علماء وفلاسفة

شيخ الربوة .. الجغرافي والجيولوجي والأنثروبولوجي الدمشقي

كان من أذكياء العالم، له قدرة على الدخول في كُلِّ علم وجرأة على التصنيف في كل فن

شيخ الربوة هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي طالب الأنصاري الدمشقي ، المولود في دمشق سنة 654 هجرية (1256م) ، والمتوفي في بيمارستان الأمير سيف الدين تنكز في فلسطين سنة 727 هجرية (1327 م).

اشتهر شيخ الربوة بكونه عالماً موسوعياً خاض غمار البحث والتأليف في ميادين مختلفة من ضمنها الزراعة والجيولوجيا والأنثروبولوجيا، لكنه كان أكثر تفوُّقاً في مجال الجغرافيا، وهو الأمر الذي مكَّنهُ من تأليف كتابه الشهير ” نخبة الدهر في عجائب البر والبحر “.

سمات شيخ الربوة الشخصية:-

عُرِفَ شمس الدين الأنصاري الدمشقي بموسوعيته العلمية، كما اُشتُهِر بذكائه وفطنته، الأمر الذي قاده لتأليف كتابه “السياسة في علم الفراسة”.

وقد تميَّز شيخ الربوة بزهده وتقشُّفهِ، تحمَّل الفقر والوحدة والألم، وقد أصيب بالصَّمَم قبل وفاته بنحو عشر سنوات، وكانت إحديى عينيه قد أصابها الضَّرر.

وكان الناس يتطلعون دوماً إلى لقائه لأنه كان جميل الحديث، يجتذب الجميع نحوه، ولم يتأثر بتوليته  لفترة مشيخة الربوة (من ضواحي دمشق)، إذ ظلَّ قريباً من الناس، يعيش همومهم، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم.

وصوفات الرحالة للمواقع التي قصدوها تختلف تبعاً للظروف التي عاشتها هذه الأقاليم، دمشق التي ينتسب إليها شيخ الربوة.

رأي الصفدي في شيخ الربوة  :-

قال صلاح الدين الصفدي في “الوافي بالوفيات” عن شيخ الربوة : “..واجتمعتُ به مُدَّة مديدة وكان من أذكياء العالم،  له قدرة على الدخول في كُلِّ علم وجرأة على التصنيف في كل فن، رأيت له عدة تصانيف حتى في الأطعمة وفي أصول الدين على غير طريق اعتزال ولا أشاعرة ولا حشوية، لأنه لم يكن له علم وإنما كان ذكياً، فيوماً أجده وهو يرى رأي الحكماء، ويوماً أراه يرى رأي الأشاعرة، يوماً أراه يرى رأي الاعتزال، ويوماً أراه يرى الحشوية، ويوماً أراه يرى رأي ابن سبعين وينحو طريقه..”.

وأضاف الصفدي : “.. وكان يتكلم عن الأوفاق ويضعها ويتكلم على أسرار الحروف ويعرف الرَّمل جيداً وله في كل شيء يتكلَّم فيه تصنيف، وكان له نظم ليس بطايل وكان ربما عرَضَ عليَّ القصيدة وطلب مني تنقيحها فأغير منها كثيراً، وكان يتكلَّم في علم الكيمياء ويدعي فيها أشياء، والظَّاهر أنه كان يعرف ما يخدع به العقول ويلعب بألباب الأغمار..”.

علم الفراسة لأجل السياسة :-

تحتفظ مكتبة ويلكوم (لندن) بهذه النسخة المرفقة من كتاب علم الفراسة لأجل السياسة الذي ألَّفه شيخ الربوة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي طالب الأنصاري الدمشقي  .

تمت كتابة هذه النسخة من الكتاب في شهر أبريل نيسان من العام 1846 م، وذلك من قبل الناسخ مصطفى بن أحمد الحموي الأصل والحلبي الموطن والدمشقي المهاجرة.

يعرض شيخ الربوة في مقدمة هذا العمل الذي يتناول علم الفراسة، أسماء ثمانية مؤلفين كلاسيكيين وإسلاميين اعتمد عليهم مع آرائهم في علم الفراسة من بينهم الإمامين الشافعي و فخر الدين الرازي والمتصوِّف الكبير ابن العربي، إلى جانب أرسطو وأفلاطون، كما يُورد في مؤلَّفه السمات العامة للشعوب المختلفة (بمن في ذلك المصريين والسوريين والأناضوليين والفرس وآخرين)، وذلك قبل التركيز على الملامح التشريحية للأفراد وتنوعاتها ودلالاتها. فنقرأ على سبيل المثال فيما يتعلق باليونانيين أنهم “علماء عقلاء حكماء أذكياء فطناء ….. ويُقال: ظهرت الحكمة بأدمغة اليونان وألسنة العرب وأيدي الصين”.

اقتباسات من علم الفراسة لأجل السياسة :-

فيما يلي بعض الاقتباسات التي نوردها من كتاب شيخ الربوة ” علم الفراسة لأجل السياسة “.

  • المقياس للمتوسِّم يقيسُ على ما وجد من حيوان ذي خُلُق ظاهر في فِراسة إنسانٍ شبيهه وبعكسه ويحكُم بما غَلَب من دلالة تلك العلامات، ويحسبها كاللين والرِّقَّة والأُنس والأُلفة الموجودة في ذلك الحيوان الذي أشبهه الإنسان الدَّالة في الإنسان على ذلك الخُلُق وتلك الأوصاف، وكذلك الغِلظة والنُّفور وقلَّة الرُّكون، وعدم الوثوب دلائل ما شابه حيواناً وحشياً غليظ الطَّبع خشن الريس قوي الصَّوت ضارياً أو غير ضارٍ.
  • من كانَ نظيف البدن، طويل الوجه والأسنان، قوي الأضلاع ظاهرها، كبير الدِّماغ، غليظ العُنُق، عينه مائلة إلى الصُّفرة أو إلى الحُمْرَة، وفي جفنهِ انكباب، واستشراف على عينيه وبه متسع ناتئ مكور ، وفخذاه خفيفتان من اللَّحم ، فهو شبيهٌ بالذِّئب والكلب، يُحِبُّ الصَّيد والقتل والظُلم والغشم، ويكونُ شجاعاً سيء الخُلُق، لحوحاً، نهماً، شحيحاً.
  • ينبغي أن يُفرَّق بين الغريزة والتَّصنُّع، فإنَّ العُقلاء قد يلتمسون إخفاء ما هُم عليه من طبائع الشَّر، وإظهار محاسن ليس لها في طِباعهم أصل.
  • أهل التصنُّع على ثلاثة أوجه، أحدها: تغير الخلق، كتحويل الشَّعر من لونه إلى لون غيره، ومن هيئة نباته إلى هيئة غيرها، وكتغيير سحنات الجلود، وكسر العينين، والانحناء.. وثانيها: تغيير الزِّي ، كتشبيه الإنسان  تصنُّعاً بلبس ثياب آخر، وحَمْل أداة غيرأداته، وكالتَّشبُّه بالنِّساء.. وثالثها: تغيير الأقوال والأفعال، كالقراءة والتسبيح والصلاة، وإخفاء اللُّغة بغيرها، أو إدعاء العشق والرعب، وإظهار القول ليكون به كريماً، وكتشدُّد المخنَّث، وتضاعف ذوي القوَّة، وإظهار الحياء والشَّجاعة، وما أشبه ذلك من التطبُّعات التي تستر المطبوع، فتأمَّلوا ما قُلته..
ابن زولاق يتحدث عن مكانة مصر.
  • أهل مصر: يغلُب عليهم العقل، ونقص الغيرة، وقلَّة الفطنة، وظُهور الشُّح، وتزكية النَّفس، وكثرة الشَّبق في النِّساء، وفيهم المحاكاة والتَّخيُّل، وقلة الاعتناء بالأمور، ولا يكادون يُحقِّقونَ في بحث.
  • أهل بربر: فُطناء، غِلاظ، حريصون، أشحَّاء، كذَّابون، جُفاة، ونساؤهم لِطاف والمكر فيهِنَّ قليل.
  • أهل المغرب: أذكياء ذو فطن، أشحَّاء، سيئون في أخلاقهم، متحيِّلون غلاظ الطَّبع أشرار.
  • أهل الشَّام: غفول، متكبِّرون، مُبذِّرون،  مُمارون، شرِهون، سليمة قلوبهم، مُنقادون، يغلُب عليهم اللَّهو والعبث بالنَّاس، متكرمون دعَّابون باطنهم الخير، وظاهرهم الكِبَر، .. نُصحاء يحبون المحمدة.
الإدريسي خلال زيارته الشام قادماً من الغرب الإسلامي.
  • أهل الحجاز: أذكياء، كرماء، مواسون، أهل وفاء..، رقاق الأنفُس بشجاعة وإقدام وفهم، وفيهم الدَّعابة والشَّبَق والتعشُّق والتحيُّل والخِدَاع بالنُطق وتأنيث الشَّمائل، وحُب اللَّهو، وفي نسائهم الكرم.
  • أهل اليمن: مصدقون، مُنقادُون، ضِعاف النُّفوس، فيهم الشَّبَق..، وفيهم تحيُّل وعجز وغفلة.
  • أهل العراق: غدَّارون، ماكرون، منافقون، مستهزؤن، إشحَّاء، ممارون، مُتكبِّرون، أهل فطنة وذكاء وفهم ودهاء وخديعة وطمه وتخيُّل باستعلاء، وفيهم الشَّبق، وعدم المبالاة وقلَّة الوفاء، وفي النِّساء اغتلام شديد وتحبُّب إلى الرِّجال.
الرحالة منحوا تصورُّرات مختلفة عن المناطق التي قصدوها.
  • أهل العَجَم: أذكياء، عُقَلاء، .. أشحاء.. متكبِّرون، محتقرون بمن سواهم، يُحبِّون الطَّرَب، ويشتهون الأحداث من دون النِّساء، ونساؤهم جيِّدات الطَّبع، متحبِّبات إلى الرِّجال.
  • أهل الروم: غِلاظ، متكلِّفون، صلفون، فيهم وفاء، أشِّحَّاء، وفيهم الغفلة فاشية، ويغلُب عليهم الجُبن والجَهْل والهلع وحُبِّ جمع المال.
  • أهل الصين: طيَّاشون، مَكَرَة، حَسَدَة، فطناء أذكياء، محاكمون، متقنو الصَّنائع بأيديهم، وفيهم الغدر والنِّفاق والجُبن ظاهر.
  • أهل اليونان:  علماء، عقلاء،حكماء، أذكياء فطناء، وفيهم الصَّلَف ورقَّة الطَّبع وعلوِّ الهِمَم، ويُقال: ظهرت الحكمة بأدمغة اليونان وألسنة العرب وأيدي الصينيين.

***** ملاحظة: الوصوفات الواردة أعلاه نُقِلَت نصَّاً من كتاب شيخ الربوة ، وهي لا تُعبِّر إطلاقاً عن وجهة نظر الموقع.

نخبة الدهر في عجائب البر والبحر :-

نورد بعض الاقتباسات من كتاب شيخ الربوة “نخبة الدهر في عجائب البر والبحر” ، وهو الأشهر بين مؤلفاته، والذي استند في بعض محتوياته على تقسيم العالم اليوناني كلوديوس بطليموس ( 100-170 م) للأقاليم السبع ، كما استفاد من العلوم الجغرافية والفلكية والمعدنية التي جاء بها كل من ابن وحشية (توفي 930 م) و أبي زيد البلخي (849-934 م) والرحَّالة ابن حوقل (943-988 م).   

وقد أجاد شمس الدين  أبو عبد الله محمد بن أبي طالب الأنصاري الدمشقي بوصف جغرافية الأقاليم التي قصدها، فصوَّر حالتها في القرنين السابع والثامن الهجريين ، ومن بين أوصافه قوله ما يلي :

  • ومن المباني العظيمة القديمة؛ الأهرام بمصر حماها الله وحرسها بعينه التي لا تنام وجعلها دار الإسلام إلى يوم القيامة.. وهي أهرامٌ عظيمة كبيرة، أعظمها الهرمان اللذان بالجيزة من مصر، ذكر أهل التاريخ أنها بُنِيَت قبل الطَّوفان، بناها سهلوق بن شرياق، ويُقال: هرمس المثلث بالحكمة، وهو إدريس المُسمَّى أخنوخ بالعبرانية، وأنَّ السَّبب الموجِب لبنائها؛ استدلال هرمس بالأحوال الكوكبية على حدوث الطوفان، فأمرَ ببنائها وإيداعها صحائف العلوم والأموال..
  • ومن العجائب أيضاً منارة إسكندرية، وهي مبنية بحجارة مهندمة مغموسة في الرَّصاص، وفيها نحو ثلثمائة بيت، تصعد الدَّابة بحِملها إلى كلِّ بيتٍ منها من داخل المنارة، وللبيوت طاقات تُطِلّ على البحر..

تعرف أكثر على منارة الإسكندرية .. الأعجوبة التي لم يندثر ذكرها

  • ومن المباني العجيبة، الحصن المعروف بالحضر، وهو حصنٌ مبنيُّ بالرُّخام، تسكنه ملوك الصَّابئة، بناه الشاطرون الجرمقانيّ بالموصل، ولأحد ملوكهم خبر مع سابور بن أردشير بن بابك، وآثار قصره بالدَّاخل في الحصن قائمة إلى وقتنا.
  • ومن المباني العجيبة؛ إيوان كسرى، بناه سابور ذو الأكتاف فلم يُتمَّه، فأتمَّه إبروز بن هرمر، وبُنِيَ في نيِّف وعشرين سنة، وطوله ماية ذراع في عرض خمسين ذراعاً في سُمك ماية ذراع، مبنيٌ بالجِص والآجر، وطول كل شرَّافة منه خمسة عشر ذراعاً، ولمَّا مَلَكَ المسلمون المدائن أحرقوا هذا الإيوان، فأخرجوا منهُ ألف ألف دينار ذهب، والإيوان إلى اليوم موجود.
  • ومن الأبنية العجيبة القديمة أيضاً مدينة تدمر، بعمدانها وجُدرانها وآثارها التي لا يوجد مثلها في الطُّول والسُّمك والكثرة وعدم القطع الذي بُنِيَت منه، وبها الجامع سقفهُ خمسة أحجار، والجُدران الأربعة، وسعتهُ إثنا عشر ذراعا في مثلها، والارتقاء سبعة أذرع.
  • ومن المباني العجيبة المُحدثة بدمشق، القصر الأبلق، بناه الملك الظَّاهر، وسُمِّيَ بالأبلق لكونه مبنيَّاً بالحجارة البيض والحجارة السود.
  • ومن المباني القديمة مقام إبراهيم عليه السَّلام، طوله ثمانون ذراعاً وعرضه خمسون ذراعاً في الطُّول، منه عشرون حجراً مدماكاً واحداً، وداخل المقام نَصْب على الضَّريح كل واحد حجر واحد الطُّول أربعة أذرع، والعرض ذراعان ونصف، والسُّمك مثلها وأزيَد.
شيخ الربوة كغيره من الرحالة والجغرافيين زاروا الحرم الإبراهيمي .

اقرأ ايضاً محمد الإدريسي.. أعظم راسم للخرائط في العصور الوسطى

المصادر:-

  • نخبة الدهر في عجائب البر والبحر.
  • علم الفراسة لأجل السياسة، شمس الدين الأنصاري الدمشقي .
  • الوافي بالوفيات، الصفدي.

https://www.dr-mahmoud.com/index.php?option=com_content&view=article&id=392:—–sp-2082545087&catid=46&Itemid=38

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى