدائية سنة 1878م، وهناك بدأ يظهر نجمه كمدرس ومربي ناجح، وتمكن من الاتصال بالوالي العثماني مدحت باشا، واقترح عليه اعتماد الجمعية الخيرية التي كان الجزائري أحد أعضائها المؤسسين لتنفيذ برنامج الدولة الإصلاحي في قطاع التعليم، وقد كانت هذه الجمعية تهتم بالتعليم والمدارس وتعمل على ترميمها وتأسيس أخرى جديدة، فقبل الوالي عرضه وأصبحت جمعية رسمية ومن ثم تم دمجها في دائرة المعارف، فاستغل الجزائري هذه الفرصة وقام بافتتاح العديد من المدارس للذكور والإناث وتجهيز القديمة منها لتكون على شاكلة المدارس الحكومية الحديثة.

ونظرا لجديته في العمل عينه الوالي مفتشا للمعارف في ولاية سوريا كلها، وهنا بدأت مرحلة جديدة في حياته بذل فيها جهودا عظيمة في وضع المناهج للمدارس التي أنشأها وتأليف الكتب المدرسية لها. لكنه سُرّح سنة 1880م عندما صدر القرار السلطاني بإلغاء وظيفة مفتش المعارف.

وفي سنة 1902 شغل منصب مفتش دور الكتب العامة في ولاية سورية ولواء القدس، فكانت له فرصة لإكمال ما بدأه في تأسيس المكتبات وتوسيعها في مدن الشام، لكنه تركها سنة 1907م بسبب الظروف السياسية للبلاد حيث صار مطلوبا للقبض عليه فاضطر للاختفاء لمدة.

الشيخ طاهر الجزائري قدَّم مساهمات بارزة للمكتبة الخالدية في القدس الشريف.

حلقة الشيخ طاهر:

اتبع الشيخ طاهر الجزائري أسلوباً جديدًا في نشر العلم والدعوة للإصلاح وهو نظام الحلقة، ويعتبر بمثابة ندوة علمية تجمع بين المفكرين وطلاب العلم لتدارس التاريخ والتراث الفكري الإسلامي، واللغة العربية وآدابها وما يتعلق بها فسميت «حلقة الشيخ طاهر» وكان يرتادها ثلة من الكتاب والعلماء من أمثال: محمد علي سليم، رفيق العظم، عثمان العظم، محمد كرد علي، عبد الحميد الزهراوي، محمد سعيد الباني، محب الدين الخطيب، وشكري العسلي وغيرهم. وقد استمرت هذه الحلقة حتى بعد مغادرته إلى مصر.

مكوثه في مصر:

 غادر الجزائري دمشق كما أسلفنا سنة 1907 م، واتجه نحو مصر التي قضى فيها 13 سنة من عمره، استغلها في اكتساب الكثير من العلم وربط العديد من العلاقات مع أهل العلم والثقافة هناك، وكان ممن التقى بهم الشيخ محمد عبده، ولم يعد إلا بعد نهاية الحرب العالمية وإقامة أول حكومة عربية في سوريا.

عودته إلى دمشق:

عاد الشيخ طاهر الجزائري إلى دمشق وهناك وجد الناس يهتفون برجوعه واستقبلوه استقبال الكبار، وعينته الحكومة الجديدة مديرا عاما لدار الكتب الظاهرية التي كان قد أسسها منذ 40 عاماً، كما تشرف المجمع العلمي الذي أسسه بعض طلبته برئاسة محمد كرد علي بضمه عضواً فاعلاً، إلا أنه لم يبق سوى 4 أشهر في منصبه، بسبب حالته الصحية المتعبة وفضل الاعتزال والتفرغ للمطالعة والبحث.

المكتبة الظاهرية تحتفظ بكثير من المخطوطات التي جمعها الشيخ طاهر الجزائري.

تعرف على المكتبة الظاهرية .. الأقدم من نوعها في بلاد الشام

مكانته العلمية:

يعتبر الجزائري من رواد النهضة الحديثة في الشام، من الجيل الأول الذي تكبد عناء إصلاح التعليم وناضل في سبيل إنشاء جيل متعلم يرفع راية النهضة والتقدم عالياً، ويعيد للأمة العربية والإسلامية شيئا من مجدها الغابر، فكان أستاذًا وموجهًا لعدد كبير من الشخصيات الإصلاحية وله السبق في إقامة المؤسسات الثقافية والتعليمية التي لم تتوقف بوفاته.

كما يصنف من المربين الأوائل حاملي شعلة الإصلاح الديني ومن الشخصيات المحورية التي صنعت النهضة واليقظة في البلاد العربية في القرنين الماضيين، فهو من جيل الأفغاني ومحمد عبده إلا أنه للأسف لم يحظ بقدر الاهتمام الذي حظيا به، فظل مغبورا رغم أن إنجازاته وإسهاماته لا تقل عنهما.

  • وقال محب الدين الخطيب: «لا أعرف مؤلفا ولا حامل قلم نشأ في ديار الشام إلا وقد كانت له صلة بهذا المربي الأعظم، واستفاد من علمه وسعة فضله إما مباشرا أو بواسطة الذين استفادوا منه».
  • أما الأستاذ محمد كرد علي فقال: «أستاذنا الطاهر في هذه الديار كالأستاذ محمد عبده في مصر، ولقد سعى الشيخ حياته لنشل المسلمين من سقطتهم، ونشر العلوم القديمة والحديثة بين أبنائهم، ولولا ما قام به من النذرع بجميع ذرائع الإصلاح لتأخرت نهضة المسلمين في الشام أكثر من نصف قرن».
  • قال عنه الدكتور عدنان الخطيب: «إن الشيخ طاهر أحد ثلاثة ترتبط بهم النهضة الحديثة في مصر والشام، وتدين لهم البلاد العربية والإسلامية بإيقاد أول شعلة أيقظت العرب والمسلمين من سباتهم وأسمعتهم دعوة الإصلاح الديني وهؤلاء الثلاثة هم: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والشيخ طاهر الجزائري».
  • وقال عنه دكتور مازن المبارك: «لقد كان الشيخ طاهر شعلة نشاط عربي وإسلامي .. وكان واحدا من أكثر رواد النهضة أثرا في بلاد الشام».
  • ولعل أجمل وأبلغ ما قيل فيه هو وصف العلامة عبد الحميد ابن باديس رائد النهضة الحديثة في الجزائر: «هذا الأستاذ العظيم من أبناء الجزائر الكثيرين الذين ظهر نبوغهم في غير وطنهم، فدلّوا على أن الطينة الجزائرية طينة علم وذكاء إذا واتتها الظروف».

منهج الشيخ طاهر الجزائري في الإصلاح:

يقوم المنهج الإصلاحي للشيخ طاهر الجزائري على مبدأين أساسيين مرتبطين ببعضهما البعض وهما: إصلاح التعليم، وإحياء المرجعية الإسلامية في المجتمع؛ حيث اعتبر الجهل سبب ضعف الأمة وتخلفها، ولا تنفتح لها سبل التقدم إلا بإصلاح حال التعليم ونشر العلم ومحاربة الأمية، كما دعا للاجتهاد في الدين ونبذ التقليد والعصبية بين المذاهب الفقهية، ولهذا شغل تفكيره بطريقة إحياء علوم الدين فوضع مقررات لهذه العلوم التي تلقى على طلبة المدارس، وقضى جزءا كبيرا من حياته في العمل على إصلاح التعليم وانشاء المكتبات وتلقين المعلمين اصول التربية والتدريس ودعا للإصلاح في جميع مجالات الحياة، وكانت لحلقاته العلمية أثر واضح في تخريج جيل من أفذاذ الرجال الذين اعتزت بهم بلاد الشام وقادوا نهضتها.

من آثاره:

خلّف الجزائري وراءه عشرات الكتب في مختلف المجالات، نذكر البعض منها:

في الشريعة:

 «توجيه النظر في أصول الأثر» وهو أهم وأضخم مؤلفاته، حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.
 «التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقران».
 «الجواهر الكلامية في العقائد الاسلامية».
 «شرح خطب ابن نباته».

في اللغة والأدب:

 «بديع التلخيص وتلخيص البديع».
 «التقريب إلى أصول التعريب».
 «شرح خطبة الكافي في اللغة».

وفاته:-

توفي الشيخ طاهر الجزائري في دمشق يوم 14 ربيع الثاني سنة 1338هـ/ 1920م وذلك بعد معاناة طويلة مع مرض الربو.

تعرف أكثر على محمد عابد الجابري .. المفكر العربي الكبير

مراجع للاستزادة:

• محمد كرد علي، المذكرات، مطبعة الترقي.
• محمد سعيد الباني، تنوير البصائر بسيرة الشيخ طاهر، مطبعة الحكومة العربية السورية.
• محمد سعيد مصطفى، الشيخ طاهر الجزائري وإسهاماته العلمية، مجلة الباحث في العلوم الانسانية والاجتماعية، ع33، جامعة غرداية.

http://dzairalaan.blogspot.com/2019/08/blog-post_30.html

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى