أعلام

شهاب الدين النسوي .. الناثر والشاعر

كان كثير المروء، عذب الألفاظ، حليماً.. وحصلت له ثروة ضخمة

هو شهاب الدين النسوي ، أبو المؤيد ، محمد بن أحمد بن علي بن عثمان بن المؤيد الخر ندزي ، المنشئ والكاتب المؤرِّخ المتوفى في حلب سنة 647 هجرية (1249 م).

وُلِدَ في قلعة خُرنْدِز ، وهي من أعمال نسا في خراسان على ما أورده ياقوت الحموي في “معجم البلدان”.

هو صاحب تاريخ جلال الدين بن خوارزم شاه وكاتب إنشائه، اتَّصَلَ بعد قتله بالمظفَّر غازي صاحب ميافارقين وخدمه ونادمه، ثُمَّ اتصلَ ببركة خان كبير الخوارزمية، فعرف له حقَّهُ وموضعه من جلال الدين، وسلَّم إليهِ بلاده، فبسط العَدل.. وقد توجَّه رسُولاً إلى التتر المغول غير مرَّة، فبجَّلوه على سائر الرُّسُل لمكانته من جلال الدين، وتقدَّم عند صاحب حلب حتى مات.

أقوال العلماء في شهاب الدين النسوي :-

أثنى العلماء والمؤرخون على عِلم وشخص شهاب الدين محمد بن أحمد النسوي ، ومن بين ما ذكروه في كتبهم:

  • قال عنه ابن الوردي : ” كان كثير المروء، عذب الألفاظ، حليماً.. وحصلت له ثروة ضخمة”.
  • وقال عنه ابن فضل الله العمري: ” كتبَ الإنشاء للدولة الخوارزمية، وكبت الأعداء بالصولة العجميَّة، وكان ذا فصاحةٍ بَلَّغَتْهُ شغاف الأرب، وسوَّغَتْهُ نطاف الأدب كالضرب، وفرغته لاقتطاف بدائع العرب، وصنَّفَ سيرة سنيَّة تُسمَع وقائع سُيُوفِها المشرفيَّة في الرِّقاب، وتُبصِر صنائع معروفها وقد مضَت عليها الأحقاب، وفاءً بعهدهِ لتلك الدَّولة التي والاها وخدَمها، وأولاها ما شرَّفَ بغرره خدمها، فلَمْ يدَع مما يُبْهِج حرفاً ولا يدعُ للسان الطِّيبِ اللهج عرْفاً، بعبارةٍ صاغَهَا بلطافةٍ، أعجب من الفريد، وأعجَل في القُلوبِ تأثيراً من لواحِظ الغيد”.
  • قال عنه حافظ أحمد حمدي محقق كتابه  “سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي”: “فالأمرُ الذي لا شَكَّ فيهِ أنَّ أسلوبه في الكتابة متواضعٌ حقَّاً، تغلُب عليه الصَّنعة، ويغلُب عليه التصنُّع أيضاً، واستبدَّت بالنَّسَوي طريقة الإكثار من المحسنات البديعية والصُّور البيانية، وصار يهتمُّ برصْفِ الألفاظ جَرْيَاً وراء سَجْعٍ مُتَكَلِّف متعمَّد، وبطريقةٍ طَمَسَت معها معالم الحقائق التاريخية في كثيرٍ من الأحيان”.

شعر محمد بن أحمد النسوي :-

شهاب الدين محمد بن أحمد النسوي طرَقَ أبواب مختلف صنوف وألوان الشَّعر، ومن ذلك قوله:

قذفت بالعبّس وجـــه المهمـــه … رميت منه مشبها بمشبهِ

والشمس قد أذكت ضرام نارهـــا … لكنـــه في موقد من أوجهِ

والقفر خاف لا يبين طـــرفه … واضحهـــا للعين كالمشتبهِ

وجندب الأرض بهــــا مبلـــغ … وخـــاطب الحرباء كالمبتدهِ

والورد لو يشــرب عصفـــــور به … علــى فسيحِ غدْرِه لم يروهِ

مقتّـــــر مقــدر مكـــدر تقصــــر … عنـــه صفـة المشبهِ

فاستحسن أبياته، وأجــــازهُ … عليهــــــا بلدا بعملهِ

وقوله:

أنعت برقــــا في الدُّجــى يأتلق … كـــــــأنه في جلدتيه بلق

يجلو الدُّجــى لــهُ صبـــاح شرق … يرفضّ منه وابل مغدودق

كــــــــأنـــهُ جـــود المليك المغدق … أو أنه من كفِّــه متدفق

وقوله:

وإني لفــي قيد هذا الزَّمــــــــان … لكـــالدّرّ إذ بات حشو الصدف

وإني على الرغــم مـن حسّــدي … لأسـلافــي الصّيد نعم الخلف

فإن كـــان أنكر قدري الزَّمـــــان … فداهرة صدرت عن خرف

فعن أمــــم تنجلـــــي عمّتـــي … كـــبـدر الدُّجــى بعدمــا قد خسف

العرب خرجوا من الجزيرة العربية ليحكموا بلاد العجم والصين والهند
شهاب الدين محمد بن أحمد النسوي مؤرِّخ غلب على كتاباته الحديث عن المعارك والحروب.

نثره:-

تميز شهاب الدين محمد بن أحمد النسوي بكتاباته التاريخية ذات الطبيعة النثرية، ونختار بعض القطع التي أوردها في كتابه “سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي”:

  • وسايره وقد لمع برق فائتلق، كأنه غرة في أدهم أو أبلق، أو سلاسل من ذهب وما لها حلق، لا يني غمامه ينهمر انهمارا، ويلد إثر القطار قطاراً، وهو يجلو الظلماء بضوء جبينه الشرق، ويمتد من أرجائه ذهب ثم يتحدر من حافاته ورق.
  • غيرَ أنَّ الطَّامَّةَ من حادثة التاتار هجمت فطمَّت على المؤلِّف وتأليفه، في قضِّهِ وقضيضِه، ولفِّهِ ولفيفِهِ، حتى تعيَّنتُ لما تصديت تُعينُ فروض الكفاية على من لجأ به المَوجُ إلى السَّاحِل، وقد شمِلَ الغرَق عامَّة رُفقائه، فابتلى بتكاليفِ حياتِهِ وتصاريف بقائهِ.. وإِلَّا فما كُنْتُ أتصدَّى لِما لمستُ من رجالِهِ، مع قريحة قريحة وفكرةٍ عليلة، ومزجاة من بضاعة الكِتابةِ قليلة، ..
  • ولمَّا فارقوا صاحبهم  مُستوحشين، تحالفوا على التَّعاضُد، وتعاضدُوا على التَّحالُف، فأبذروت صفحة الخِلاف، وأبرزوا الشَّر من الغِلاف.
  • وأعتقد أنَّهُ لو قذفهُ ببعض رُجومِهِ، لغادَرَهُ رماداً تذروهُ الرِّياح العوَاصِف وتقتسمهُ الجوانب والشمال.
  • ولمَّا عادَ السُّلطان إلى سمرقند، خَلَعَ على أمراء الأصحاب، وزادَ في إقطاعاتهم ودرجاتهم، ولقب بوجي بهلوان منهم بقتلغ خان، وأغلَّ حاجِب بإينانج خان، وجازى كُلَّ واحدٍ منهم الخيرَ على إقدامِهِ، وثباتِ أقدَامهِ.
  • ولمَّا عَظُمَ شأن السُّلطان، وفخُمَ أمرهُ، وتجلَّت لهُ الدُّنيا في أرفعِ ملابسها، وأشرقت شمس دولته من أكرم مطالعها، واستملئِت جريدة ديوان الجيش على ما يُقارب أربعمائة ألف فارس؛ سمَت همته إلى طلب ما كان لبني سلجوق من الحُكمِ والمُلكِ ببغداد، وتردَّدَت الرَّسائل في ذلك مِراراً..

اقرأ هنا ..  قلعة جبيل تروي قصة حضارة غارقة في القدم

المصادر:-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى