نوادر العرب

شُلَّت يميني يوم أضربُ زوجتي

قال القاضي شُرَيْح للشَّعبيِّ: يا شعبي، عليك بنساء بني تميم، فإني رأيت لهن عقولاً، قال: وما رأيت من عقولهن؟

قال شُرَيْح: خطبت امرأةً من بني تميم؛ فلما كان يوم بنائي بها أقبلَتْ نساؤها يهدينها حتى دخلَتْ عليَّ؛ فقلت: إنَّ من السنة إذا دخلت المرأة على زوجها أن يقوم ويصلي ركعتين، ويسأل الله تعالى من خيرها ويتعوذ من شرها؛ فتوضأْتُ فإذا هي تتوضأ بوضوئي؛ وصلَّيْتُ فإذا هي تُصلي بصلاتي؛ فلما خلا البيت دنوت منها، فمددت يدي إلى ناحيتها؛ فقالت: على رِسْلِكَ يا أبا أمية؛ ثم قالت: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأُصلِّي على محمد وآله؛ أما بعد:

إني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك؛ فبيِّنْ لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأزدجر عنه، فإنه كان في قومك مناكح، وكان في قومي مثل ذلك، ولكن إذا قضى الله أمراً كان مفعولاً؛ وقد مَلَكْتَ فاصنع ما أمرك الله تعالى به: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك.

الاضطرار إلى الخطبة:.

قال شُرَيح: فأحوجتني والله يا شعبي إلى الخُطبة في ذلك الموضع، فقلت:

الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلي على النبي وآله وأُسلِّم، وبعد:

فإنك قُلْتِ كلاماً إن ثبتِّ عليه يكن ذلك حظاً لي، وإن تدَّعيه يكن حُجَّةً عليك، أحب كذا وأكره كذا؛ وما رأيْتِ من حسنة فانشريها، وما رأيْتِ من سيئة فاستريها.

فقالت: كيف محبتك لزيارة الأهل؟ قُلْتُ: ما أحب أن يملَّني أصهاري. قالت: من تحب مِن جيرانك أن يدخل دارك آذن له، ومَن تكره أكرهه؟ قلت: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء.

 قال: فبُتُّ معها بأنعم ليلة، ومكثت معي حولاً؛ لا أرى منها إلا ما أحب، فلما كان رأس الحول جِئْتُ من مجلس القضاء، فإذا بعجوز تأمر وتنهى في الدار! فقلت: من هذه؟

قالوا: فلانة أم حليلتك، قلت: مرحباً وأهلاً وسهلاً، فلما جلسْتُ أقبلت العجوز، فقالت: السلام عليك يا أبا أمية.

فقلت: وعليك السلام ومرحباً بك وأهلاً.

قالت: كيف رأيت زوجتك؟

قُلْت: خير زوجة، وأوفق قرينة، لقد أدَّبْتِ فأحسنْتِ الأدبَ، وريَّضْتِ فأحسنْتِ الرياضةَ، فجزاكِ الله خيراً. فمكثت معي يا شعبي عشرين سنةً، لم أعبْ عليها شيئاً، وكان لي جارٌ يُفزِعُ امرأته ويضربها، فقلت في ذلك:


رأيْتُ رجالاً يضربون نساءَهُم 

   فشُلَّتْ يميني يومَ تُضرَبُ زينبُ
أأضربُها مِنْ غيرِ ذنبٍ أتت به؟!

   فما العدلُ مِنِّي ضربُ مَنْ ليس يُذْنِبُ
فزينبُ شمسٌ والنساءُ كواكبُ  

   إذا طلعَتْ لم يبدُ منهنَّ كوكبُ

 المصادر:

العقد الفريد (7/100).

المستطرف في كل فن مستظرف (458).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى