أعلام

صالح بن عبد القدوس .. الشاعر الحكيم

كان حكيماً أديباً فاضلاً شاعراً مجيداً، كان يجلس للوعظ في مسجد البصرة ويقصُّ عليهم

اسمه ونشأته:

صالح بن عبد القدوس ، أبو الفضل البصري، أحد الشعراء الحكماء، له مناظرات مع أبي الهُذيل العلَّاف المعتزلي.

مكانة صالح بن عبد القدوس الشعرية:

كان صالح بن عبد القدوس حكيماً أديباً فاضلاً شاعراً مجيداً، كان يجلس للوعظ في مسجد البصرة ويقصُّ عليهم، وشعره كله فى تقرير محاسن الأخلاق والشيم، ناظراً فيها نظرة تجريدية، وهي نظرة دفعته إلى تعقب حكمة العرب والعجم، حتى قالوا: “إن فى ديوانه ألف مثل للعرب وألف مثل للعجم”، وكأنه رصد نفسه لنظم الشعر فى الفضائل وتجارب الأفراد والأمم؛ ومن ذلك قصيدة استوعب فيها كثيراً من النصائح الخلقية التهذيبية:

المَــــرءُ يَجمَــعُ وَالزَمــــانُ يُفـــرق .. وَيَظــل يَرقع وَالخطوب تمزق

وَزن الكَــــلامِ اِذا نَطَقـت فَإِنَّمــــا .. يُبــدي عُقول ذَوي العُقولِ المنطِق

وَمن الرِجــالِ اِذا اِستَــوَت اِخــلاقُهُـم .. مِـن يُستَشارُ اِذا اِستَشيرَ فَيَطرق

حَتّـــى يَخـــل بِكُــــلِّ واد قَلبَـــه .. فَيَـــرى وَيعرف ما يَقول فيَنطُق

مَـــا النــــاسُ إِلّا عامِـــلانِ فَعامِـــل .. قَـد ماتَ مِن عَطَش وآخر يَغرَق

لَو يُرزَقونَ الناسَ حسب عُقولُهُم .. أَلفيت اِكثَر من تَرى يَتَصَدَّق

لكِنَّــــهُ فَضـــل المَليــــكِ عَــلَيهِــــم .. هــذا عَلَيهِ موسِع وَمضيق

مدينة البصرة مطلع القرن العشرين صالح عبد القدوس
مدينة البصرة (الزبير) مطلع القرن العشرين

ومن جميل شعره أيضاً:

إنَّ الغنــيَّ الـذي يــرضـــى بعيشـتـه .. لا مَنْ يظلُّ على ما فات مكتئبا

لا تحقـــــرنَّ مِــنَ الأيَّــــام محتقَــــراً .. كــــلُّ امرئٍ سوف يُجزى بالَّذي اكتسبا

قد يحقــر المــرءُ ما يهــوى فيركبــه .. حتـى يكونَ إلى توريطه سببا

إنَّ العـــــدوَّ إذا أَبــــدى مُــكاشــــرَةً .. إذا رأى منك يومًا فرصةً وثبا

إذا وتــرتَ أمـــرأً فــاحــذرْ عداوتَــه .. مَــن يزرع الشوكَ لا يحصدْ به عِنَبا

الحكمة البالغة تظهر جلية في شعر صالح عبد القدوس
الحكمة البالغة تظهر جلية في شعره

وقال في اعتزال الناس:

أَنِســتُ بوحدتــي ولــزمتُ بيتــي .. وطــاب العيشُ لي ونما السرورُ

وأدَّبني الزمـــانُ فصرتُ فـــردًا .. وحيـــدًا لا أُزار ولا أَزور

ولستُ بقائــلٍ مَــــا دمـت حيَّــاً .. أَســــار الجيشُ أم ركب الأَمير

ومَن يكُ جاهلًا برجــال دهــري .. فــإنِّــي عالمٌ بهمُ خبير

وقال صالح بن عبد القدوس في اختيار الصديق:

تخيَّرْ من الإِخــوان كلَّ ابنِ حُرَّةٍ .. يســرُّك عند النائباتِ بلاؤهُ

وقــارِنْ إذا قـــارنتَ حُــرًّا فإنَّمــا .. يَزيــن ويُزري بالفتى قُرناؤه

حـبيـبًا وفيًّا ذا حِـفـــاظٍ بغَيبــةٍ .. وبالبِشـــر والبُشرى يكون لقاؤه

أريبًا إذا شاورتَ في كلِّ مُشْكـــلٍ .. أديبــاً يسوءُ الحاسدين بقاؤه

فلـن يَهـلِــكَ الإنســــانُ إلَّا إذا أتــى .. مـن الأمر ما لم يرضَه نُصحاؤه

تمسَّــك بهـذا إنْ ظفرتَ بــوُدِّه .. فيَهنيــك منه وُدُّه ووفاؤه

ومن جميل حكمه الشعرية قوله:

تجنَّبْ قرينَ السُّـوءِ واصـرِمْ حبالــه .. فــإنْ لم تجد عنه مَحيصًا فدارهِ

ومَنْ يطلب المعروفَ من غير أهلِه.. يجدْه وراءَ البحرِ أو في قراره

ولله في عَرْض السَّمـــاواتِ جنَّــةٌ .. ولكنَّهــا محفوفةٌ بالمكاره

صالح عبد القدوس

ما قيل فيه:

  • قال أحمد بن عبد الرحمن المعبر: “رأيت صالح بن عبد القدوس في المنام ضاحكاً مستبشراً، فقلت له: ما فعل بك ربك؟ وكيف نجوت مما كنت ترمى به؟ قال: إني وردت على ربٍّ لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته، وقال: لقد علمت براءتك مما كُنْتَ تُقْذَفُ به”.
  • وقال سبط ابن الجوزي: “كان شاعراً فصيحاً فاضلاً متكلِّماً، وله الشعرُ الرائقُ في الزهد وغيره”.
  • قال أبو الفرج الأصفهاني: كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام: عمرو بن عُبيد، وواصل بن عطاء الغزَّال، وبشار بن بُرد، وصالح بن عبد القدوس، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، ورجل من الأزد هو جرير بن حازم، وكانوا يجتمعون في منزل الأزدي ويختصمون عنده، وكانوا على شَكٍ في أمرهم، فأمَّا عمرو وواصل فصارا إلى الاعتزال، وأما عبد الكريم وصالح فصمَّما على الثنوية (أي اعتقاد المزدكية)، وأمَّا بشَّار؛ فبقي مختلطاً متحيِّرا، وأمَّا الأزدي؛ فمال إلى قول السُّمنية.

حقيقة زندقة صالح:

حقق الدكتور شوقي ضيف في هذا الأمر في كتابه «تاريخ الأدب العربي»، وقال: “أكبر الظن أنه فارسي الأصل، وكان فى صدر نشأته يختلف إلى حلقات الوعاظ والمتكلمين ولم يلبث عقله أن تشوش بما كان يسمع فى تلك الحلقات من مناقشات أصحاب الملل والنِّحَل، فإذا هو يعتنق الثَّنَوِيَّة المانَوية مذهب آبائه ونِحْلَتِهم، وما كانت تقول به من أن العالم نشأ عن أصلين هما النور والظلمة، ولكل منهما إلهه الخاص، وأن مصدر بلاء العالم امتزاج هذين العنصرين، ومن أجل ذلك دعت إلى الزهد فى الحياة ونعيمها الزائل.

ونراه فى عصر بنى أمية يكثر من الاجتماع بواصل بن عطاء رأس المعتزلة، مشاركاً فيما كان يدور فى مجلسه من مخاصمات كلامية ودينية، ونظن ظنّاً أنه لم يظهر حقيقة عقيدته حينئذ، وإلا لهتف به واصل، كما هتف ببشار طالباً من أصحابه قتله …

إعلان صالح عن زندقته!

ويعلن صالح زندقته ولا يواريها، أو بعبارة أدق يعلن مانويته وثنويته، حتى ليؤلِّف-كما يقول ابن النديم-كتباً فى نصرة عقيدته، وتبلغ به الجرأة أن يُحاضِر ويجادل فيها بمسجد البصرة، ويتعرض له غير متكلم من المعتزلة وغيرهم وخاصة أبا هُذيل العلَّاف، ويروى أنه ناظره فى الامتزاج الذى يدعيه المانوية بين النور والظلمة فى الجوهر والطبع والفعل والمكان والأبدان والأرواح، وأنه أفحمه وقطعه …

وناظره أبو الهذيل مرة أخرى فى أصل عقيدته وما يؤمن به من إلهي النور والظلمة، وبدا منه كأنه يهجر ضلاله وغيه، فسأله أبو الهذيل: على أي شيء تعزم يا صالح؟ فقال: أستخير الله وأقول بالاثنين.

وكأن المسألة تحوّلت عنده من الأخذ بالمنطق إلى باب الهوى وتقليد الآباء، ويظهر أن ذلك أفضى عنده إلى شكوك واسعة لا في الديانات فحسب، بل في حقيقة كل شيء، ولعله اطلع على مباحث السوفسطائيين اليونانيين وما آمنوا به من أن الأشياء لا حقيقة لها فى نفسها، ويدل على ذلك ما يقال من أنه ألف كتاباً سماه كتاب الشكوك”.

صالح بن عبد القدوس مع العلاف

ومن نوادره في ذلك ما حُكِيَ أنه أتى أبو الهُذَيل العلَّاف إلى صالح بن عبد القدوس وقد مات له ولد، وهو شديد التحرق عليه، ومعه النَّظَّام، وهو حَدَث، فقال له أبو الهذيل: لا أعرف لتحرُّقك وجهاً؛ إذ كان الناس عندك كالزرع، فقال: إنا أجزع عليه؛ لأنه لم يقرأ كتاب «الشكوك»، فقال: وما هو؟ قال: كتاب وضعته، من قرأه شك فيما كان، حتى يتوهم فيما كان أنه لم يكن، وفيما لم يكن حتى يظن أنه كان، فقال النَّظَّام: فشك أنت في موت ابنك، واعمل على أنه لم يمت، أو أنه عاش، وقرأ هذا الكتاب، ولم يمت لا بعد ذلك، فبهت صالح وحصر.

مقتل صالح:-

اتهمه المهدي بالزندقة فأمر بحمله، فأُحْضِر، فلما خاطبه أعجب بغزارة أدبه وعلمه وبراعته وحسن بيانه وكثرة حكمته، فأمر بتخلية سبيله، فلما ولَّى رده وقال: ألست القائل؟

والشـيـــخ لا يتـــرك أخــلاقــــه .. حـتــى يوارى في ثرى رمسه

إذا ارعــــوى عـــــاد إلى جـهـلـــه.. كــــذي الضنى عاد إلى نكسه

قال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: فأنت لا تترك أخلاقك، ونحن نحكم فيك بحكمك في نفسك، ثم أمر به فقُتِل وصُلِب على الجسر سنة 167هـ ببغداد.

قال أبو اليقظان: “كان صالح يناظر أبا الهُذيل العلَّاف المعتزليَّ، ويظهر عليه دائماً، ويحمِّقه ويستجهله، فحمله ذلك على أن صنَّف كتاباً في الزَّندقة وعزاه إلى صالح ، وبعث به إلى المهدي وقال: هذا تصنيفُ صالح ، فقتله المهديُّ في آخر سنة ثمانٍ وستِّين ومئة، ومات المهديُّ في المحرَّم أوائلَ سنةِ تسعٍ وستِّين ومئة، فكان بينهما أقلُّ من شهر”.

المصادر:

  • الأعلام (3/192).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (3/393).
  • طبقات الشعراء – ابن المعتز (89).
  • مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (12/362).
  • ديوان بشار بن برد للشيخ محمد طاهر بن عاشور.
  • معجم الأدباء (4/1445/رقم 600).
  • المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (8/291/رقم 897).
  • وفيات الأعيان (2/492).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى