أعلام

شهاب الدين السهروردي .. شيخ الصوفية ببغداد

كان فقيهاً شافعي المذهب، شيخاً صالحاً زاهداً ورعاً، جواداً، سَمْحاً، ملجأ للمكروبين

اسمه ونسبه:

عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عَمُّوَيْهِ، شهاب الدين أبو حفص البكري السهروردي البغدادي، يعود نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو شيخ الصوفية ببغداد، وُلِدَ بسُهْرَوَرد (إيران) وذلك في رجب، سنة 539هـ، ونشأ بين الفقراء.

ويقول ياقوت الحموي واصفاً سهرورد وذلك في كتابه “معجم البلدان”: هي بلدة قريبة من زنجان بالجِبال، خرج منها جماعة من الصالحين والعلماء.

مكانته العلمية:

كان فقيهاً شافعي المذهب، شيخاً صالحاً زاهداً ورعاً، جواداً، سَمْحاً، ملجأ للمكروبين، وحِصْناً للملهوفين، كثير الحج والاجتهاد في العبادة، تخرَّج على يديه خلق كثير من الصوفية في المجاهدة والخلوة، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله.

صحب عمه أبا النجيب وعنه أخذ التصوف والوعظ، والشيخ أبا محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، وغيرهما، وانتقل إلى البصرة إلى الشيخ أبي محمد بن عبد، ورأى غيرهم من الشيوخ، وحصَّل طرفاً صالحاً من الفقه والخلاف والعربية، وقرأ الأدب.

لازم شهاب الدين السهروردي الذكر والخلو ثم عقد مجلساً للوعظ
لازم الذكر والخلو ثم عقد مجلساً للوعظ

لازم شهاب الدين السهروردي بعد ذلك الخلوة والذكر والصوم إلى أن خطر له عند علو سنه أن يظهر للناس ويتكلم، فعقد مجلس الوعظ بمدرسة عمه، فكان يتكلم بكلام مفيد من غير تزويق، ويحضر عنده خلق عظيم، وظهر له القبول من الخاص والعام، واشتهر اسمه، وقصد من الأقطار، وظهرت بركات أنفاسه على خلق من العصاة، فتابوا، ووصل به خلق إلى الله، وصار أصحابه كالنجوم، وَنُفِّذَ رسولا إلى الشام مرات، وإلى السلطان خُوَارِزْم شَاه، ورأى من الجاه والحرمة ما لم يره أحد، وانتهت إليه تربية المريدين وتسليك العباد ومشيخة العراق، وكان شيخ الشيوخ ببغداد، أنشد يوماً في مجلسه على الكرسي:

لا تسقني وحدي فمـــــــــا عوَّدتني .. أنِّي أشحُّ بهــــا على جُلَّاسي

أنــــت الكــريم ولا يليــــق تكرُّمــــــــاً .. أِنْ يعبرَ النُّدماءُ دورَ الكــاسِ

فتواجد الناس لذلك، وتاب جمع كبير من الحضور.

كُفَّ بصره في آخر عمره، وأُقعِدَ، ومع ذلك فما أخل بشيء من أوراده.

شعره:-

من شعر شهاب الدين السهروردي :

تصرَّمْتُ وحشــــــــــــــةَ اللَّيـــــــالي … وأقبلـــــــــــت دولــةُ الوصال

وصـــــارَ بالوصلِ لـــي حســـــــوداً … مَنْ كانَ في هجرِكم رثى لي

وحقُّكـــــم بعد إن حصلتـــــــــــم … بكـــــــــــــــلِّ ما فات لا أبالي

أحييتموني وكُنْتُ مَيْتـــــــــــــــاً … وبعتموني بغيرِ غـــــــــــــــــالي

تقاصرت عنكم قلــــــــــــــــــوبٌ … فيــــــــــــــــــــا له مورداً حلا لي

عليَّ ما للورى حـــــــــــــــــــرامٌ … وحبُّكم في الحشـــــــــا حلا لي

تشرَّبَتْ أعظمي هـــــــــــــــواكم … فمــــا لغيرِ الهوى وما لي

فما على عادمٍ أجاجــــــــــــــــاً … وعنده أعينُ الــــــــــــــــــــــــــزُّلال

ومن جميل شعره قوله:

أشمُّ منك نسيمــــــــاً لسْتُ أعرفُهُ … أظنُّ لمياءَ جَرَتْ فيك أذيالا

ومنه أيضاً:

إِنْ تأمَّلْتُكـــــــم فكلِّـــــــــــي عيــــونٌ … أو تذكَّرْتُكُم فكلِّي قلوب

نوادره:

كان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون إليه من البلاد صورة فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم، وكتب بعضهم إليه: “يا سيدي إن تركت العمل أخلدت إلى البطالة، وإن عملت داخلني العجب، فأيهما أولى؟”. فكتب جوابه: “اعمل، واستغفر الله تعالى من العجب”.

بغداد عام 1932 هي المدينة التي عاش فيها السهروردي
بغداد في العام 1932 م – وهي المدينة التي عاش فيها السهروردي

وقال مرة هذا البيت:

مَا فِي الصِّحَابِ أَخُو وَجْدٍ نُطَارِحُهُ .. حَدِيثَ نَجْدٍ وَلَا صَبٌّ نُجَازِيهِ

وجعل يكرره ويتواجد فقام شاب من الحاضرين فقال: يا شيخ كم تشطح وتنتقص بالقوم، والله إن فيهم من لا يرضى أن يجاريك، ولا يصل فهمك إلى ما يقول! هلا أنشدت:

مَا فِي الصِّحَابِ وَقَدْ صَارَتْ حَمُولُهُمْ .. إِلَّا مُحِبٌّ لَهُ فِي الرَّكْبِ مَحْبُوبُ

كَأَنَّمَــــــــــا يُوسُفٌ فِي كُلِّ رَاحِلَــــــــةٍ .. وَالْحَيُّ فِي كُلِّ بَيْتٍ مِنْهُ يَعْقُوبُ

فصاح الشيخ، ونزل عن المنبر، وقصد الشاب ليعتذر إليه فلم يجده، ووجد مكانه حفرة فيها دم كثير من كثرة ما كان يَفْحَصُ برجليه عند إنشاد الشيخ البيتَ.

الخُلوة عند السهروردي:-

  • فليعلم الصَّادق أن المقصود من الخُلوة؛ التقرُّب إلى الله تعالى بعِمارة الأوقات، وكفِّ الجوارِح عن المكروهات؛ فيصلح لقومٍ من أرباب الخُلوة إدامة الأوراد وتوزيعها على الأوقات، ويصلُح لقومٍ ملازمة ذكرٍ واحد، ويصلح لقومٍ دوام المراقبة، ويصلُح لقومٍ الانتقال من الذِّكر إلى الأوراد، ولقومٍ الانتقال من الأوراد إلى الذِّكر، ومعرفةُ مقادير ذلك يعلمه المصحوب للشَّيخ المطَّلِع على اختلاف الأوضاع وتنوّعها، مع نُصحه للأمة وشفقته على الكافَّة، يريدُ الله لا لنفسه، غيرَ مبتلىً بهوى نفسه، محباً للاستتباع، ومَن كانَ مُحِباً للاستتباع؛ فما يفسده مثل هذا أكثر مما يصلحه.
  • من دَخَلَ الخُلوة مُعتلَّا في دخوله؛ دَخَل عليه الشيطان وسوَّل له الطُّغيان، وامتلأ من الغرور والمحال، وظنَّ أنَّه على حُسْن حال، وقد دخلت الفتنةُ على قومٍ دخلوا الخُلوة بغير شروطها، وأقبلوا على ذِكر من الأذكار واستجموا نفوسهم بالعُزلة عن الخلق، ومنعوا الشواغل عن الحَواس كفعل الرهابين والفلاسفة والبراهمة، والوحدة في جمع الهمّ لها تأثير في صفاء الباطن مُطلقاً، فما كان من ذلك بحُسن سياسة الشَّرع وصدق المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنتج تنوير القلب، والزُّهد في الدُّنيا. وحلاوة الذِّكر، والمعاملة لله بالإخلاص من الصَّلاة والتِلاوة وغير ذلك، وما كان من ذلك من غير سياسة الشَّرع ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلَّم، ينتج صَّفاءً في النَّفس يُستعان به على اكتساب علوم الرياضة مما يُعنى به الفلاسفة والدَّهريون- خذلهم الله تعالى- وكلَّما أكثر من ذلك بَعُدَ عن الله”.
  • قد يُفتَحُ على الصَّادقين شيءٌ من خوارق العادات، وصِدق الفِراسة، تبيِّن ما سيحدُث في المستقبل.

كرامات السهروردي:-

أورَد النبهاني في كِتابه ” جامع كَرامات الأولياء” مجموعةً من الكَرامات التي حصلت مع الشيخ شهاب الدين، نذكر إحداها على ذِمَّة المَصدر المذكور:

فقد قال صاحبه نجم الدين النقليسي : دخلتُ الخلوة ببغداد عند الشيخ رضي الله عنه، فشهِدتُ في الواقعة في اليوم الأربعين، الشيخ شهاب الدين عمر على جبل عالٍ وعنده جواهر كثيرة، والشَّيخ  بيد صاع وهو يملأ من تلك الجواهر ويبثها على النَّاس وهم يبتدرون إليها، وكلَّما قلَّت الجواهر؛ نَمَت كأنها تنبع من عين.

 قال (النقليسي): خرجتُ من الخُلوة في آخر يومي ذلك وأتيته (السهروردي) لأخبره بما شاهدت، فقال لي: قبل أن أتكلَّم بالذي رأيته: يا ولدي الذي رأيته حَق وأمثاله معه من بَرَكَة الشيخ عبد القادر (الجيلاني) رضي الله عنه ممَّا عوَّضني به من عِلم الكَلام، فإنَّه كانت له اليد المبسوطة من الله تعالى في التصريف النَّافذ والفَعل الخارق رضي الله عنه.

ما قيل فيه:

قال ابن خلِّكان: “رأيت جماعةً ممن حضروا مجلسه وقعدوا في خلوته وتسليكه، كجاري عادة الصوفية، فكانوا يحكون غرائب مما يطرأ عليهم فيها وما يجدونه من الأحوال الخارقة، وكان قد وصل رسولاً إلى إربل من جهة الديوان العزيز، وعقد بها مجلس وعظ، ولم تتفق لي رؤيته؛ لصغر السن”.

وقال الذهبي: “قدوة أهل التوحيد، شيخ العارفين … ولم يخلف بعده مثله”.

قال عنه النبهاني: “كان أحد رجال العراق ممن انتهت إليه رياسة هذا الشأن، وكان عالماً فاضلاً لبيباً أديباً ذا فصاحة ومعرفة، أُعطِيَ طرفاً من العِلم الشَّريف اللدني، وكان يتكلَّم على المغيبات، ذا كرامات خارقات، متمسكاً بالكِتاب والسُّنة، مُجتهداً في أحكام الشريعة ومقام الحقيقة”.

وقال ابن كثير: “كان من كبار الصالحين وسادات المسلمين، وتردد في الرَّسْلِيَّةِ بين الخلفاء والملوك مراراً، وَحُصِّلَتْ له أموال جزيلة، ففرقها بين الفقراء والمحتاجين … وكانت فيه مروءة وإغاثة للملهوفين وإعانة للمحتاجين، وأمر بالمعروف ونهي عن منكر، وكان يعظ الناس وعليه ثياب الْبِذْلَةِ”.

الباب الوسطاني قرب مرقد الشيخ شهاب الدين السهروردي
الباب الوسطاني قرب مرقد الشيخ عمر السهروردي – ويكيبيديا

وقال ابن الدُّبَيْثِيِّ: “قدم بغداد، وكان له في الطريقة قدم ثابت ولسان ناطق، وولي عدة رُبُطٍ للصوفية، وَنُفِّذَ رسولاً إلى عدة جهات”.

وقال ابن النَّجَّار: “كان شهاب الدين شيخ وقته في علم الحقيقة، وانتهت إليه الرياسة في تربية المريدين، ودعاء الخلق إلى الله، والتسليك … وكان تام المروءة، كبير النفس، ليس للمال عنده قدر، لقد حصل له ألوف كثيرة، فلم يدَّخر شيئاً، ومات ولم يُخلِّفْ كفناً، وكان مليح الخلق والخلق، متواضعاً، كامل الأوصاف الجميلة”.

كتب السهروردي ومصنفاته:

  1. عوارف المعارف: كتاب في التصوف، ذكر فيه من علومهم التَّالد والطَّارف.
  2. نغبة البيان في تفسير القرآن.
  3. جذب القلوب إلى مواصلة المحبوب.
  4. السير والطير.
ترجمة للسهروردي من مخطوطة ” غرر اللطائف، مختصر عوارف المعارف للسهروردي” للمحب الطبري – صفحة النسابون- المصدر جامعة الملك سعود

جامع الشيخ السهروردي:-

تعرَّضت بعض المؤلفات العربية بالتفصيل إلى عمارة وهيئة جامع الشيخ شهاب الدين السهروردي الواقع بمدينة بغداد.

وقال السيد محمود شكري الألوسي (توفي عام 1924م) في كتابه ” تاريخ مساجد بغداد وآثارها”: يقع المسجد بالقرب من سور الرصافة في وسط المقبرة المعروفة تاريخياً بالمقبرة الوردية، وهو قديم العهد، رحب الفناء، واسع المصلى، تقام فيه الجُمع والأعياد، فيه مدرسة وحجر، والمدرسة مطلة على الصحراء، وقد أحاطت المقابر بهذا المسجد من جميع جوانبه، وامتلأ صحنة منها، ولم تزل الأيادي تتداول عمارته وإصلاحه”.

جامع شهاب الدين السهروردي
المسجد في العام 1924 م

ولفت الكتاب أيضاً إلى أن إسماعيل باشا والي شهرزور أحدث في المسجد بعض العمارات وذلك في سنة (1273 هجري) أي 1856 م.

ومن بين تلك العمارات، طارمة في الجهة الشمالية منه وطاق مرتفع مشرف على الصحراء.

وقد أرَّخ هذه العمارة، عبد الباقي العمري بتسعة أبيات كانت مكتوبة على الجدران فخربت بخرابها ومنها:

إن إسمــــــــــاعيل والـــي شهروز .. صــــاحب التدبير والرأي المسدد

سابقــــــــــاً كان باني طارمــــة .. خنصــــر الفضل عليها راح يعقد

وتصدى لاحقــــاً يتبعهــــــــــــا .. ببنـــــاء طاق لأوج المجد يصعد

وفي مقـــــــــام السهروردي أرخوا .. حجر إسماعيـــــــل للعز تشيد

ووفقا للكتاب المذكور؛ فقد شهد العام 1320 هجري (1902 م)، إعادة إعمار قسم من المسجد وذلك بعد أن تداعت للسقوط، وأقيمت منارته بالحجر الكاشاني الملون. وآنذاك؛ كان لهذا الجامع سقاية يجري إليها الماء من دجلة بقناة لبعده عنها، وكان فيه قبر الشيخ عمر صاحب كتاب العوارف.

وفاة السهروردي:

توفي الشيخ شهاب الدين السهروردي في بغداد، في 1 محرم، سنة 632 هجرية (1234 م)، ودفن من الغد بالوردية.

المصادر:

  • الأعلام (5/62).
  • البداية والنهاية (17/209).
  • عوارف المعارف، تحقيق عبد الحليم محمود، محمود بن الشَّريف.
  • جامع كرامات الأولياء للنبهاني، تحقيق إبراهيم عطوه.
  • سير أعلام النبلاء (22/373/رقم 239).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (7/268).
  • طبقات الفقهاء الشافعية (2/653/رقم 249).
  • العبر في خبر من غبر (3/213).
  • تاريخ مساجد بغداد وآثارها.
  • صفحة ديوة خانه الخاتون على الفيس بوك.

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/3/30/%D9%85%D8%B1%D9%82%D8%AF_%D9%88%D9%85%D9%82%D8%A8%D8%B1%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE_%D8%B9%D9%85%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%87%D8%B1%D9%88%D8%B1%D8%AF%D9%8A_%D9%81%D9%8A_%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF.jpg

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى